المجتمعات الخليجية تتغير: انفتاح تدريجي دون المساس بالخصوصية

يفرض انفتاح دول الخليج العربي على الفعـاليات الدوليـة عليها مراجعة البعـض من سياسـاتها و”تقاليدها” بما يتناسب مع هذا التطور، من ذلك رغبة قطر في استضافة كأس العالم لكرة القدم في 2020، الأمر الذي فتح الباب أمام مجموعة من القضايا التي تتعلق بسلوكيات الأشخاص وأسلوب حياتهم والتي يجب مراجعتها، وهي فرصة اعتبرها النـاشطون القطريون مهمة من اجـل إدخال بعض التغيـيرات في المجتمع، فيما رأت المملكة العربية السعودية أن بعض هذه التغييرات ضرورية لتحقيق نظرتـها المستقبـلية السعودية 2020 دون المساس بخصوصية المجتمع.
الأربعاء 2016/11/02
في الطريق نحو التخلي عن الأسود

واشنطن – جاءت الموافقة على فوز قطر بتنظيم كأس العالم في صالح الناشطين الحقوقيين والنقابيين والشباب، الذين رأوا في الشروط المفروضة على الدولة التي ستحظى بشرف استضافة أحد أهم المحافل الرياضية الدولية، فرصة لرفع الغطاء عن قضايا مسكوت عنها، وبعضها كان من المحرمات، من ذلك لباس المرأة وقضايا المواطنة.

والحديث عن مثل هذه القضايا، بات أمرا مطروحا في مختلف دول الخليج، إلا أنه قد يكون أكثر وضوحا في قطر بسبب احتمال تنظيم كأس العالم في هذه الدولة الخليجية؛ وهو أمر يقع لأول مرة في تاريخ هذه المسابقة وتاريخ دول الخليج. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تركيز الاهتمام على كيفية التعامل مع التدفق المتوقع لأعداد كبيرة من مشجعي كرة القدم من مجتمعات أقل محافظة ومجتمعات غير مسلمة، إلا أن ذلك من شأنه أن يكون انعكاسا لسعي شباب ونساء المنطقة إلى توسيع قواعد السلوك الاجتماعي العام.

نسبة المرأة العاملة في السعودية تضاعفت في الفترة ما بين العام 2010 و2015، وذلك حينما دخلت المرأة الوظائف في جدة والرياض، مرتدية عباءات مختلفة الألوان، بعيدا عن الأسود المعتاد

ويدفع هذا الاتجاه نحو هبوب المزيد من رياح التغيير التي تجتاح منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط والتي تسعى لإدخال تعديلات وإصلاحات اقتصادية، وتعمل على إعادة صياغة العقود الاجتماعية القائمة بين الشيوخ والشعب، وذلك بالتزامن مع محاولات من مداخل المجتمع للدفع نحو مناقشة بعض القضايا “المحضورة” بشكل علني ومعالجتها. أججت الكاتبة القطرية الشيخة عنود آل ثاني، عبر مقالتها، نقاشات عديدة حول الاعتداءات على النساء اللاتي لا يغطين شعورهن أثناء السفر إلى الخارج، أو مشاركة المرأة في أنشطة خيرية تقام في الخارج ضمن مجموعات مختلطة من الجنسين، وفتحت أيضا موضوع المثليين القطريين وتحدثت في إحدى مقالاتها عما يعنيه أن تكون مثليا في مجتمع يدين التنوع الجنسي، بالإضافة إلى نقاشات أخرى جدلية مثل موضوع المواطنة في بلد يمثل فيه الأجانب الغالبية الساحقة، وصولا إلى السؤال الجوهري: ماذا يعني أن تكون قطريا؟

ماذا يعني أن تكون قطريا

كتبت الشيخة العنود، في ردها على التساؤل “لا يوجد تعريف واحد لمعنى أن يكون الإنسان قطريا وليست هناك ميزة تجعل من المرء قطريا. الغالبية العظمى من السكان في دولة قطر ليسوا قطريين، ومن الصعب تحديد ما يعنيه أن يكون الفرد قطريا… ليس هناك تعريف واحد للقطري وإجبار أي امرأة على تغطية شعرها أو إخفاءه ليس فيه أي إعلاء لصورة المجتمع القطري… لا يوجد شيء خير أو أكثر احتراما للناس من تعيير الرجال أو النساء عن وجهات نظرهم”.

