المجتمع السعودي يصفّي حساباته مع "الصحوة" ومن وقف خلفها

الوعي بمدى حساسية التحول وخطورته يتطلب عدم الانشغال بتوبة واعتذار هذا الداعية أو ذاك، وسد مساحات الفضاء الإعلامي بالرؤى التي تنمي ملكات النقد والاعتراض.
الاثنين 2019/05/13
فكر جديد مواكب لمسار التغيير

يفتح اعتذار الداعية عائض القرني باسم “الصحوة” للمجتمع السعودي عن الأخطاء التي ارتكبها رموز هذا التيار باسم الإسلام، بابا واسعا للاعتراف بحقيقة مفادها أن مرحلة التغيير فرضت على الجميع وبأن الإرادة السياسية والمجتمعية وخاصة مثقفي السعودية، لن يقبلوا مستقبلا أن يكون من كان طرفا هاما في المشكلة، بتسببه في نكسة وغيبوبة المسلمين جزءا من الحلول التي فرضها مسار التحولات المجتمعية، فالمجتمع السعودي لن ينتظر توبة هؤلاء لبناء عصر جديد، بل سيكون أكثر عزما على تصفية حساباته مع “الصحوة” وكل من وقف خلفها لدعمها.

الرياض- تلفت الصيغة التي قدم بها الداعية السعودي عائض القرني توبته واعتذاره عن سنوات إسهامه في خطاب الصحوة المتشدد، إلى ما يأمله رموزها في أن يصبح لهم دور خلال مرحلة التغيير التي فرضت نفسها على الجميع.

عقّب القرني على اعتذاره وتوبته بالتأكيد على استعداده للإسهام في مرحلة التغيير والترويج للخطاب الإسلامي المعتدل، وهو ما يعكس الرغبة في البحث عن دور في مشهد مستقبلي من شأنه طي صفحة التشدد الديني وتجاوز خطابات من شغلوا المجتمع بقضايا هامشية ونشروا الجمود والتطرف لسنوات طويلة.

لا تخفى الانتهازية في هذه الخطوة كما تبدو الخديعة ظاهرة ممن يشعرون بأن الإرادة السياسية والمجتمعية قضت بالتغيير، والمشروع لن يتوقف ولا رجعة فيه ولا مفر من اللّحاق به، فسارعوا للإيحاء بأنهم جزء من مرحلة التحولات ومن المفيد توظيف جهودهم للترويج للأفكار الجديدة.

يرتبط مشهد التوبة بصناعة حدث التحول ذاته الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية اليوم، من جهة إثارة العديد من الأسئلة المتعلقة بجدوى حضور رموز مرحلة ما عرف بتيار الصحوة ضمن سياق مشهد التغيير، وهل ينجح مشروع التحول بالوجوه الفكرية والدعوية القديمة، أم أن المجتمع لن يتقدم إلا بتجاوز هذه المرحلة بخطاباتها ورموزها سواء أعلنوا التوبة أم لم يعلنوا؟

تضع ضخامة ورمزية حدث التحولات الاجتماعية الهائلة مواقف مثل توبة داعية عن التشدد وغيرها في حجمها الحقيقي كحدث لا يستحق كل هذه التغطية الإعلامية وهذا الجدل الذي أثاره، فتصرفه مظهر وانعكاس لما يجري وليس سببا فيه، واعتداله من عدمه لن يزيد أو ينقص ولن يؤثر في حالة جماعية عزمت أمرها وقررت أن تودع الماضي بكل تشدده
وجموده وتنطلق نحو المستقبل بآفاقه الرحبة.

ولكي تدار حركة جديدة للفكر في العالم الإسلامي مواكبة لمسيرة التغيير التي تمضي الآن إلى الأمام لا بد من البناء على أسس سليمة بأفكار متطورة وبوجوه ورموز جديدة، مختلفة عن رموز مرحلة الجمود والتشدد، لسبب أولي وهو ارتباط هذا الماضي في أذهان الناس بهذه الأسماء التي أثر خلطها المحموم عبر الآلاف من المحاضرات والخطب سلبيا على النظرة التقدمية للإسلام.

ولأن المهمة الأساسية لمفكر المرحلة الراهنة هي طرح المعايير التي تتيح للناس التمييز بين صحوة ويقظة إسلامية داعية إلى تغيير واقع المسلمين إلى الأفضل وأخرى كان لا هدف لها إلا إرجاع الزمان إلى الوراء والوصول بالمسلمين باسم صحوة كاذبة إلى حالة التخدير التي لن يصحوا منها إلا بعد فوات الأوان.

كان من ضمن الأسباب الرئيسية في تضخم حالة التشدد والانخراط في صراعات المظاهر والملبس والطقوس الدينية وإهمال الطرح الفكري التقدمي المسهم في نهضة المجتمعات، عدم التدقيق في مؤهلات متصدري الدعوة ومنح الثقة لمن حملوا ألقاب دعاة ممن تبين لاحقا أنهم مجرد طالبي أموال وشهرة. لا تحتمل المرحلة الراهنة بمسؤولياتها المنهجية والفكرية الفائقة الاستخفاف بشأن الرموز والأسماء المرشحة للقيام بمهمة التنوير ونشر قيم الاعتدال والوسطية.

تفتقد رموز المرحلة الماضية إلى المصداقية لدى من تأثروا بمنهجهم ودعواتهم بسبب الثروات الطائلة التي كونوها بعد اشتغالهم بهذا المجال، ما يسهل توجيه اتهامات الجري وراء العرض الدنيوي أو التعرض لضغوط نظير تقديم تنازلات، الأمر الذي يخصم من مشهد التغيير الراهن ويشوش على بريقه وجاذبيته، وينبه لضرورة أن يكون للمرحلة رجالها من منطلق
قناعات راسخة وأفكار مؤسسة على رؤى واضحة وقواعد متينة، ولا مجال لشبهة انتهازية أو السعي لأغراض دنيوية.

