المجتمعات العربية المهمشة للمرأة لا يمكن أن تنجح في مقاومة الإرهاب

الإرهاب اليوم مرض خطير وفتاك من حيث سرعة الانتشار وغياب العلاج، وتجري الآن في مختلف دول العالم بحوث ودراسات متقدمة لإيجاد سبل مقاومته والقضاء عليه غير أنه يبدو من الأنجع هنا تطبيق نظرية الوقاية خير من العلاج. لذلك وجب التركيز أولا على وضع استراتيجيات لطرق الوقاية من داء الإرهاب وذلك بالاعتماد على أكثر العناصر الاجتماعية فعالية في تحصين الأجيال منه وهي المرأة.
الأحد 2015/07/05
الأم المثقفة يمكن أن تنقذ ابنها من التطرف وتزرع داخله أفكارا نيرة ومبادئ وأخلاقا طيبة

معادلات وحسابات كثيرة تضمها استراتيجيات مقاومة الإرهاب العالمية والعربية، غير أن المتأمل فيها يلاحظ ضعفها وعدم جدواها حتى الآن على أرض الواقع. تشترك هذه الاستراتيجيات في العديد من التوجهات الكبرى وأهمها الأمن والاعتماد على وسائل الإعلام في توعية المراهقين والشباب كما تشترك في أن أغلبها أسقطت من حساباتها رقما هاما يتمثل في دور المرأة في هذا المجال بما أنها تظل الأقرب للأطفال والمراهقين وحتى للشباب.

هوية المجتمعات وثقافتها وتربيتها تنطلق من النواة الأولى وهي الأسرة وتلعب المرأة الدور الأهم والأكبر في ذلك لكونها الأم التي تربي أبناءها على مبادئ وأخلاق وعادات معينة تتماشى مع دينها ومع مجتمعها ومع نسق تطور الحياة. ورغم أن للأب دوره الهام هو الآخر في ذلك غير أن الملاحظ وخاصة في المجتمعات العربية أن مسؤوليات العناية وتربية الأبناء غالبا ما تضطلع بها النساء أكثر من الرجال.

“الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق” هكذا يصف الشاعر المصري حافظ إبراهيم الأم فإذا كانت هي المدرسة التي يتلقى منها الطفل تعليمه منذ نعومة أظافره فمن

الواجب أن تتوفر فيها كل الشروط لتؤدي مهمتها التعليمية على أكمل وجه ولتتوفر على شروط تعليم راق يجب أن تكون في محيط سليم يؤمن بدورها وبحقوقها وبقيمتها في الحياة. فكيف يمكن أن نطلب من الأم النجاح في دورها كأم دون أن نوفر لها أدنى شروط النجاح؟

الأسرة والمجتمع يمثلان البيئة الحاضنة للأم –المدرسة–، ويمثلان العاملين الأساسيين المؤثرين في نجاحها في تربية وتعليم تلاميذها -أبنائها- فإذا وُجدت الأم في بيئة توفر لها حقوقها وتعترف لها بنضالها وبدورها وتنصفها في جميع قضاياها من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإذا وجدت مناخا عائليا مليئا بالتفاهم والتفهم والاحترام بعيدا عن العنف والظلم فإنها ستنجح في تعليم أبنائها أفضل السلوكات والأخلاق وستنشئهم على الاحترام وحب الآخر والتسامح.

كيف للمرأة التي تقع ضحية التطرف والمغالطات الدينية أن تحمي ابنها من الإرهاب وتحصنه من الأفكار المتطرفة

كما ستعلمهم مبادئ الدين الصحيحة وتوفر لهم ثقافة دينية وسطية تحميهم من أفكار التطرف والتشدد، لكن ذلك يشترط أن تكون قادرة على التمييز بمستواها الفكري والثقافي بين الرسائل الدينية السليمة والصحيحة وبين الرسائل الدينية التي تضمر التطرف والتشدد وتحرض على العنف والتكفير والإرهاب.

