المجتمع التركي أسير "تغييرات ثورية" في السياسة والجيش

فشل المحاولة الانقلابية في تركيا منتصف الشهر الماضي، فسح الطريق أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للقيام بعمليات تطهير واسعة شملت جل القطاعات في الدولة ما أضر بعلاقاته مع أوروبا المتحفظة على هذه الإجرءات مقابل تقارب سريع مع موسكو.
الاثنين 2016/08/15
تأييد ظرفي

أنقرة - تعيش تركيا تحولا عميقا منذ محاولة الانقلاب في 15 يوليو مع زلزال غير مسبوق داخل قواتها المسلحة وإعادة تقييم لسياستها الخارجية وأكبر حملة تطهير في تاريخها المعاصر.

ويتوقع المحللون لهذا البلد العضو في حلف شمال الأطلسي الذي تحده اليونان غربا وإيران شرقا ويضم 79 مليون نسمة، كما كبيرا من التغيرات على مستوى السياسة والمجتمع في تركيا.

ويبدو أن الحياة استعادت مجراها الاعتيادي في اسطنبول وأنقرة حيث عاش السكان مذعورين ليلة حدوث الانقلاب على وقع دوي قصف الطائرات الحربية والدبابات.

لكن الأعلام التركية العملاقة التي تزدان بها المباني العامة واللافتات الإعلانية الموجودة في كل الأمكنة والمرحبة بفشل المحاولة الانقلابية وكذلك صور “الشهداء” الذين سقطوا، تذكر بأن الحياة لم تعد هي نفسها منذ الانقلاب الفاشل في 15 يوليو.

والمؤامرة التي دبرها كما تقول السلطات التركية الداعية الإسلامي المقيم في المنفى فتح الله كولن كانت تهدف إلى الإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان.

لكن انتهى بها المطاف إلى حملة توقيف جماعية للانقلابيين ما سمح لرئيس الدولة بإجراء أحد أكبر التغييرات منذ تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923.

والانقلاب قادته عناصر متحالفة مع كولن داخل مؤسسة الجيش التي تعتبر عماد الجمهورية. وفي سياق محاولة الانقلاب تم توقيف أو عزل نحو نصف جنرالات الجيش.

ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي يمر بأسوأ أزمة له منذ سنوات خصوصا مع القمع الذي يمارس في تركيا

وذهب أردوغان إلى ما هو أبعد من ذلك إذ فرض حالة الطوارئ ووضع تحت سلطته وسلطة الحكومة الجيش الذي قام في الماضي بثلاثة انقلابات ناجحة.

وقامت الحكومة بعملية “ثورية” لتعزيز السلطات المدنية “بهدف تقليص دور العسكر بشكل أكبر” كما كتب متين غورجان وميغان جيسكلون في وثيقة نشرها المركز السياسي للأبحاث في اسطنبول.

ورأى الباحثان أن السلطات باتت أمام خيارين، فإما متابعة الإصلاحات بطريقة ديمقراطية وإما الهيمنة على العسكر بدون تشاور. وباتت تركيا في نظرهما “أمام منعطف استراتيجي”.

وأثارت حملات التطهير التي أطلقت في كل القطاعات على إثر الانقلاب الفاشل الانتقادات في الغرب واتهامات للنظام التركي بالاضطهاد. وقد تم عزل أكثر من 81 ألف موظف وتوقيف حوالي 35 ألف شخص.

ولم تأبه أنقرة للانتقادات وردت باتهام الغرب بأنه لم يبد تضامنا معها حتى أن وسائل الإعلام المقربة من الحكومة أشارت إلى ضلوع الولايات المتحدة في المؤامرة. وقد تشهد العلاقات بين واشنطن وأنقرة تدهورا بشأن ملف كولن الذي تصر تركيا على المطالبة بتسليمه.

إضافة إلى ذلك يمر ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي بأسوإ أزمة منذ سنوات بخصوص القمع الذي يمارس في تركيا، حتى أن النمسا دعت إلى وقف محادثات الانضمام.

وفي هذا الصدد قال مارك بييريني السفير السابق للاتحاد الأوروبي في أنقرة والباحث في مركز كارنيغي أوروبا “إن الانقلاب لم يكن بأي حال من الأحوال اختبارا فشل فيه الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة (…) إن تركيا هي التي تواجه اختبارا في إعادة بناء ذاتية”.

وكان التوجه المقرب من الغرب في تركيا -العضو في الحلف الأطلسي منذ 1952- حجر الزاوية في سياستها الخارجية.

لكن قرار الرجل القوي في تركيا أن تكون زيارته الأولى الخارجية إلى روسيا بعد الانقلاب الفاشل للقاء الرئيس فلاديمير بوتين بغية طي صفحة الأزمة التي تسبب فيها تدمير طائرة روسية، يثير المخاوف من إمكانية أن تغير تركيا توجهها في سياق محاولة الانقلاب.

وأبدى أردوغان برودة تجاه الغرب فيما شكر نظيره الروسي لما أبداه من دعم لنظامه وأعاد إطلاق التعاون المجمد بين البلدين.

وقال كمال كيريسي من مؤسسة بروكينغز “خلافا للقادة الغربيين فإن بوتين يستفيد من ذلك لإعادة العلاقات الروسية التركية”.

5