المجتمعات العربية لا تستسيغ سيطرة الزوجة

الخميس 2015/03/05
تنازل أحد الزوجين خلال النقاش يعزز العلاقة الثنائية

لندن -البحوث الاجتماعية والنفسية باتت تركز أكثر فأكثر على دراسة الحياة الزوجية بجميع تفاصيلها، بغرض الوصول إلى نتائج تحدد سبل إنجاح علاقة الزوجين من أجل تحقيق توازن عائلي يفضي إلى تخفيض نسب الطلاق والحد من المشاكل الأسرية التي تؤثر أساسا على الأبناء وعلى المجتمعات بشكل عام.

نجاح الحياة الأسرية وسلامة العلاقة بين الزوجين وتحقيق السعادة في العائلة هي جملة من الأهداف ينشدها كل فرد في المجتمع يحلم بتكوين أسرة سعيدة وإنجاب الأبناء وتربيتهم في أجواء عائلية واجتماعية تضمن لهم النجاح في حياتهم. ويحاول علماء النفس والباحثون في علم الاجتماع المختصون في الأسرة فهم ومعرفة الطرق المثلى لإنجاح العلاقة بين الزوجين ما يدفعهم نحو دراسة خصائص كل من الطرفين واكتشاف النقاط التي يمكن أن تلعب دورا فعالا في تحقيق التوازن بين الشخصيتين والوصول إلى وصفة يتحقق من خلالها الانسجام والتناغم الذي يكفل نجاحهما في بناء أسرة متوازنة.

وتطالعنا آخر البحوث في المجال بنتائج مفاجأة تتعارض مع المقولات التي تؤكد أن المساواة بين الزوج والزوجة في تسيير شؤون الأسرة وفي اتخاذ القرارات هي الضامن لنجاح العلاقة بين الزوجين، حيث يشعر كل منهما بقيمته ودوره في تسيير شؤون حياته وبتقاسم جميع الأدوار والمسؤوليات مع شريكه في الحياة.

وتوصل باحثون في جامعتي بيركين وتشارلز بالعاصمة التشيكية براغ، إلى أن العلاقات الزوجية التي تتسم بسيطرة أحد الشريكين تكون أقوى وأمتن من تلك التي تطبعها المساواة بين الزوج والزوجة. كما لاحظ باحثون في مراكز بحثية أخرى، أن الأسر التي تكون فيها السيطرة لأحد الزوجين تتميز بالاستقرار والفاعلية وتكون فيها نسبة الإنجاب أعلى من تلك المبنية على المساواة بين الطرفين. وكشفت الدراسة التي أجريت على عيّنة تضم 340 امرأة ورجلا، أن نسبة الأسر التي يسيطر فيها أحد الزوجين على الآخر تفوق نسبة الأسر التي تسود فيها المساواة بين الشريكين، غير هذه الدراسة لم تميّز بين سيطرة الرجل والمرأة في مؤسسة الزواج. ويعتبر أبرز ما توصلت إليه، تفنيدها بشكل واضح، للاعتقاد السائد بأن المساواة بين الزوج والزوجة مؤشر دال على توازن ونجاح العلاقات الزوجية بينهما.

سيطرة الزوجة تشعرها بالقوة والرغبة في الاستمرار مع الزوج، ما يجعلها تبذل كل جهودها للحفاظ عليه

وفي الآن ذاته، شددت الدراسة على أن مفهوم سيطرة أحد الزوجين على الآخر لا تعني استعمال العنف أو طغيان طرف على آخر، بل أن المقصود بها أن يكون أحد الطرفين هو من يقود العلاقة ويتخذ القرارات الهامة في الوقت المناسب، كما لا تعني سيطرة أحد الزوجين غلبته على الآخر أو تحكّمه وممارسته لسلطة مطلقة في تسيير شؤون العائلة.

وأشار الباحثون إلى أنه إذا كانت المساواة هي الطابع السائد في العلاقة الزوجية، وبمجرد نشوب خلافات بسيطة بين الطرفين، فإنها تظل مرشحة للتفاقم بسبب روح التنافس التي تطبع علاقاتهما.. وبسبب اعتبار كل طرف أنه ندّ للآخر، وهو ما يفتح باب العناد ولا يفسح مجالا لتنازل أي طرف إلى الآخر في سبيل اتخاذ القرارات الصائبة أو الاختيار الأمثل.

ويقول الباحثون إن التعاون الأفضل قد يكون السبب وراء هذا الميل نحو سيطرة طرف ما على الآخر لأن أن التفاوت البسيط، مع سيطرة أحد الزوجين وخضوع الآخر، يحسن التماسك ويؤدي إلى تعاون أفضل بين الشريكين، ويعزز قدرة الزوجين على مواجهة التحديات.

وتبدو نتائج هذه الدراسة في حاجة إلى مزيد من التدقيق في البحث للنظر فيما إذا كانت سيطرة الزوج أو الزوجة هي من تساهم أكثر في إنجاح وتقوية العلاقة الزوجية. ولعل هذا التساؤل يجد إجابته في دراسة علمية سبقت الأولى، حيث خلصت دراسة أسبانية إلى أن سيطرة المرأة على زوجها تزيد من سعادتها ما يؤدي إلى استمرار الزواج لفترة طويلة. وقال الدكتور كاهيت غوفين من جامعة ديكن الأسترالية، إن انخفاض مستوى السعادة لدى الزوج عنه عند الزوجة يطيل من عمر الزواج، مضيفا أن انفصال الزوجين ينجم عنه اتساع فجوة في السعادة الزوجية.

التفاوت البسيط مع سيطرة أحد الزوجين وخضوع الآخر، يحسن التماسك ويؤدي إلى تعاون أفضل بين الشريكين

ولفت غوفين إلى أن اتساع الفجوة يعود غالبا إلى عبء الأثقال المسلطة على الزوجة نتيجة الأعمال المنزلية بالإضافة إلى خلفيتها العلمية والاجتماعية المتدنية عن زوجها، إضافة إلى تقاضيها أجرا أدنى مقارنة بزوجها في حال حصولها على عمل ما. كما أن انحسار الفجوة ينجم عن توازن الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية للزوجين، كما أن سيطرة الزوج أحيانا تشعرها بالضعف، أما سيطرتها هي، فتشعرها بالقوة والرغبة في الاستمرار مع هذا الزوج ما يجعلها تبذل كل جهودها للحفاظ عليه وإنجاح علاقتها معه.

هذا ولا ننسى أن البحوث السوسيولوجية التي تجرى في المجتمعات الأوروبية والغربية قد لا تنطبق في تفاصيلها وعيّناتها ونتائجها مع المجتمعات العربية، نظرا إلى الاختلافات العميقة بين طبيعة هذه المجتمعات. ولعل خلاصة الأبحاث التي تؤكد إيجابية سيطرة المرأة على الزوج، لا تبدو مستساغة في المجتمعات العربية التي لا تقبل سيطرة المرأة على العلاقة الزوجية أو اتخاذها للقرارات الهامة في كل ما يهم تسيير شؤون العائلة.

ويجد عدم التجاوب وعدم قبول نتائج البحوث العلمية التي ترجح كفة السيطرة للمرأة تفسيرات كثيرة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمميزات وصفات المجتمعات العربية في علاقة بتقاليد وعادات هذه المجتمعات وبالعقلية الذكورية الطاغية عليها والرافضة لخضوع الزوج لزوجته وتسليمها مسؤولية اتخاذ القرارات الهامة أو المصيرية في حياتهما المشتركة أو فيما يخص حياة الأبناء أو تسيير شؤون الأسرة بشكل عام.

21