المجتمعات العربية تدخل سباق التغيرات المناخية: أن تصل متأخرا خيرا من أن لا تصل أبدا

التغيرات المناخية لا تنحصر في برودة الشتاء وقيظ الصيف.. إنها الجوع والعطش والاحتجاجات.
السبت 2020/10/31
في قلب المشكلة

قد لا يكون التغير المناخي في صلب اهتمامات المواطن العربي، في ظل الحروب والمشاكل الاقتصادية في المنطقة. وإضافة إلى كل ذلك فإن هذه التغيرات المناخية ستكون لها انعكاسات مباشرة على حياة هذا المواطن ورفاهيته. وقد بدأت المجتمعات في المنطقة العربية فعليا في مواجهة تبعات الآثار السلبية الناجمة عن التغير المناخي.

القاهرة - اضطر محمد، وهو صبي سوري ترعرع في أسرة ريفية ما لبثت أن فقدت تقريبا كل ما تملك من أجل البقاء على قيد الحياة نتيجة الموجة الأخيرة والطويلة من الجفاف، إلى مغادرة المدرسة والالتحاق بالعمل في كراج ميكانيكي (ورشة إصلاح سيارات).

ليس محمد الوحيد الذي اضطرت عائلته إلى تكييف استراتيجياتها للبقاء على قيد الحياة مع التغيرات المناخية التي تؤثر على الجميع في البلدان العربية وإن كان بدرجات. فقد اضطرت سامية، وهي فتاة يمنية إلى مغادرة المدرسة لمساعدة أمها في مهمة أكثر صعوبة، ألا وهي البحث عن الماء. ومع تزايد ندرة موارد المياه، تمضي سامية أيامها سيرا على الأقدام إلى بئر يبعد ثلاث ساعات عن منزلها، بدلا من المذاكرة كأقرانها.

وبالنسبة إلى الكثيرين، يثير مصطلح “تغير المناخ” أفكارا تتعلق ببرودة الشتاء وقيظ الصيف وموجات الجفاف الطويلة والفيضانات والسيول العارمة. أما في البلدان العربية فتغير المناخ سيعني أيضا فقدان مصادر الدخل التقليدية، والهجرة القسرية، والدخول في صراعات لا تنتهي لتلبية الاحتياجات الأساسية.

المستقبل بدأ من مدة

صيف تزيد حرارته كل عام في العراق
صيف تزيد حرارته كل عام في العراق

لقد بدأ المستقبل يتبلور بالفعل في بعض أجزاء المنطقة: فسوريا ومصر كليهما تشعران بالآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الناشئة عن التغيرات الأخيرة في مناخهما. ففي عام 2008، تسببت موجة الجفاف التي ضربت منطقة الشرق الأوسط في فصل الشتاء، وهي الأشد على مدار 100 عام، بإجبار مجتمعات المزارعين على هجرة المناطق الريفية الواقعة بشمال شرق سوريا والانتقال إلى مدينة حلب، حيث سقطوا فريسة للفقر، وباتوا أكثر سخطا وحنقا على الأوضاع السياسية في البلاد. وفي مصر، كان الكثير من المزارعين الفقراء قد اضطروا للهجرة إلى ضواحي القاهرة الكبرى بحلول عام 2009 من المحافظات الواقعة في دلتا النيل، وهي إحدى أكثر مناطق العالم اكتظاظا بالسكان وأكثرها خصوبة والتي توفر نحو 63 في المئة من المنتجات الزراعية في مصر. ووقفت البطالة والفقر وراء هذه الهجرة، وذلك نتيجة لقلة المياه المتاحة للنشاط الزراعي المدر للدخل.

ومن المحتمل أن تؤدي الزيادة السكانية السريعة وارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف وقلة كميات الأمطار وتراجع جريان المياه من قمم الجبال التي يغطيها الجليد، إلى اضطرابات شديدة في النشاط الزراعي، وهو قطاع يوظف أكثر من 35 في المئة من الأيدي العاملة بالمنطقة. ويمكن أن يتسبب ذلك في مزيد من المصاعب والاضطرابات في بلدان المنطقة التي تعاني الأمرين بالفعل.