فكيف للأم التي تقع هي نفسها في شراك التطرف والمغالطات الدينية التي يمكن أن توصلها إلى الانخراط في الإرهاب أن تحمي ابنها من الإرهاب وتحصنه من الأفكار المتطرفة؟

الأم داخل الأسرة والمرأة في المجتمع في مختلف مواقعها وفي أدوارها كامرأة عاملة خاصة في قطاع التعليم الذي يشغل أكبر عدد من النساء في العالم العربي، تظل أكثر أفراد المجتمع والعائلة احتكاكا بالطفل وتظل أكثر القادرين على رسم ملامح شخصيته وتكوينه وأخلاقه وتعليمه، وإن أردناها أن تكون ذلك الحصن المنيع الذي يؤمن الأجيال الصاعدة من الإرهاب ويحميها من الأفكار المشوهة للدين فيجب أن نجعلها حصنا شامخا بمكاسبه منيعا بحقوقه وعلمه وثقافته.

القيام بهذا الدور التربوي والتعليمي التثقيفي يتطلب أن تتمتع المرأة في حد ذاتها بمستوى ثقافي وتعليمي معين يخول لها الإلمام بتفاصيل الأمور ويمكنها من الفهم الصحيح للواقع حيث تكون قادرة على التمييز بين التطرف والتشدد لتنتقي الأفكار الصحيحة من المغلوطة وتمررها لأبنائها ولتوعّيهم بحيثيات ومخاطر التشدد والإرهاب.

فالمرأة في الأسرة تعد عمادها خاصة في الوطن العربي حتى أنها أحياناً تتقمص دور الأب من جانب تنشئة الطفل واستيعابه في كل مراحل نضجه كونه أكثر احتكاكاً بوالدته فيتلقى منها الكثير من الخصال. لذلك يجب أن تكون هي القدوة والنواة في الأسرة، كما يتعين أن تلعب هذا الدور في عائلتها الموسعة وفي عملها خاصة إن اشتغلت في المؤسسات التربوية.
التربية على التسامح وحب الآخر عمل أسري ومجتمعي ومدرسي

أهمية دور المرأة في الأسرة وفي المجتمع تجعل البعض يوجه اللوم أولا وأساسا لها في ما يتعلق بتربية الأطفال وسلوكهم فتكون أول من يحاسب وأول من يتهم بالتقصير رغم أنها الأكثر عطاء وتضحية في سبيل تربية الأبناء لدرجة أنها تنسى ذاتها أمام حجم المسؤوليات التي تتحملها تجاه أسرتها. وتتعرض المرأة العاملة لأضعاف هذه الملامة حيث ترجع مشاكل الأبناء وحتى فشلهم في الدراسة أو انحرافهم أو استقطابهم من قبل عصابات الإرهابيين إلى غياب الأم عن بيتها وتقصيرها في رعاية أبنائها بسبب انشغالها بالعمل.

فهي تلام على ما يؤول إليه حال الأبناء في سن المراهقة وفي مرحلة الشباب خاصة من قبل الأسرة والمحيط الذي يرفض عمل المرأة خارج المنزل، وعندما يكون هناك تقصير ما أو خطأ في تسيير شؤون الأسرة ويتعرض الأبناء إلى مخاطر الانحراف والإرهاب تحاسب المرأة وتلام وتتهم في حين يعفى الرجل من ذلك.

أما إذا تعلق الأمر بالسيطرة وبفرض الوجود وباتخاذ القرارات الهامة في حياة العائلة فتهمش المرأة ويصبح الرجل المتحكم في العائلة بلا منازع.

غياب العدالة والمساواة هذا حتى داخل الأسرة نفسها يقدم صورة مصغرة لغياب العدالة الاجتماعية في التعامل مع الوالدين وفي تحميل المسؤوليات العائلية لكلا الطرفين. هذا التهميش يضاف إليه تهميش سياسي واقتصادي بما فيه الحرمان من أبسط الحقوق خاصة في المجتمعات العربية كالحق في التعليم والعمل وأحيانا في الرعاية الصحية الجيدة.. يخلق عديد المشاكل والضغوط التي تزيد وضع الأم تأزما وتجعلها أحيانا تعاني متاعب صحية ونفسية ربما تقف وراء تقصيرها أحيانا في القيام بدورها كأم مثالية.

