المجتمع الليبي يصنع الحلّ بعيدا عن حسابات السياسة

المصالحات القبلية تثبت وجود مشروع حقيقي لتجاوز كل آلام الماضي، وتحقيق الإصلاح من الداخل بما يخدم الأمن والاستقرار، وبما ينزع عن البلاد مخاطر الانقسام، وبما يحقق الحل السياسي وفق الإرادة الوطنية.
الخميس 2019/02/14
تجاوز الصراعات بعيدا عن كواليس الحكم في طرابلس

مشهد لقاء المصالحة الذي شهدته مدينة سرت الليبية بين قبيلتي أولاد سليمان والقذافذة بعد سنوات من الصراع والمواجهات المسلحة في مدينة سبها، يدفع نحو الاعتقاد بأن هناك صحوة ليبية حقيقية من داخل المجتمع لتجاوز النفق المظلم الذي وقعت فيه البلاد، منذ أكثر من سبع سنوات.

قبيلة أولاد سليمان، واحدة من أكبر القبائل الليبية والتي يمتد تواجدها منذ هراوة شمالا إلى بحيرة تشاد جنوبا، كان لها تاريخ ثري في مقاومة الاحتلالين التركي والإيطالي، ومع بداية الحرب العالمية الثانية زحف مقاتلوها بالتحالف مع قوات فرنسا الحرة على جنوب ليبيا، حيث أعلن شيخهم حمد بن سيف النصر حاكما على فزان، وساهموا في تأسيس الدولة الليبية الحديثة، وانتهى حكمهم للإقليم بإلغاء النظام الفيدرالي عام 1963 وانتهت سيطرتهم الفعلية على فزان في 1969.

وبعد أحداث 2011 والإطاحة بالنظام السابق، شهدت سبها وعموم إقليم فزان مواجهات مسلحة، منها ما حصل في فترات متلاحقة بين أولاد سليمان والقذاذفة، أي بين من يحكمون فعليا بعد الحرب العالمية الثانية وحتى إلغاء الفيدرالية، وبين من كان يعتقد أنهم يحكمون بعد 1969، رغم أن القبيلتين كانتا متحالفتين على امتداد التاريخ ضمن صف قبلي واحد.

المهم أن المصالحة التي جدت أطوارها أولا في هراوة ثم في سرت، كانت مثالا حيّا على قدرة الفعاليات الاجتماعية الليبية على حل مشاكلها وتجاوز الصراعات بينها بعيدا عن كواليس الحكم في طرابلس، فالأعراف القبلية في ليبيا لا تزال أقوى من سلطان الحاكم والحكومة، وفوق الأحزاب والمنظمات، ودون أدنى تأثر بمحاولات التدخل الأجنبي.

وحين نعلم أن المصالحة قد تمت برعاية سيف الإسلام القذافي الموجود في حمى قبيلة أخرى تنتمي إلى ذات الصف القبلي مع أولاد سليمان والقذاذفة، وهي قبيلة الزنتان، فإن الأمر يتخذ بعدا آخر. فمن ليبيا يأتي الجديد كما قال أبو التاريخ هيرودوت، حيث أن الحسابات لا تستقيم وفق منطق السياسة ولا سياسة المنطق، وإنما وفق العلاقات الاجتماعية والإنسانية بمختلف تشعباتها، حيث أن نجل القذافي على علاقة بما يدور حوله، ويستقبل الوفود القبلية، ويتصل بهم، ويتواصل معهم، خصوصا تلك القبائل التي لا تزال موالية لنظام والده.

ثم إن هذه المصالحة تأتي في ظل تطوّرات ميدانية مهمة، تتعلّق أساسا بحملة الجيش الوطني الليبي لتحرير وتطهير الجنوب، والذي وجد دعما من السكان المحليين ومن القبائل العربية هناك، ومن بينها قبائل أولاد سليمان والقذاذفة والمقارحة والحساونة والمجابرة، وجميعها ذات تاريخ جامع بينها في مواجهة التحديات الكبرى، سواء خلال الحرب أو خلال السلام.

