المجتمع التونسي في مهب الكراهية

ثقافة الكراهية التي ظهرت في تونس خلال السنوات الماضية، لا تحتاج إلى دراسات أو أبحاث، بقدر ما تحتاج إلى وقفة حازمة من الدولة والأحزاب والنخب، لأن استمرارها بهذا الشكل قد يعصف بالجميع.
الخميس 2018/04/12
الكراهية باتت جزءا من الخطاب اليومي

من أخطر ما برز على سطح المشهد التونسي خلال السنوات الماضية، ظاهرة الكراهية، التي لا يكاد يخلو منها مجال أو فضاء، فهي منتشرة في الشارع وفي وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وملاعب كرة القدم، وصولا إلى البرلمان الذي شهد مواجهات مفزعة، واهتز على وقع الشتائم والسباب، وخرج من بين نوابه من يحذر زملاءه في جلسة عامة بثها التلفزيون العمومي مباشرة، من أنه انتحاري وسيفجر نفسه فيهم، وخرج آخر ليوصي بأن يتم صلب من يفكر في الانقلاب على الوضع الحالي، في ساحة الحكومة بالقصبة، وأن يتم تقطيعه إربا إربا، وتوزّع أشلاؤه في كامل مناطق البلاد، واستمعنا إلى إحدى النائبات وهي تخاطب رئيس المجلس شخصيا، وبصوت مرتفع بأنها “أرجل منه وأشرف منه”.

وفي وسائل الإعلام باتت الكراهية جزءا من الخطاب اليومي، وخاصة في البرامج الحوارية ذات المضامين السياسية، وبات من العادي أن تتجاوز هذه الكراهية الحدود القُطرية لتستهدف دولا وشعوبا شقيقة، تعبيرا عن المأزق الذي وقعت فيه البلاد بعد أن صار إعلامها جزءا من صراع المحاور في المنطقة، كما برزت المنابر الحزبية والعقائدية بخطاب عدواني لا يستثني رموز البلاد ولا تاريخها، ولا خصوصيات الجهات والمناطق، فإذا بها تنبش قبور الموتى وتهتك عرض التاريخ وتشكك في استقلال البلاد وتكفّر صانعي الدولة الحديثة.

أما مواقع التواصل الاجتماعي فأضحت مصبّا للكراهية في أبشع تجلياتها، إلى حد الشماتة في المريض والميت، وهتك أعراض المنافسين السياسيين والأيديولوجيين ونشر الأخبار الزائفة، وترويج الصور والفيديوهات المفبركة، واعتماد التكفير والتخوين ضد أصحاب الرأي الآخر وتشويههم بأبشع النعوت والاتهامات، والتلاعب بالمعطيات الشخصية للأفراد، وصولا إلى العمل على بث الفتنة بين الجهات والمناطق والفئات الاجتماعية. حتى أن كتلة حزب نداء تونس البرلمانية تقدمت بمبادرة تشريعية “لتجريم كل أشكال القذف والسب عبر شبكات التواصل الاجتماعي للحد من هذه الظاهرة السلبية التي تفشّت في هياكل الشعب التونسي وباتت تنشر ثقافة الحقد والكراهية”، وذلك في إطار “المزيد من نشر الثقافة الديمقراطية المبنية على حرية التعبير التي تراعي وتحترم كيان الدولة والقانون وحرمة الذوات والأفراد بعيدا عن التدني الأخلاقي والفوضى وهتك الأعراض والمساس بهيبة الدولة وممثليها” وفق تعبير بيان صادر عنها.

لم يعد خافيا، أن هناك جيوشا إلكترونية ولوبيات إعلامية وغرف عمليات، تعمل على مدار الساعة، على بث الكراهية تجاه الأفراد والجماعات والأحزاب والمناطق والفئات والأفكار

وفي ملاعب كرة القدم، اتسعت ظاهرة الكراهية بشكل مخيف، حتى بات التعرض للمناطق والجهات المختلفة بشتى أنواع الإساءة والأذى أمرا عاديا، وهو ما يمكن تفسيره بما ارتكبه بعض السياسيين من جرائم في حق الشعب، عندما عمدوا إلى تقسيمه بعد الإطاحة بالنظام السابق في يناير 2011، على أسس جهوية ومناطقية وعشائرية، كتقسيم عموم الشارع على أسس حزبية وفكرية وأيديولوجية، والترويج منذ انتخابات المجلس التأسيسي لما سمي بالتوافق بين إسلاميين وعلمانيين، ثم التأكيد على ذلك بعد انتخابات 2014.

وسعى فاعلون سياسيون، إلى العودة إلى حقبة الخمسينات من القرن الماضي عبر تقسيم التونسيين بين بورقيبيين ويوسفيين، وتجاهل معطى تاريخي مهم وهو أن الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف كانا رفيقين في معركة التحرير وينتميان إلى حزب واحد، ولم يختلفا إلا على الزعامة مع ظهور بوادر الاستقلال، ثم أظهروا دفاعا مستميتا عن كل من رأوا فيه ضحية لمرحلتي حكم بورقيبة وبن علي، حتى إن كان متورطا فعلا في محاولة انقلابية أو في ممارسة العنف ضد الدولة، ووصلوا عبر أدواتهم المختلفة إلى التشكيك في استقلال تونس وفي حجم ثرواتها الطبيعية، وصولا إلى إقناع جهات بعينها بأن ثرواتها تذهب لمصلحة جهات أخرى، وهو ما مثّل تهديدا فعليا للنسيج الاجتماعي، وتسبب في تعطيل الإنتاج في مناسبات عدة، ما ساهم في الوصول إلى المأزق الاقتصادي الحالي.

ولم يعد خافيا، أن هناك جيوشا إلكترونية ولوبيات إعلامية وغرف عمليات، تعمل على مدار الساعة، على بث الكراهية تجاه الأفراد والجماعات والأحزاب والمناطق والفئات والأفكار وحتى ضد مؤسسات الدولة، وضد الدول والشعوب الأخرى، ولا تستثني حملات الكراهية أي مجال من المجالات، فهي تستهدف السياسة والاقتصاد والثقافة والفكر والفن والرياضة والتاريخ والمرأة والرجل والأموات والأحياء، وتخبط خبط عشواء في كل الاتجاهات، فتفرز سموما تهدد سلامة المجتمع، وتعد بالخطر الحقيقي في حال عدم الانتباه إليها.

إن ثقافة الكراهية التي ظهرت في تونس خلال السنوات الماضية، لا تحتاج إلى دراسات أو أبحاث، بقدر ما تحتاج إلى وقفة حازمة من الدولة والأحزاب والنخب، لأن استمرارها قد يعصف بالجميع، وعندها سيندم الجميع، ولكن يوم لا ينفع الندم.

9