المجتمعات العربية تتخلى عن الألعاب الشعبية وتتركها طي النسيان

واكبت ألعاب الأطفال ووسائلها وطرقها التقليدية التطور التقني والثقافي الذي شهدته المجتمعات العربية، فألقى ذلك بظلاله على جميع مكونات الثقافة الشعبية منها الألعاب التقليدية التي أصبحت اليوم تستحضر كمادة تراثية؛ فهي إما أنها اندثرت تماما من المدن الكبرى أو في طريقها للاندثار. هذه الألعاب التي تقوم على المشاركة في إطار المجموعة وغالبا ما تمارس خارج الأطر المغلقة أي في الشوارع والأحياء والحارات وتخضع لاتفاق جماعي ضمني على مبادئها وقواعدها التنظيمية دون عقود مكتوبة، تلعب دورا رئيسيا في تكوين شخصية الطفل وصقل مواهبه وتوجيه قدرته على التعلم والتواصل وتقاسم الأدوار. ورغم بساطتها وبساطة أدواتها التي تستمد من البيئة، إلا أنها كانت تمرر رسائل تربوية للطفل في قالب ترفيهي، حرصت ثقافة كاملة على صياغتها وفق مبادئها ودينها وخصائصها.
الاثنين 2016/05/23
استحضار لبهجة الماضي

يتأمل الآباء اليوم أبناءهم المنعزلين في غرفهم والذين يقتصر عالمهم على الأجهزة الإلكترونية المتطورة تقنيا والتي تسمح لهم بممارسة الألعاب التي يريدون بمجرد نقرات على الأزرار دون حاجة لمشاركةالآخر أو الخروج من الغرفة، ويتحسر الكبار على الماضي غير البعيد عندما كانوا يتجمعون مع أقاربهم وإخوتهم وجيرانهم في الحي أو الحارة ليلعبوا معا ألعابا جماعية بسيطة يتقاسمون من خلالها الفضاء والأدوار.

هي ألعاب صاغت الأجيال السابقة قواعدها التنظيمية وهي في أغلب الأحيان ألعاب يدوية وبدنية تسمح للفرد بالاختلاط بالآخر في المحيط الخارجي وبقضاء أوقات تجمع بين الترفيه والتعلم والمنافسة والتواصل مع الآخر، غير أن الزحف التقني والتطور الثقافي اللذين شهدتهما مجتمعاتنا العربية بحكم العولمة التي أفقدت العديد من العادات بريقها وجعلتها رغم خصوصيتها ومميزاتها من المنسيات،أودت بغالبية هذه الألعاب إلى الاندثار من الحياة اليومية العصرية أو بقي قليلها يمارس في الأحياء الفقيرة والشعبية، وتستحضر كمادة تراثية في المجتمعات المتمسكة بهويتها وعاداتها وتقاليدها.

أجيال متعددة ومتتالية، سواء في بلاد الشام أو في المغرب العربي أو في منطقة الخليج العربي، تربت على اللعب في الحي مع الأقران، وتدربت من خلال ألعابها الشعبية القديمة على لعبة الحياة، ومن خلالها اكتشفت نماذج من تقاسم الأدوار، ومن التنظّم في مجموعات، وتعلمت منها كيفية تطويع الجسد للعقل وكيفية التضحية من أجل المجموعة، وغيرها من المبادئ التي حرصت المجتمعات العربية على غرسها في الأجداد والآباء ليورثوها لأبنائهم واحفادهم.
الألعاب الشعبية مرآة تعكس ملامح الحياة الاجتماعية وتراثها الثقافي بكل ما فيها من قيم حضارية ومعارف إنسانية

أشياء كثيرة يتعلمها الطفل الذي يصنع لعبته ويمارس اللعب ضمن المجموعة، يظل أهمها الاندماج في المجموعة وهو ما يجعله عندما يقصد مقاعد الدراسة لا يجد صعوبة في التواصل وبناء علاقات مع الآخر، وهو ما يحيلنا على الأبعاد التربوية والتعليمية والاجتماعية التي تحرص الثقافة الشعبية على تقديمها للطفل في قالب ترفيهي، ولأجل ذلك خلقت أجيال متتابعة ألعابا متنوعة منها الخاصة بالأولاد أو بالبنات ومنها المشتركة ومنها الأسرية والتي يمكن أن يشارك فيها الكبار الصغار.

