المجتمعات الغربية تحاول إرساء نماذج للإسلام على مقاسها

محاولات إعادة فهم الدين الإسلامي لقيت سيلا هائلا من الانتقادات حيث يبدو أن مساعي إيجاد نماذج للإسلام خاصة بالمجتمعات الغربية لا يسهل تقبلها والاقتداء بما تؤسس له.
الاثنين 2018/11/26
فهم جديد للإسلام

المجتمعات الغربية تتميز حاضرا بفسيفساء هويات وقوميات وانتماءات دينية وعقائدية متعددة ومختلفة ما جعلها تواجه واقعا يختلف في تركيبته وفي التحديات التي يفرضها عن أي مكان آخر في العالم. أمام هذا الواقع بالإضافة إلى تهديدات الجماعات الجهادية، أصبحت الحكومات الغربية تسعى لإعادة فهم الإسلام بما يتماشى مع تركيبة مجتمعاتها وهو ما يجعلها تبحث عن نموذج إسلام خاص بها.

لندن- أمام واقع مجتمعي متعدد الهويات والمعتقدات والانتماءات وإلى جانب المستجدات التي يشهدها العالم على المستويين السياسي والأمني، بدأت الحكومات الغربية بالبحث عن نماذج خاصة بها للإسلام وفق التحديات الأمنية التي تواجهها، ولكن أيضا وفق متطلبات تركيبة مجتمعاتها.

من أبرز الرهانات التي تواجهها الحكومات الغربية وتسعى بكل الأساليب لكسبها تطرح مسألة التصدي للمتطرفين المحليين والمقاتلين العائدين من البلدان التي شهدت في السنوات الأخيرة توترات أمنية وسياسية ساعدت على بروز جماعات مسلحة متطرفة على غرار تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق وليبيا.

أمام هذه الحقائق يبدو المسؤولون في البلدان الغربية غير متمكنين على نحو فعال من الطريقة الأنسب للتعامل مع المتطرفين المحليين أو المقاتلين السابقين العائدين أو الراغبين في العودة إلى بلدانهم الأصلية أو بلدان إقاماتهم، في ظل تنامي موجة الكراهية ضد المسلمين ورفض عودة المقاتلين السابقين في صفوف الجماعات المسلحة.

السياسيون والمسؤولون في البلدان الأوروبية مثلا أوجدوا تسميات خاصة لنموذج الإسلام الذي يرون أنه مناسب ليتم ترسيخه في مجتمعاتهم. في هذا السياق، جاءت “مبادرة الإسلام العلماني” التي أعلن جيم أوزديمير، الزعيم السابق لحزب الخضر الألماني، والذي يصف نفسه بأنه “مسلم علماني” عن تأسيسها الأربعاء الماضي بالاشتراك مع ساسة وناشرين وعلماء وأصحاب مصالح.

دوافع إطلاق هذه المبادرة يلخصها ما ورد في نص التأسيس الذي نشرته صحيفة “تسايت” الألمانية الصادرة الخميس على لسان أوزديمير والخبراء التسعة الآخرين المشاركين في المبادرة “نحن قلقون حيال تنامي معاداة المسلمين، وقلقون في نفس الوقت أيضا حيال تنامي الأسلمة”. وأضاف أصحاب المبادرة “لا نريد أن نستسلم لتنامي نفوذ الإسلام المستقطب والبعيد عن الديمقراطية الذي يدعي حق السيادة في تفسير الإسلام برمته”.

 أصحاب “مبادرة الإسلام العلماني” يشددون على أنهم يعملون من أجل نشر “فهم الإسلام المعاصر”. هؤلاء ينتقدون هيمنة الجمعيات الدينية المحافظة في مؤتمر الإسلام ويرون أن الإسلام المعاصر “الألماني” لا بد أن يكون غير تابع لحكومات ومنظمات أجنبية في جميع النواحي “ولهذا السبب، وبناء على تحفظات ديمقراطية أيضا، نرفض الاعتراف بالجمعيات الإسلامية ككيانات في القانون العام”.

ألمانيا تستعد لتنظيم مؤتمر الإسلام الأربعاء، الذي يمثل منتدى للحوار بين الحكومة الألمانية وممثلين عن الدين الإسلامي في البلاد والذي ينعقد في ألمانيا منذ 2006. يترأس المؤتمر وزير الداخلية هورست زيهوفر، ومن المقرر توسيع نطاقه ليشارك فيه لاحقا المزيد ممن ليست لهم أنشطة في منظمات رسمية خاصة بالمسلمين.

“الإسلام الألماني” مصطلح أصبح شائعا في البلاد بعد دعوات مطالبة بإطار قانوني وخارطة طريق لـ”الإسلام الليبرالي المتوافق مع القانون الأساسي في ألمانيا”، ووجدت هذه المبادرات إشادة من المناصرين بالنظر إلى أنها تتضمن نزعة تحرر من القيود التراثية والاجتماعية التي تكبل الدين الإسلامي. لكن هذه الدعوات تقابلها أصوات رافضة وانتقادات كثيرة على اعتبار أنها تتنافى مع مفهوم الإسلام العالمي.

الباحث في الدراسات الإسلامية في جامعة مونستر الألمانية، أحمد عبدالسلام، يوضح أن “الإسلام الليبرالي لا يعني أنه يؤمن بالليبرالية السياسية أو الاقتصادية، وإنما لذلك علاقة بالحرية”. عبدالسلام يفسر أيضا، في تصريح لشبكة “دوتشيه فيليه”، أن ألمانيا تسعى للقضاء على التشدد وتريد فك ارتباط الجمعيات الإسلامية في ألمانيا بالخارج، وهو ما جعلها تسعى لترسخ نموذج “إسلام ليس لديه انتماء آخر سوى الانتماء إلى الوطن”.