ولم يكن سكان العاصمة اليمنية صنعاء البالغ عددهم مليوني نسمة، حتى قبل اندلاع الصراع الحالي في البلاد، يحصلون على إمدادات مياه الشبكة العمومية سوى مرة واحدة في الأسبوع على أفضل تقدير، وكان يتعين على القادرين منهم شراءها.

لطالما واجهت الشعوب العربية لآلاف السنين التحديات الناجمة عن التقلبات المناخية، لكن هذه التقلبات المناخية ستزداد حدة على مدى الخمسين عاما القادمة، بينما سيشهد مناخ البلدان العربية تقلبات مناخية جامحة غير مسبوقة. وستشهد درجات الحرارة ارتفاعات جديدة، فيما يندر انخفاض هطول المطر. وقد تجاوزت المعدلات الحالية للتغيرات المناخية بالفعل العديد من الآليات التقليدية للمعالجة.

والفئات التي تعتمد على الموارد الطبيعية للرزق والرفاه هي فئات ضعيفة بشكل خاص. وهذا يعني سكان الريف الذين يشكلون نحو نصف إجمالي السكان في المنطقة. وقد استنفد الملايين من الناس كل ما لديهم من ممتلكات وأرغموا على الانتقال للعثور على موارد جديدة للرزق. وعادة ما ينتهي بهم المطاف إلى مدن يعملون فيها بأجر بخس وفي وظائف غير رسمية، هذا إذا حالفهم الحظ في العثور على أي منها. وما تلبث المدن المكتظة أن تزداد تكدسا، مع تزايد المخاطر الصحية والضغوط على إمدادات المياه في الحضر. هذه الدورة ستزداد حدة تحت وطأة تغير المناخ، بينما تغدو الأشكال التقليدية للكفاف في الريف غير مستدامة.

وكشف تقرير أعده المنتدى العربي للبيئة والتنمية ومقره بيروت أن الدول العربية ستكون من أكثر المناطق تعرضا للتأثيرات ومخاطر التغير المناخي المحتملة، وهي في قلب المشكلة المناخية الكبرى التي يواجهها العالم، خاصة التصحر ونقص المياه. كما سيؤثر بشكل مباشر على نحو ثلاثة في المئة من سكان البلدان العربية.

الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الناشئة عن التغيرات الأخيرة بدأت معالمها تظهر في كل من سوريا ومصر

وسوف يؤثر ارتفاع مستويات البحار بشكل مباشر على عشرات آلاف الكيلومترات المربعة من الأراضي الساحلية العربية.

ويشير تقرير دولي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ صدر أواخر 2017، إلى أن مدينة الإسكندرية بمصر تقع ضمن قائمة المدن المهددة، إذ أفاد التقرير بأن شواطئ الإسكندرية ستغمر حتى مع ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 0.5 متر، في حين سيجري تهجير 8 ملايين شخص بسبب الفيضانات في الإسكندرية ودلتا النيل إذا لم تتخذ إجراءات وقائية.

وتعد مدينتا عدن والحديدة باليمن من المدن المهددة بغمر مياه المحيط الهندي لها بسبب ارتفاع منسوب المياه، وهو ما يفرض أيضا ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية.

وكانت دول مصر وتونس والمغرب وموريتانيا بدأت تعاونا مشتركا أواخر شهر أكتوبر 2018، بتمويل من الاتحادين الأفريقي والأوروبي، بهدف المراقبة المشتركة للسواحل بتلك الدول، والاستعداد لمواجهة تلك المشكلة.

وأصبحت درجات الحرارة الأشد والظواهر المناخية الجامحة، كالجفاف والسيول، واقعا جديدا ومألوفا في العالم العربي.

وقد اعتادت العديد من البلدان العربية الآن على حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية خلال شهور الصيف.

وتُعتبر جُمهورية العراق هي الأكثر تأثرا بالموجة الحارة، إذ ارتفعت درجات الحرارة الصيف الماضي بشكل كبير وربما قياسي، وسجلت معظم المناطق العراقية بما فيها العاصمة بغداد درجات حرارة مرتفعة تتراوح ما بين 51 إلى 55 درجة مئوية.

