المجتمع التونسي لا يتخلف عن أي مأدبة

الثلاثاء 2017/01/31

وسط البكاء والعويل في المآتم كثيرا ما تنفلت ضحكات رنانة تتحدّى الحزن والعيون الزاجرة وحمرة خدود أصحابها خجلا من الحاضرين، ومع ذلك تتكرر من هنا وهناك حتى تطغى على أصوات النحيب.

ولا يمكن اعتبار صاحب هذه الضحكة شاذا أو غير حزين أو أقل الناس قربا من الميت، بل لعله في أحيان كثيرة أشدّهم ارتباطا بالفقيد، ولكنه يملأ أرجاء المكان بضحكات تنافس العبرات وتحاول كبتها.

ويكون هذا التنافس على أشدّه حالما ينقسم الحاضرون إلى فريقين بين مؤيد ومعارض، ويعود أساس الاختلاف إلى ما تزخر به المجتمعات العربية، ولا سيما في الأحياء الشعبية من عادات وتقاليد تتمسك بها أجيال توارثتها دون كلل أو ملل مع الحرص على تطبيقها.

وطبعا تكون أولى شرارات هذا الاختلاف مرتبطة بمكان الدفن وهنا حتى الجيران يكون لهم رأي فيه، وكثيرا ما يقوي فتيل الفتنة بين الأهل، لِمَ لا يدفن على قريبه فلان؟ أو من الأفضل إعادته إلى مسقط رأسه، وهكذا.

وأخيرا يحصل الاتفاق، لكن تبرز إشكالية جديدة تعقد من أجلها مجالس الشورى، والكل يصبح ذا خبرة ومعرفة وتقوى وهي مراحل غسل الميت التي تحظى بخطابات أهل الذكر، فيشيد بتلك الطريقة ذلك الرهط من الناس، وتنفي جدواه الأخرى.

وفي الجانب الآخر تتكاتف الجهود لإعداد الطعام وتقديمه للحضور رحمة ونورا على الفقيد، وطقوس الأكل طبعا في المجتمعات العربية خاصة جدا، لا سيما وأنها مجتمعات أكولة.

وعلى الرغم من توفر كميات كبيرة من الطعام لا يمكن إرضاء جميع الحضور الذين يتسم أغلبهم بالغرابة والتفرد، إذ لا يتردد أحد الجالسين إلى مائدة الطعام من طلب المزيد أو تغيير قطعة اللحم، أو طلب قطعة إضافية غير آبه إن كان هناك اكتفاء أم لا.

لا أعلم إن كانت هذه عادات أغلب الشعوب ولكن ما يمكن معاينته في مجتمعنا التونسي أنه مجتمع حاضر بقوة في كل المناسبات لا يتخلف عن أيّ مأدبة فرحا كانت أم مأتما، إذ يشدد عند مغادرته بعد مراسم الدفن على استدعائه حالما يقرر أهل الميت تحديد ما يعرف بيوم “الفرق”، وهو اليوم الثالث من الدفن يجتمع فيه الحضور من أجل الغذاء المادي والروحي لكن أغلب الحاضرين يملأون البطون ومن ثمة يغادرون دون التفكير في مجالسة قراء القرآن.

طقوس الطعام لا تقف عند أبواب منزل الميت بل وتلحقه بخطى ثابتة إلى المقابر، حيث يحمل أهله ما لذ وطاب من أكل، كل حسب مقدرته، لزيارته صباحا بعد يوم من دفنه.

بعد ذلك يذهب كل في طريقه على أمل اللقاء في مأدبة جديدة، يتحدد موعد إقامتها وفقا لعدد أبناء الميت، وهذه طبعا من الحسابات التي ينأى ذهني عن فهمها، خصوصا وأن النزاع يبرز من جديد أول ما يسأل أحدهم “متى ستقيمون الأربعين؟” وهو المصطلح المتداول بين التونسيين، فيصدح صوت مستشهدا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم “كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار” فينهره صوت غاضب “كل شيء ألصقتم به صفة البدعة، الله غالب، لم يعد لعادات الجدود وجود”.

كاتبة من تونس

21