وتلعب البيئة دورا رئيسيا في تشكيل واختيار نوع اللعبة لأن المواد الأولية التي تصنع منها تلك الألعاب تكون من محيط عيش الطفل وهي أحيانا من المخلفات المنزلية أو بقايا المنتجات الزراعية أو من قطع الصناعات التقليدية، كما أن للألعاب ارتباطا ببيئاتها التي تمارس فيها، فعلى سبيل المثال المناطق الزراعية ألعابها مستمدة من البساتين، وألعاب سكان السواحل مرتبطة بالبحر، وكذلك الصحراء، كما نجد ألعابا فصلية فمنها المخصصة للربيع ومنها للشتاء ومنها للصيف، كلا حسب ما يتوفر في المحيط للطفل ليوظفه في الترفيه.

وتتعدد الألعاب القديمة في العالم العربي وتتشابه في الكثير من الأحيان في طرق اللعب وقواعده رغم الاختلاف في تسميتها حسب الدول واللهجات فعلى سبيل المثال لعبة الغميضة كما يسميها أطفال دمشق وتحمل الاسم نفسه في المغرب العربي، يسميها أطفال فلسطين الغماية أو الطميمة، أما القلل الخليجي ففي دمشق يقال له دحل، وفي المغرب العربي البلي أو البمبات، وفي فلسطين البنانير وفي بعض البلدان كلاس وهي كرات زجاجية مصقولة بحجم حبة الكرز يلعب بها الفتيان دون الفتيات وتحتاج إلى مهارة عالية في التصويب والدقة، وكذلك لعبة نط الحبل أو القفز فوق حبل يشد طرفيه طفلان بينما يحاول الثالث متابعة تحريكهما للحبل قافزا فوقه دون أن يقع، وأيضا لعبة السبع حجار وهي تقوم على التداول على اللعب بحجيرات صغيرة في الحجم وذلك برميها إلى أعلى ومحاولة التقاطها دون إيقاعها.

الألعاب القديمة في العالم العربي تتشابه في طرق اللعب وقواعده رغم الاختلاف في تسميتها حسب الدول واللهجات

وكثيرا ما تتسم ألعاب الأولاد بكثرة الحركة وأحيانا بالخشونة مثل لعب الكرة أو الرماية أو الصراع الذي يسمى قديما في أرض الشام المباطحة أي أن يسقط أحد المتصارعين الآخر أرضا فيكون البطل القوي.

أما ألعاب الفتيات فعادة ما تكون قائمة على الهدوء وتبادل الأحاديث والحكايات وغالبا ما تكون مستوحاة من الحياة الأسرية والاجتماعية مثل المناسبات والاحتفالات، فتجدهن يصنعن العرائس بمواد أولية بسيطة ويقمن بتزيينها وتلبيسها أو يقمن بتمثيليات للأم وأبنائها أو للمرأة الجميلة التي تقوم بالتجمل أو يقلدن حفلات الأعراس التقليدية وإعداد الطعام وغيرها. وهذا ما جعل الألعاب الشعبية بمثابة مرآة تعكس ملامح الحياة الاجتماعية وتراثها الثقافي بكل ما فيها من قيم حضارية ومعارف إنسانية.

وتسمى هذه الألعاب بالشعبية نظرا لأن بعضها كان ولا يزال يمارس في الأحياء الشعبية من القرى والمدن ولكونها نبعت من الأفراد والفئات الاجتماعية البسيطة بتلقائية وحكمة في آن. والمقياس في شعبية اللعبة هو تقبل الأطفال لها وتكيّفهم معها، بحيث تصبح جزءا من ميراثهم؛ تحمل أفكارهم وألفاظهم وأغانيهم وتعبيراتهم الخاصة المستوحاة من بيئتهم العائلية والاجتماعية.

غير أن التطور الحضاري السريع وانتشار التلفزيون والبلاي ستيشن والألعاب الإلكترونية والحاسوب إلى جانب الألعاب الجاهزة المكدسة في الأسواق، لعبا دورا هاما في تلاشي ونسيان الكثير من الألعاب الشعبية القديمة التي كان يمارسها الأطفال إلى حدود السبعينات من القرن الماضي.

12