ووفقا لأحدث دراسة علمية لباحثين في “مختبر التأثيرات المناخية” الأميركي، فإن العالم يشهد “من العراق وحتى مناطق الجنوب الغربي الأميركي” هذه الموجات الحارقة، التي ستزداد شدة مع تسارع التغيرات المناخية على الأرض.

وبحلول نهاية القرن الحالي، فإن الموجات الحرارية الخارقة للعادة قد تؤدي إلى هلاك عدد كبير من الناس يقابل عدد المتوفين بمجموع كل الأمراض المعدية.

وأشارت نتائج دراسة المختبر الذي يضم خبراء في اقتصاديات وعلوم المناخ من عدة جامعات أميركية، إلى أن هذه الموجات الحرارية ستقتل 73 شخصا إضافيا من كل 100 ألف من سكان العالم بحلول عام 2100، إذا ظلت دول العالم تطبق سيناريو ضخ مستويات عالية من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم.

اهتمام خجول

سكان صنعاء البالغ عددهم مليوني نسمة لا يحصلون على إمدادات مياه الشبكة العمومية إلا مرة في الأسبوع
سكان صنعاء البالغ عددهم مليوني نسمة لا يحصلون على إمدادات مياه الشبكة العمومية إلا مرة في الأسبوع

لم تتوقف مؤسسات ووسائل الإعلام في الغرب عن تسليط الضوء على قضية التغير المناخي المهمة بالنسبة للناس جميعا، أما بالنسبة للكثير من مؤسسات الإعلام العربي، فلا أهمية لهذا الموضوع ودائما تُصغر من حجمه وتقلل من شأنه، وإذا حدث واهتمت به، يكون هذا الاهتمام بطريقة خجولة جدا كأن يظهر في شريط الأخبار أو في نهاية النشرة.

ويقول محمد الراعي أستاذ الفيزياء البيئية وعميد معهد الدراسات العليا والبحوث في جامعة الإسكندرية في مصر “من المعروف عن المناطق العربية أيضا النقص الواضح في البيانات والمعلومات المتصلة بمختلف نواحي درجات التعرض لعواقب التغيرات المناخية، إذ لا يتوفر عن الحوادث الشديدة الأثر ولا عن التغير في مستوى سطح البحر ولا عن ملوحة المياه الجوفية والانهيارات الأرضية في النطاق الساحلي سوى قدر يسير جدا من المعلومات والبيانات، هذا بالإضافة إلى غياب قاعدة البيانات للمؤشرات الوطنية والإقليمية الدالّة على التغير المناخي وغياب أنظمة الإدارة المتكاملة”. فالمنطقة العربية هي الأفقر في العالم من حيث وجود محطات لمراقبة المناخ ورصد التأثيرات البيئية، كما أن تقنيات الاستشعار عن بعد بواسطة الأقمار الاصطناعية يكاد أن يكون لا مجال لها في المنطقة العربية وإن كانت متوفرة لدى بعض البلدان العربية أقمار اصطناعية للاستشعار عن بعد أو للأغراض العلمية، إلا أن استخدامها بمهارة في ما يخدم قضايا البيئة أمر بعيد عن التطبيق.

وتشير دراسة، أجراها فريق من الباحثين الدوليين في جامعات “إكستير” البريطانية و”فاجينينجين” الهولندية و”مونبلييه” الفرنسية، إلى أن البلدان الاستوائية، التي تنتمي لها المنطقة العربية، تميل إلى أن تكون الأقل إصدارا لغازات الدفيئة، مقارنة بدول نصف الكرة الأرضية الشمالي الأكثر إصدارا، ومع ذلك ستكون الأكثر معاناة من التقلبات المناخية، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من ظاهرة عدم المساواة المتصلة بالمناخ.

وينظر الخبير البيئي مجدي علام إلى هذه الدراسات وغيرها بعين الاعتبار، لأنها تنبه إلى مشكلة كان الكثيرون لا يتحدثون عنها بجدية في الماضي. ويقول علام “رغم ما شهدته المنطقة العربية طيلة العقود الماضية من ارتفاع شديد في درجات الحرارة وهو ما ينبئ بمزيد من الجفاف والتصحر، إلا أننا كنا لا نلحظ جدية في الشعور بحجم المشكلة، وهو الوضع الذي بدأ يتغير مع تفاقم المشكلة”.

