المجالس العرفية.. محاكم موازية تفتت المشاكل ولا تحلها

أثارت موافقة مجلس الوزراء المصري منذ أيام على إجازة عقد المجالس العرفية وأن تكون ضمن مسؤوليات العمدة أو شيخ البلد للإصلاح بين المتخاصمين، جدلا كبيرا حول شرعية تلك المجالس ومدى قانونية أحكامها وتأثيرها على دور الدولة وهيبتها.
الأحد 2016/02/07
احكم نفسك بنفسك

القاهرة – تلعب المجالس العرفية، التي تنتشر في المجتمعات القبلية والبدوية في العديد من الدول العربية، دورا مهما موازيا لدور الدولة ومكمّلا له في حصار الخروج على القانون داخل تلك المجتمعات قبل تفاقمه. ولئن تقلّص، اليوم، دور هذه المجالس، مقارنة بالماضي، إلا أن تأثيرها وحضورها مازلا فاعلان في بعض الأوساط القبلية والقرى، خصوصا تلك البعيدة عن المركز (العاصمة)، على غرار الصعيد المصري.

وفي مصر، مثلا، لسنوات طويلة كان هناك ما يشبه الاعتراف والقبول الضمني من الدولة الرسمية بالمجالس العرفية وآليات عملها، لكن من دون نصوص قانونية واضحة تعترف بها، حتى جاءت موافقة مجلس الوزراء المصري منذ أيام، على مشروع قرار بتعديل بعض أحكام القانون، رقم 58 لسنة 1978 بأن يكون عقد المجالس العرفية ضمن مسؤوليات العمدة أو شيخ البلد للإصلاح بين المتخاصمين، ما فتح باب التساؤلات حول شرعية تلك المجالس ومدى قانونية أحكامها وتأثيرها.

محلّلون رأوا أن الموافقة تعكس حاجة الدولة لتلك المجالس في ظل انشغال الأجهزة الأمنية الرسمية وحتى القضاء الطبيعي بالكثير من الأمور السياسية في السنوات الأخيرة. واعتبروا أن موافقة مجلس الوزراء المصري تعزز الدور المستقبلي لتلك المجالس بعد التراجع الذي شهدته في الفترة الأخيرة؛ لكن التخوّف الأكبر يمكن في أن تنحية القانون لصالح “العرف” يعد اعترافا ضمنيا بانعدام الثقة بين الشعب والأجهزة الأمنية، وأن ترك فض النزاعات لمواطنين تحكمهم القبلية، سيؤدي إلى “تغولهم” على السلطة القضائية، وهي بداية لتراجع دور وهيبة الدولة.

ويرجع قدري حفني، أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس، اعتراف الكثيرين بالمجالس العرفية والرضا بأحكامها إلى كونها مجالس شبه منتخبة متفق على أعضائها من المجتمع الذي يعيشون فيه، حيث أن المُحكِّمين يملكون مكانة متميزة فيه ولديهم معرفة تامة بدقائق المشكلات وتفاصيلها.

وفسّر حفني لـ”العرب” أسباب لجوء الأهالي في صعيد مصر وريفها إلى تلك المجالس بدلا من المحاكم، قائلا إن أهمها بطء الإجراءات القانونية، لتعدد درجات التقاضي بين نقض واستئناف، إضافة إلى كثرة عدد القضايا التي غالبا ما تأخذ سنوات لإصدار أحكام فيها بسبب قلة عدد القضاة.

بالتوازي مع ذلك هناك الخوف الذي يتملّك الكثيرين من الاقتراب من الشرطة والنيابة؛ ناهيك عن أن المجالس قبلة الفقراء بالأساس، لأنها لا تكلّفهم أموالا باهظة كالتي يطلبها المحامون لمباشرة قضاياهم.

الموافقة تعكس حاجة الدولة لتلك المجالس في ظل انشغال الأجهزة الأمنية الرسمية وحتى القضاء الطبيعي بالكثير من الأمور السياسية في السنوات الأخيرة

وقد عرفت مصر المجالس العرفية عن طريق القبائل المتدفقة من الجزيرة العربية أثناء الفتح الإسلامي، وانتشرت بالمناطق الحدودية والريفية، حيث لم تكن هناك قوانين بها، فتلاقت فكرة “العُرف” القائمة عليها تلك المجالس مع العادات والتقاليد السائدة.

