المجتمعات الإسلامية تعاني هوة رقمية مع العالم

على الرغم من تأخر تنفيذ استراتيجية تطوير تقانة المعلومات والاتصال في العالم الإسلامي، إلا أنها تعتبر دليل عمل هام لردم الهوة الرقمية المتفاقمة مع العالم المتطور تقنيا، وتأهيل البنى التحتية في مجال تقانات المعلومات.
الجمعة 2015/06/12
الطروحات النظرية للاستراتيجية تحتاج إلى ترجمة واقعية على الأرض لمفاهيمها

مضت ست سنوات على وضع استراتيجية تطوير تقانات المعلومات والاتصال في العالم الإسلامي، من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ــ إيسيسكو ـــ، لكن تنفيذها يواجه صعوبات في الكثير من الدول الإسلامية.

والسبب الأول الذي أعاق هذا الحلم الطموح من التحقق، وجود مليارين من البشر لا يستفيدون من خدمة الربط بشبكات الكهرباء من مجموع سكان العالم، الذي يربو على سبعة مليارات، وهو الشرط الأساسي للحصول على التقانات الجديدة.

والجزء الأكبر من هذين المليارين من البشر يعيشون في دول إسلامية، وهي الأقطار التي حددتها المنظمة كوسط سكاني لتنفيذ الاستراتيجية التي وضعتها عام 2009 ونظمت مؤتمرات حولها.

وتشير بنود الاستراتيجية، التي أشرفت على وضعها الخبيرة المغربية د. دليلة الشياظمي، من جامعة محمد الخامس بمدينة الرباط، وتبنتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وأشار عبدالعزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة، عند تقديمه لبنودها إلى “قدرتها على تقليص الهوة الرقمية التي تفصل العالم الإسلامي عن الدول الرائدة في المجال الرقمي”، وفي الحقيقة كان من الضروري التحرك بشكل جماعي للحاق بالعالم، إذ أن التطور الاقتصادي الذي تتطلع إليه الدول الإسلامية لا يمكن تحقيقه دون تطوير حقيقي لمهارات في المجال الرقمي.

فقد أتاحت ثورة المعلومات والاتصال واقعا جديدا من أبرز خصائصه حرية تدفق المعلومات، وتوزيعها غير المتوازن بين دول العالم، والانتشار الواسع لتقانات المعلومات والاتصال ورواج مضامين معرفية مؤثرة في الفئات الاجتماعية المختلفة، وبخاصة الأطفال والشباب والنساء، مما أثر على بنيات المجتمعات الإسلامية، وخلق قيما جديدة لم تكن مألوفة فيها.

وطمحت الاستراتيجية إلى أهداف رئيسية، أولها تأهيل البنى التحتية في مجال تقانات المعلومات والاتصال في الدول الأعضاء، وثانيا، تفعيل دورهذه التقانات في التنمية الوطنية، ثم تعزيز إنتاج محتويات معرفية رقمية تعكس الثقافات المتعددة للدول الأعضاء، وأخيرا، العناية بالجوانب الأخلاقية لتقانات المعلومات والاتصال في هذه الدول.

ووضع الخبراء أربعة مجالات عمل للاستراتيجية، تتمثل في تطوير البنية التحتية، وتعزيز دور المتدخلين والفاعلين من الجهات الحكومية، وهيئات المجتمع المدني لتحقيق أهداف الاستراتيجية، والثالث إعداد برامج تكوين وتوعية، بالإضافة إلى تشجيع إنتاج المحتويات الرقمية والمعرفية.

حرية تدفق المعلومات وتوزيعها غير المتوازن بين دول العالم أثرا على بنيات المجتمع الإسلامي وخلقا قيما جديدة

وتحتاج الطروحات النظرية في هذه البنود إلى ترجمة واقعية على الأرض لمفاهيمها، ليتمكن الكادر الفني الوسطي تحقيقها، وهي ترمي إلى تعميم بنى تحتية في كل بلد وإنشاء هياكل لتقنين القطاع، ومحاربة الأمية الرقمية في المؤسسات التعليمية، وتعزيز القدرات في مجال التقانات من خلال الدعم المعرفي والتدريبي في أقطار متقدمة رقميا، والاهتمام بالتراث الثقافي لكل بلد ورقمنته ونشره على شبكة الانترنت، وتشجيع القطاع الخاص والعام في كل قطر على إنتاج محتويات معرفية تراعي التنوع الثقافي واللغوي وتستجيب للاحتياجات الخاصة للدول الأعضاء، وإنتاج محتوي علمي وتقني.