وحذر البنك الدولي في تقرير صدر العام الماضي من أن معدلات درجات الحرارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستزيد 6 درجات مئوية بحلول عام 2050، وهو ما يعني أنها قد تصل وفق المعدلات الحالية إلى 59 درجة مئوية.

السودان أكثر البلدان تأثرا في العالم
السودان أكثر البلدان تأثرا في العالم

وحذر البنك من النتائج الوخيمة لهذه التغيرات المناخية المسببة للجفاف على الأمن الغذائي لسكان الدول العربية، وهو ما يفرض حلولا عاجلة بدأت تتخذها الدول العربية.

ويقول علام “الشيء الإيجابي أن بعض الدول بدأت تبحث عن الحلول للتعامل مع المشكلة، لأنه خطر قادم لا محالة”.

ومن الحلول التي بدأت تتخذها الدول العربية هو الاتجاه إلى النباتات المتحملة للحرارة، كما تجري مراكز الأبحاث جهودها لإدخال الجينات المسؤولة عن تحمل الحرارة في النباتات المميزة بذلك إلى النباتات الأخرى الغذائية كالإمارات والسعودية.

وتناول أحدث تقرير للبنك الدولي بعنوان “أخفضوا الحرارة” الآثار المحتملة للمستوى الحالي لارتفاع درجات الحرارة البالغ 0.8 درجة مئوية في المنطقة، وكذلك الآثار المحتملة لارتفاع الحرارة بمستوى درجتين وأربع درجات مئوية. ويركز التقرير بشكل خاص على تبعات ارتفاع الحرارة على المياه في المنطقة لاسيما وأن الموارد المائية المتجددة في المنطقة تقل عن 2 في المئة من إجمالي الموارد المائية في العالم، كما أن بها بعض أشد بلدان العالم شحة في المياه. إذ يشير التقرير إلى أنه حتى في أقل السيناريوهات تطرفا، سيؤدي تأثير التغيرات المناخية إلى زيادة التنافس على الموارد الشحيحة واستشراء معدلات الفقر وتزايد موجات الهجرة القسرية. وهو بالفعل ما يحدث حاليا. وهذا الوضع سيزداد سوءا إذا لم تتم معالجته، وسيتسبب بعوامل إضافية لعدم الاستقرار في منطقة هشة. ولذا، علينا التحرك الآن واتخاذ ما يلزم لمواجهته. وستمثل تدابير التكيف مع التغيرات المناخية والتخفيف من آثارها عنصرا جوهريا في بناء القدرة اللازمة على التصدي للتغيرات المستقبلية، وتقليل آثارها بالنسبة للكثيرين الذين ستتغير حياتهم تغيرا جذريا.

وأدرجت تونس حماية البيئة في دستورها الجديد دون أن تكون أي خطوات ملموسة لحماية البيئة. ووضع المغرب كلا من التكيف مع التغيرات المناخية وسير البلاد على مسار النمو الأخضر على سلم أولوياته الوطنية. ويتركز مخطط المغرب الأخضر على تحقيق الإدارة المستدامة للمياه والأراضي، فضلا عن التكيف الزراعي. ويجب أن تستفيد عموم المنطقة من هذه التجربة الفريدة، وينبغي زيادة الاستثمارات في البحوث لتطوير ممارسات زراعية مراعية للتغيرات المناخية. وفي الوقت نفسه، يجب على بلدان المنطقة تنويع أنشطتها الاقتصادية التي تعد عنصرا حيويا لمساعدة السكان المتضررين على إيجاد مصادر جديدة للدخل.

وفي حين تؤدي تدابير التكيف إلى الحد من قابلية التأثر، فإن مناخ المنطقة يتيح أيضا فرصا لها. فأشعة الشمس الوفيرة والمساحات الفسيحة تلائمان تماما تطبيق تكنولوجيات الطاقة المتجددة، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وثمة فرصة سانحة لتقليل الانبعاثات الغازية، ومن ثم المساهمة في الحد من آثار التغيرات المناخية، وخلق مشاريع أعمال جديدة يمكن أن تكون مصدرا للنمو والوظائف.

Thumbnail
20