لاحقا، ومع نشأة النظام القضائي وسنّ القوانين المنظمة للنزاعات، تمسّك مواطنو تلك المجتمعات بمجالسهم العرفية التي تفوق في هيبتها وشرعيتها المجالس القضائية الرسمية أحيانا.

ويرى المفكر العلماني كمال زاخر أن “المجالس العرفية” تعمل على تفتيت المشكلات وليس حلها، ولا يمكن اعتبارها بديلا عن إعمال القانون وتعقب الجناة. وأضاف أنه مع مرور الوقت ستساهم هذه المجالس في تكريس التطرف والإرهاب وضحيتها الأولى ستكون الدولة نفسها.

لكن، أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي، استنكر معارضة البعض لتلك المجالس، وقال لـ”العرب” إنها تنتشر في دول كثيرة لاحتواء الصراعات في أضيق الحدود لتجنب تفشيها واتساع نطاقها. وترتبط “المجالس العرفية” بالطبيعة الجغرافية للدول وتظهر بمصر في المحافظات الحدودية لما يحكمها من معايير خاصة تختلف عن الأطر الرسمية لنظام الدولة، أما الدول الغربية فتكون بالأقاليم الجنوبية.

وبيّن سلامة أن بعض المناطق في وسط آسيا تخضع للأعراف في توزيع الثروات والنفوذ والأراضي الزراعية، وفي أفريقيا يوجد ما يطلق عليه “لجنة حكماء أفريقيا” التي تطبق ما يتعارف عليه الجيران. ويرجع تنامي ظاهرة “المجالس العرفية” للمعايشة اليومية لبيئة الصراع، حيث يتمكن القاضي العرفي من توظيف الروابط الاجتماعية لتسوية النزاعات واحتواء الأزمات.

غياب نسائي

في إحدى قرى محافظة الدقهلية (شمال شرق القاهرة) حضرت “العرب” جلسة صلح عرفي بمنزل الشيخ محمد أبو سنة القاضي العرفي كما يلقبه أهالي القرية. وكان واضحا غياب العنصر النسائي عن الجلسة المنعقدة، حيث لا يسمح للمرأة بالحضور إلا إذا كانت طرفا في الخصومة، ويعقد مجلس يُدعى له المقربون من العائلة نفسها وشيخها فقط.

المجالس العرفية تعمل على تفتيت المشكلات وليس حلها، ولا يمكن اعتبارها بديلا عن إعمال القانون وتعقب الجناة

وضمت الجلسة “الرئيس” الشيخ أبو سنة، أما “المحكِّمون” معه فقد تألّفوا من عدد من الأعيان ومشايخ القبائل والعُمد ورجال الدين المشهود لهم جميعا بالخير وحبّ الإصلاح بين الناس. وجاءا الطرفان المتنازعان إلى الجلسة برفقة ذويهم ومعهم المستندات المتفق عليها لإثبات الإدانة.

الموافقة المسبقة على نتيجة التحكيم والالتزام بتنفيذه كانت أمام الجميع بعد أن تقاسم المتنازعان دفع مبلغ تسعمئة جنيه‏ (ما يعادل 110 دولارات) كرسوم للتقاضي لإقامة الجلسة‏،‏ وإكرام الضيوف‏.‏ وقال مصدر أمني تواجد بالجلسة، لـ”العرب”، إن الجهات الرسمية لا تتدخل كما يعتقد البعض في تكوين المجالس العرفية.

ونفى ما يثار حول إجبار الشرطة لأحد الأطراف على الصلح أو إنهاء خصومة، لأن ذلك الأمر يتمّ بالتراضي وموافقة طرفي النزاع على الحكم، وإلا يصبح دون فائدة. وأوضح أن الأجهزة الأمنية تتدخل في حالة عجز المجالس العرفية عن الفصل بين المتنازعين، ودورها منع تفاقم المشكلة.

ويجب أن تتوفر في القاضي العُرفي عدة شروط منها النزاهة والعدل والذكاء حتى يقبل الناس بقراراته، وغالبا ما يكون من أعيان القرية (عمدة أو شيخ البلد) حتى يتمتع بهيبة تفرض على المتخاصمين الالتزام بأحكامه، ويتخصّص في نوع معين من النزاعات، ليكون أكثر قدرة على إصدار أحكام عادلة.