عندما نقارن وضع المرأة والأم في الأسر العربية بما تلقاه من معاملة من العائلة والمجتمع ومما حققته من مكاسب وحقوق من جهة، وبين ما هي مطالبة به من واجبات أسرية واجتماعية ووطنية، تأتي على رأسها حماية أبنائها من التطرف الديني وبالتالي تحصين الأجيال القادمة من الإرهاب وحماية والأوطان من مخاطره من جهة ثانية. نتبين اختلالا في التوازن بين حقوق وواجبات الأم. فكيف نطالبها بأداء مهمة مثل مقاومة الإرهاب دون أن نوفر لها ظروفا وبيئة وإمكانيات فكرية وثقافية ومادية ومعنوية تساعدها على ذلك؟ وكيف لأم أمية أو ذات مستوى تعليمي ضعيف أو معزولة عن المجتمع وعن تطور التقنيات الحديثة وتطور العالم أن تفهم ماهية الإرهاب وتحمي منه أبناءها؟

القيام بدور تربوي وتعليمي يتطلب أن تتمتع المرأة في حد ذاتها بمستوى ثقافي وتعليمي معين يخول لها الإلمام بتفاصيل الأمور ويمكنها من الفهم الصحيح للواقع

مقاومة الإرهاب هي إستراتيجية حكومية تتطلب تشريك مختلف أفراد الأسرة والمجتمع وهي ليست مهمة خاصة بالأمهات، فالتربية عمل أسري ومجتمعي ومدرسي لذلك وجب أن يتعاون الجميع في ذلك خاصة في ظل الانتشار السريع والواسع للفكر المتطرف المروج للجرائم الإرهابية تحت غطاء الدين وعدم اقتصاره على العرب أو على فئة عمرية أو فئة اجتماعية بعينها أو جنس معين. هذا إلى جانب ما بلغه الإرهابيون من تطور وتقدم تقني خاصة في تقنيات الاستقطاب للمراهقين والشباب حيث أصبحت الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي طريقهم السهل للوصول إلى داخل غرف نوم المستهدفين وإلى عقولهم ووجدانهم.

هذا التطور في طرق الاستقطاب يتطلب حرصا ومتابعة وعناية مضاعفة من الأم حيث وجب عليها مراقبة أبنائها حتى في تواصلهم مع الآخر عبر الانترنت وأيضا في الانتباه إلى ما يمكن أن يطرأ من تغيرات على سلوكهم ومظهرهم داخل المنزل وخارجه وهو ما يتطلب أن تكون المرأة متعلمة لتتمكن من الاطلاع على استعمالات الأبناء لمختلف مواقع التواصل عبر الهاتف أو الحاسوب كما يتطلب منها تفرغا وتوازنا نفسيا يجعلها تركز جهودها على أبنائها وتواكبهم في كل مراحل حياتهم وتكون مرشدهم نحو الصواب والأم والصديق والمعلمة.

فالمرأة بمختلف هذه الأدوار في حياة الأسرة عنصر تربية وإصلاح قوي وعنصر تقويم وتأثير خاصة تجاه أبنائها لذلك وجب الاهتمام بها ومساعدتها في أداء واجبات الأمومة المناطة بعهدتها خاصة من قبل الزوج. وعلى الدولة والمجتمع أن يعيان قيمتها وعظمة دورها في مقاومة وتحصين الشباب من الإرهاب، لذلك يجب تهيئتها وتوجيهها الوجهة السليمة نحو هذا الدور وهذه المسؤولية لتتحقق الفائدة لها ولعائلتها ومنها للمجتمع والدولة.

ولعل أول وأكثر سبل التهيئة هو محو الأمية ورفع الجهل والظلم واللامساواة عن النساء، فالأم المتعلمة ذات الشخصية المثقفة يمكن أن تنقذ ابنها من التطرف وتزرع داخله أفكارا نيرة ومبادئ وأخلاق طيبة لا أفكارا متطرفة متخلفة تقوده وتقود محيطه نحو الهلاك. هكذا يمكن اعتبار رهان محو الأمية عند النساء أولى مراحل تجنيد وتسليح الأمهات بالعلم لمقاومة الإرهاب والظلامية.

20