مبادرة الإسلام العلماني في ألمانيا ترفض الخضوع لتنامي نفوذ الإسلام التقليدي ومعاداة المسلمين
مبادرة الإسلام العلماني في ألمانيا ترفض الخضوع لتنامي نفوذ الإسلام التقليدي ومعاداة المسلمين

الإسلام الألماني يهدف إلى الاجتهاد والتأويل من أجل مواءمة أساليب عيش المسلمين في ألمانيا مع خصوصية المجتمع هناك ومراعاة متطلبات الواقع في ذلك البلد.

 وبالفعل، تمتلك ألمانيا البعض من النماذج الفريدة المتعلقة بالإسلام الليبرالي ومن ضمنها المسجد الليبرالي الذي أسسته سيران أطيش المحامية والناشطة في مجال حقوق المرأة في العاصمة برلين في عام 2017.

مسجد “ابن رشد-غوته” لم يمزج فقط نظريا بين الدين الإسلامي والليبرالية الغربية من خلال تسميته، المنسوبة للفيلسوف والطبيب العربي الأندلسي الشهير أبوالوليد محمد بن رشد، والأديب الألماني الشهير يوهان فولفغانغ فون غوته، بل مزج الدين الإسلامي بالليبرالية عمليا كذلك إذ يسمح فيه للنساء بالصلاة جنبا إلى جنب مع الرجال دون حجاب. كما يمكن للمرأة أن تتولى فيه الإمامة، وهو يستقبل المصلين من الطوائف والطرق الإسلامية المختلفة: السنة والشيعة والعلويين والصوفيين.

محاولات إعادة فهم الدين الإسلامي أو منح المسلمين فرصة إعادة فهم أنفسهم لقيت سيلا هائلا من الانتقادات والرفض، حيث يبدو أن مساعي إيجاد نماذج للإسلام خاصة بأوروبا أو بالمجتمعات الغربية بشكل عام لا تبدو المهمة التي يسهل تقبلها والاقتداء بما تؤسس له.

سويسرا بدورها شهدت تجربة لإقامة صلاة مشتركة بين النساء والرجال في أحد مساجد العاصمة بيرن تولت خلالها إلهام مانع أستاذ العلوم السياسية وعضو مجلس إدارة المنتدى لإسلام تقدمي في سويسرا إلقاء خطبة صلاة الجمعة، وهو الأمر الذي أثار جدلا كبيرا آنذاك. مانع تدعو إلى نقد التفسيرات التقليدية للإسلام وتروج لمفهوم الإسلام الإنساني. مانع تقول إنه يتم تفسير “الدين بأشكال مختلفة، هدفه (الدين) ليس خنق الشعب بتعاليمه، وإنما المساهمة في هذا العالم لكي يصبح مكانا أفضل للعيش فيه”.

فرنسا كذلك تبحث عن نموذج خاص بها يتلخص في المشروع الذي يسعى الرئيس إيمانويل ماكرون لوضع أسسه وهو مشروع “إسلام فرنسا” الذي من المنتظر أن يعدل قانون العام 1905 المتعلق بفصل الكنيسة عن الدولة وهو نفس القانون الذي يرسخ مبدأ العلمانية في البلاد من أجل أن يحمي مسلمي فرنسا من تأثيرات الجمعيات والجهات الأجنبية التي تسعى لنشر التطرف والعنف بين المواطنين الفرنسيين الذين يعتنقون الإسلام.

وقبل ماكرون، كان لرئيس الوزراء السابق مانويل فالس برنامج لمواجهة خطر الجهاديين وخصص له ما يقارب 114 مليون دولار، بموجبه يتم وضع متطرفين في مركز تجريبي لنزع التطرف والهدف منه إعادة المتشددين الفرنسيين إلى المجتمع وإلى حياتهم الطبيعية وأن لا يكونوا بعد ذلك مصدر تهديد أو خطر. لكن التركيز على العلمانية الفرنسية والرفض المحلي لفكرة إعادة إدماج المتطرفين في المجتمع، كانا من الأسباب الأساسية في إفشال خطة فالس حيث توقف برنامجه بعد خمسة أشهر فقط من إطلاقه. هذه التجربة، زادت الخبراء اقتناعا بأن أي تجربة تهدف إلى اقتلاع جذور التطرف يجب أن تكون ضمن إطار أكثر شمولا يعتمد على علم النفس، وهو ما يمنح المهمة فعالية أكثر.

الحكومة الأميركية من جهتها اعتمدت مقاربة سياسية بتبني برنامج منح مكافحة التطرف العنيف الذي يوفر الأموال لجماعات غير ربحية تنفذ برامج محلية في هذا المجال. إدارة الرئيس دونالد ترامب عدلت في 2017 البرنامج ليشمل مجموعات تشترك في تطبيق القانون وتعمل ضد التطرف الإسلامي. لكن عددا من المستفيدين بالبرنامج أوقفوا عملهم معه بسبب مواقف الرئيس ترامب. يعتبر المراقبون أن ازدواجية المعايير تعد من أهم أسباب فشل محاولات الحكومات الغربية في إيجاد نماذجها الخاصة للإسلام، التي تفشلها بكل سهولة مواقف المسؤولين التي تعبر عن كراهية للإسلام، إذ يتشددون في تعاملهم مع الجهاديين لكن في المقابل يصبحون أكثرا تساهلا ولينا في التعامل مع مخاطر اليمين المتطرف.

13