علاوة على احتياج المرحلة الراهنة إلى أسماء ووجوه ورموز جديدة بفكر متطور ومختلف، فهي في أشد الاحتياج إلى أساليب متطورة في عرض الأفكار، وهو ما لا يجيده دعاة مرحلة الصحوة المزعومة الذين اعتمدوا أسلوب الإرسال من جانب واحد فيما الجميع متلقون ليس عليهم إلا الإنصات وإظهار الانبهار بما يُقال.

نشر دعاة هذه المرحلة عبر نقل العبارات المحفوظة والقوالب الجاهزة بواسطة شرائط الكاسيت من جيل إلى جيل ومن مستوى أعلى في التنظيمات والجماعات إلى مستوى أدنى ومنها إلى عموم الناس الكوارث الفكرية وحالة السطحية والجهل واللاوعي التي شلت حركة المجتمعات العربية والإسلامية على مدى أكثر من عقدين، وسرت تلك الخطابات مسرى الحقائق المطلقة التي لا تقبل المناقشة.

لذلك عودوا الناس طويلا على التواكل والطاعة العمياء عبر أسلوب لا يعترف بأن الإنسان يتعلم من تجاربه بل تفرض عليه وصاية بحجة أنه قاصر وعاجز عن الوصول إلى مرحلة النضج ما دام يؤمن بحاجته الدائمة إلى مصدر للتوجيه أعلى منه.

مرحلة التغيير الراهنة، وما سيتبعها، لا مكان فيها لهذه الأساليب التي تجمع أنصار الفكرة الواحدة وتحول غالبية الشعب إلى مستهلكين لما ينتجه البعض مدعوما بآيات القرآن وأبيات الشعر، وما سيسهم فعليا في حركة التغيير هو أسلوب الحوار وإبداء الآراء المتنوعة الذي يقود إلى تفنيد رؤى وتفكيك إشكاليات وتطوير وتصويب أخطاء ومن ثم طرح معالجات مبدعة غير تقليدية.

ينطلق مسار التغيير منذ البداية حتى قبل تيار الصحوة وما خلفه من تشوهات في الأفكار والتصورات من الاهتمام بالجوانب العامة والمبادئ العليا المتفق عليها بين الجميع والواردة أيضا في النصوص الدينية كالعدل والشورى والمساواة والحرية الدينية، مع ترك التفاصيل لاجتهادات كل عصر، وهي التفاصيل التي تعالج قضايا وتحل مشكلات داخلة في صميم الحياة الإنسانية المتغيرة.

مرحلة التغيير الراهنة، لا مكان فيها لأساليب رموز الصحوة التي تحول غالبية الشعب إلى مستهلكين لما ينتجه البعض مدعوما بآيات القرآن وأبيات الشعر

ويتم ملء هذه التفاصيل داخل مساحة المتغير الواسعة عبر مصدر آخر غير دعاة الدين، حيث يعتمد على متطلبات المجتمع وتجارب الإنسان وخبراته الدنيوية وما يستمده من خبرات الشعوب والمجتمعات الأخرى، ما يجعل دور الدعاة محدودا داخل سياق الوعظ الديني في المساجد، لا لتصدر مشهد التغيير كما يأمل البعض من رموز الصحوة المزعومة التي طُويت صفحتها.

يعد تجاهلا لحقيقة التغيير ومقتضيات مرحلة التطور الراهن المصيرية إذا سُمح من جديد بحضور من كان كفاحه طوال عقود مقتصرا على ميدان الملابس وأداء الفرائض ومنع الاختلاط بين الجنسين، ومن كان يظن بأنه صنع المعجزات عندما ينجح في قطع اجتماع أو محاضرة من أجل إقامة صلاة أو في فصل الطلاب عن الطالبات أو في إثارة ضجة إعلامية من أجل تربية اللحى وارتداء النقاب والجلباب.

لا تحتمل المرحلة الراهنة حضور من تسببوا في نكسة وغيبوبة المسلمين، ومن يحتاج لتفعيل توبته ودعمها بمراجعات فكرية وامتلاك جرأة نقد أفكار شيوخه المؤسسين لهذا الفكر إلى سنوات طويلة.

لن ينتظر المجتمع هؤلاء بعد أن تجاوز مرحلتهم، والرهان الآن على رموز تمتلك القدرة الذاتية والتلقائية على الارتقاء بمستوى الفكر وعلى الابتكار لمواجهة المشاكل المتجددة في عالم سريع التغير، دون عقد سابقة ولا آثار من ماض يلاحق أصحابه ويثقل كاهلهم وعقولهم.

الاحتياج الآن إلى من يصنع قوة الإنسان العربي والمسلم المعنوية ومن يعلمه الصمود في الميادين التي تختبر فيها مصالحه وتتطلب منه تضحية جسيمة، وإلى من يصنع الفارق في التصدي للمشكلات المصيرية التي تتحكم في حياة الإنسان المعاصر.

يتطلب الوعي بمدى حساسية التحول وخطورته عدم الانشغال بتوبة واعتذار هذا الداعية أو ذاك، وسد مساحات الفضاء الإعلامي بالرؤى التي تنمي ملكات النقد والاعتراض والشغف بالتفكير والبحث، وبحلقات الحوار والتعددية، تلك التي تنضج الإنسان وتصحح أحكامه وتكسبه وعيا بجوانب الضعف فيه والمقدرة على تجاوزه.

13