وقد جاءت الاستراتيجية بمقدمة وخمسة فصول، تناول الأول منها “الدواعي”، وأبرز الأسباب التي ألهمت واضعي الاستراتيجية إلى تبني أفكارها، هو ردم الهوة بين الدول الإسلامية والدولة المتطورة رقميا، فقد جعلتنا هذه الهوة كراكبي ظهر الأسد مع عالم يتطور رقميا كل ساعة، فلا نستطيع الاندماج الكلي فيه ولا تجنبه، فمن يندمج فيه وهو يعاني من قصور في بناه التحتية الرقمية يكون مُستَغلا من الدول المتقدمة، ومستباحا ومن لا يندمج سيعاني اقتصاديا واجتماعيا وسيبقى في دركات الفقر والجهل، فلا يكفي الانتفاع بمزايا تقانات المعلومات والاتصال (الهاتف الذكي والانترنت) فحسب، وإنما يتطلب الانخراط كليا في جميع قطاعات تقانات المعلومات والاتصال الحيوية.

وجاء الفصل الثاني لتحليل الوضعية الراهنة، التي أشير فيها إلى أن الطابع العالمي لشبكة الإنترنت صار متداولا في وسائط الإعلام والمؤتمرات والقمم العالمية، فإننا لا نزال نلاحظ عدم تكافؤ في فرص الوصول إلى مصادر المعلومات ومحتوياتها وبناها التحتية، والكثير من التقارير المعتمدة من اليونيسكو يشير إلى أن 11 بالمئة من سكان العالم يحصلون على خدمة الإنترنت، و90 بالمئة منهم يعيشون في بلدان متقدمة صناعيا وأن عدد المستفيدين من خدمات هذه الشبكة في أفريقيا يقدر بحوالي 1 بالمئة من سكان هذه القارة، وأن البلدان غير الصناعية تمثل نسبة 1.1 بالمئة من سكان العالم الذين يستخدمون الإنترنت، وتوضح هذه النسب الهوة الرقمية بين دول الشمال والجنوب.

وتناول الفصل الثالث الأهداف والمنهجية التي يجب أن تتبع لتنفيذ بنود الاستراتيجية، وقد أكدت على ضرورة انخراط عدة أصناف من المتدخلين السوسيومهنيين، مثل مهنيي التربية والثقافة، والباحثين في مجال تقانات المعلومات والاتصال، وحددت دور كل فئة منهم.

مليارين من البشر لا يستفيدون من خدمة الربط بشبكات الكهرباء من مجموع سكان العالم، الذي يربو على سبعة مليارات

وتناولت عناصر الاستراتيجية في الفصل الرابع، وحددتها بجدول تفصيلي، حددت فيه عناصر البنية التحتية، وعناصر المتدخلين، وعناصر التكوين والتوعية والمحتويات المعرفية، وتناولت في الفصل الخامس وسائل تنفيذ الاستراتيجية، واتبعت ذلك بملاحق تناولت فيها مؤشرات الاتحاد الدولي للاتصالات ومؤشرات الدول الأعضاء في المنظمة الإسلامية.

ومن الواضح أن الدول الأعضاء التي تحاول بجهود ذاتية أن تحقق مفردات هذه الاستراتيجية، وجدت أمامها معوقات حقيقية للتنفيذ كالأمية الرقمية في مدارس هذه الدول، واتباع نظام الدراسة في جميع المراحل تقريبا على تلقين الطالب المعلومات التي ينساها بعد الامتحان النهائي مباشرة، إضافة إلى ما تشهده المنطقة من حوادث عنف وحروب، واضطرابات أمنية، وهجرة واسعة للأدمغة من هذه الدول إلى خارج بلدان المنظمة، وانخفاض أسعار النفط، مما أثر سلبا على ميزانيات عدد من هذه الدول، التي تعتبر الممول الرئيس لتحقيق استراتيجية طموحة.

18