والشيخ أبو سنة يلجأ إليه المواطنون دون غيره، لأن أحكامه مرنة ومتناسبة مع طبيعة الخصومة أو النزاع، ويحظى باحترام وتقدير الجميع، لدرجة أن الجهات الأمنية أحيانا تحيل إليه بعض القضايا‏.

ويؤدّي النطق بحكم غير مرغوب فيه من قبل أحد المتنازعين إلى عقد جلسة ثانية عند قاض آخر، فإذا حكم الثاني بالحكم نفسه يكون الحكم نهائيا‏،‏ وواجب النفاذ‏. أما إذا تعارض الحكمان فيذهب المتنازعان إلي قاض ثالث‏،‏ وحكمه‏ هو المنصف الأخير لأحداهما،‏ والتنفيذ يكون في ضمان الكفلاء‏ بموجب محاضر إدارية تتضمن تفاصيل الحكم والصلح بديوان مركز القرية.

كيان مواز

ظهور تنظيمات الإسلام السياسي في سبعينات القرن الماضي وازدياد نفوذها، ترافق مع اتساع أزمات الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، ما دفع المجالس العرفية لمّد تغطيتها للفصل في تلك القضايا.

لجوء الدولة للمجالس العرفية لا يمنع كونها مسكنات وقتية وليست جذرية، ولن تنجح في تسوية النزاعات على المدى الطويل

وكانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أعدت دراسة أكدت فيها أن هناك 45 حادثة اعتداء طائفي في الفترة من يناير 2011 حتى نهاية 2014، تم التعامل مع كل حادثة وتداعياتها عن طريق مجالس صلح عرفية.

كذلك تضمنت المهام المستحدثة للمجالس العرفية الفصل في تهم الاختطاف التي كثرت في الآونة الأخيرة نتيجة لعدم استرداد الأمن لكامل عافيته بعد ثورة يناير. والطريف أن عقوبة الاختطاف كما قال بعض الأهالي لـ”العرب” هي ضرب المختطف وإخوته وأولاد عمومته‏،‏ وقياس مسافة الاختطاف بالمتر‏،‏ يدفع عن كل منها كبير عائلته غرامة ألف جنيه‏.

تأكيد القائمين على تلك المجالس أنها أثبتت كفاءتها في الحفاظ على النسيج المجتمعي بمساهمتها في حلّ النزاعات بين العائلات قبل تفاقمها، لم يغيّر وجهة نظر المستشار عمر السعيد (رئيس محكمة ابتدائية بالمنصورة) بأنها تشكل قضاء موازيا وتعكس ضعف الثقة في النظام القانوني.

ويختلف المستشار مع القائلين أن تلك المجالس ستخفّف زحام المحاكم ومن ثم ستسرع إنهاء إجراءات القضايا. من جهة أخرى، أوضح المحامي علاء أبو العينين أن أحكام المجالس العرفية في القضايا الجنائية لا تلتزم بها المحاكم، لكنها ربما تخفّف الحكم وتنزل به درجة واحدة.

وأكد لـ”العرب” أن القاضي العرفي لا يتمتّع بأهلية قانونية تخوّله النظر بحياد تام للنزاع المطروح أمامه. وأضاف أن بعض الجلسات ينتج عنها أحكام يحظرها القانون كالتهجير القسري والتعسفي للمواطنين.

الباحث والكاتب الصحفي نبيل عبدالفتاح يعتبر تنامي ظاهرة جلسات الصلح العرفي، له علاقة بدور الدولة المصرية وغياب سيادة القانون، وغلبة العرف على القانون المدني الطبيعي الذي يمثله النظام القضائي في مصر. وقال عبدالفتاح لـ”العرب” إن الدولة تأخذ موقفا سلبيا من تلك الظاهرة حيث لا تتدخل لمنعها أو الحد منها بل على العكس تقوم بتشجيعها في أحيان كثيرة.

وفسّر أسباب غض الطرف عن هذه الظاهرة، والاعتماد عليها في كثير من الأحيان لتسوية النزاعات في القضايا الكبرى مثل الثأر والفتنة الطائفية، بعدم رغبة الدولة في التصادم مع المجتمع. لكن لجوء الدولة للمجالس العرفية لا يمنع كونها مسكنات وقتية وليست جذرية، ولن تنجح في تسوية النزاعات على المدى الطويل.

4