صدرت مقالة الشيخة العنود آل ثاني، التي تحدثت فيها عن معنى المواطنة في دولة مثل قطر، بعد أيام قليلة من ضجة أثيرت على خلفية ظهور إحدى النساء القطريات، وهي الكاتبة وسيدة الأعمال مريم السباعي، في التلفزيون الفرنسي، وهي دون حجاب وقد تركت شعرها الأسود المجعد ينسدل بحرية على كتفيها، وهي تناقش وتدلي برأيها حول موضوع نظرة المرأة القطرية لنفسها.

وعلى غرار السباعي، ظهرت بشاير الشهري دون حجاب، وهي طالبة سعودية، تبلغ من العمر 28 ربيعا، تدرس الصيدلة في جامعة شيكاغو الأميركية، في تحد لقواعد اللباس الصارمة في البلاد.

وقررت الشهري نزع الحجاب الأسود الذي ارتدته في العلن طوال حياتها معتبرة أنه لا يعدو أن يكون غطاء للرأس. وقالت في تصريح لوكالة بلومبرغ “المجتمع يتغير، وأنا أحاول فقط رؤية ذلك، إنه أمر سهل جدا. لم ألاحظ أي فرق في المعاملة بين الناس ونظرتهم إلي”.

وقعت، مؤخرا، حوالي 14 ألف امرأة سعودية على عريضة يطالبن فيها الملك سلمان بن عبدالعزيز بإنهاء الوصاية الذكورية، من ذلك ضرورة حصول النساء السعوديات على موافقة أحد أقاربهن من الذكور من أجل السفر أو الدراسة أو العمل.

دفعت الناشطات إلى تحريك المياه الراكدة. وقد دعم عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، الشيخ عبدالله المنيع، العريضة بقوله إن الوصاية ينبغي أن تطبّق فقط على المتزوجات في حين أنه على مجلس الشورى أو الهيئة الاستشارية في المملكة العربية السعودية مناقشة “الظروف المناسبة” التي يتم من خلالها السماح للمرأة بقيادة السيارة.

في عرض لفرقة ألومينايت المسرحية الأميركية في الرياض تم التخلي عن مبدأ الفصل بين الجنسين كجزء من جهود الأمير محمد بن سلمان لتخفيف القيود المفروضة على الموسيقى والمسرح

وقالت وكالة بلومبرغ إنه من المتوقع أن تسهم الخطة الاقتصادية 2030، التي تسعى المملكة لتطبيقها، في خفض سلطات الشرطة الدينية والقيود التي تفرضها على السعوديين.

وأشارت إلى أن نسبة المرأة العاملة في السعودية تضاعفت في الفترة ما بين العام 2010 و2015، وذلك حينما دخلت المرأة الوظائف في جدة والرياض، مرتدية عباءات مختلفة الألوان، بعيدا عن الأسود المعتاد.

وفي وقت سابق، تم التخلي عن مبدأ الفصل بين الجنسين في عرض لفرقة الومينايت المسرحية والتي يوجد مقرها في نيويورك خلال عرض لها في الرياض كجزء من جهود ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتخفيف القيود المفروضة على الموسيقى والرقص والمسرح.

إرث الثورات

قبل عامين، اندلعت موجة من الاحتجاجات بعد رحلة شارك فيها شبان وشابات قطريون إلى غابات الأمازون الممطرة لأن النساء سافرن مع رجال لم يكونوا من أقاربهن. وقد أثار ماجد القطري، وهو اسم مستعار لمثلي قطري، غضبا من خلال كتابة مقال وصف فيه ماذا يعني أن يكون الفرد مثليا في دولة خليجية. وانتقد القطري إشادة الكثيرين بالهجوم الذي استهدف حانة للمثليين في أورلاندو، في فلوريدا في وقت سابق من هذا العام.

وفي تحد آخر للمحرمات، تساءل الشباب القطري على تويتر لماذا المهنيون مثل الأطباء والمهندسين الذين يساهمون في تنمية قطر يرفضون المواطنة بينما يتنافس الرياضيون على نيل الجنسية؟

كل هذه القضايا؛ حقوق المرأة وحقوق المثليين وحقوق الأجانب، تتم إثارتها لأول مرة من طرف الناشطين الحقوقيين والنقابيين على الصعيد الدولي، بعد أن تم منح قطر فرصة تنظيم نهائيات كأس العالم في أواخر عام 2010.

لا يريد شباب الخليج تكرار ما حدث في الثورات العربية في عام 2011 التي باستثناء تونس تحولت إلى سفك للدماء، لكن “إرث الثورات” هو ما شجّع على طرح الأسئلة، وطرح القضايا على الطاولة، وتحدي الأعراف المعمول بها. وهي البيئة التي ساهمت في ظهورها العلني المناقشة الدائرة حول تنظيم كأس العالم في قطر.

باحث متخصص في السياسات الدولية

6