منذ أيام، حاول المجلس الرئاسي أن يواجه تقدم الجيش، خاصة نحو حقل الشرارة، أكبر الحقول النفطية بالبلاد، بتعيين الفريق علي كنّه آمرا للمنطقة العسكرية سبها، وأصدر قرارا رسميا في ذلك. كان المجلس الرئاسي ينطلق من أمرين مهمين، فالفريق كنّه، ينتمي إلى الطوارق ولديه حظوة لدى القوم والقبيلة، وهو من كبار ضباط النظام السابق حيث كان آمر لواء المغاوير في الجنوب، ويعرف بأنه لا يزال يحافظ على ولائه لعهد ما قبل 2011، ثم أنه كان، كما المشير خليفة حفتر، ممن شاركوا في حركة 1969 التي أطاحت بالنظام الملكي.

وكان هناك من يعتقد أن الطوارق سيقفون مع ابنهم، وأن أنصار القذافي سيميلون إليه، وأن مواجهة ستجري في الجنوب، وخاصة في أوباري، ولكن ما حدث كان مفاجئا، فالطوارق وقفوا مع الجيش الوطني وساعدوه على تأمين حقل الشرارة، وعلي كنّه لم يصطدم برفاق السلاح، ولم يدفع نحو المواجهة، والجيش الوطني لم يبحث عنه ولم يسع إلى اعتقاله، وحتى عندما نزل من الطائرة التي أمر الجيش بهبوطها في مطار تمنهنت بعد خرقها الحظر الجوي المفروض، لم يعترضه أي أحد، وإنما ذهب في حال سبيله.

هذه الأحداث المتلاحقة، تعني أن هناك عقلا اجتماعيا واعيا استلم زمام الأمور، وأنه في تحالف مع قواته المسلحة، وأن حتى ما قيل عن حرب إبادة ضد التبو لم يقنع أحدا، فالحرب ليست ضد التبو الليبيين الذين يقف جانب كبير منهم في صفوف الجيش، بل ومنهم من يقود المعارك في الجبهات ويحمي الثغور، وإنما ضد المسلحين التشاديين الذي حاولوا الاستيطان في إقليم فزان، وتحالفوا مع ميليشيات الإسلام السياسي وخدموا في صفوفها كمرتزقة، ومارسوا الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر لكسب المال، ولشراء السلاح بهدف تحقيق أهدافهم السياسية عبر العنف المسلح، ومنهم من كان يسعى بغطاء خارجي لتغيير ديموغرافيا فزان قصد تحقيق حلم قديم بتأسيس كيان عرقي للتبو الموزعين على ليبيا والسودان وتشاد والنيجر، وهو ما يعني تقسيم ليبيا، والسيطرة على جزء مهمّ من جنوبها الثريّ بالنفط والغاز والماء والمعادن الثمينة.

أما الفريق علي كنّه، وإن كان لا يزال مواليا للنظام السابق، حسب ما يؤكده الكثيرون، فإنه يدرك جيدا أن الجيش الوطني يقوده ليبيون، من بينهم من كانوا يعملون في الصفوف الأولى للقوات المسلحة في العهد السابق، بل ولا يزالون أوفياء لتلك المرحلة، ولكنهم اختاروا الولاء لليبيا الوطن والشعب والأرض والكيان، خصوصا وأن الجيش الوطني كان أول من قاطع العزل السياسي وفرض المصالحة الوطنية على الأرض في المنطقة الشرقية وفي كل المناطق التي دخلها، وأعلن أن حربه الحقيقية هي ضد الإرهاب وتجار الدين وأعداء الوطن والخارجين عن القانون وكل ما يهدد سيادة الدولة ووحدة المجتمع.

إن ليبيا اليوم تتعافى رغم الجراح، وتقدّم الجيش في الجنوب يدعم تلك الفكرة، والمصالحات القبلية تثبت وجود مشروع حقيقي لتجاوز كل آلام الماضي، وتحقيق الإصلاح من الداخل بما يخدم الأمن والاستقرار، وبما ينزع عن البلاد مخاطر الانقسام والتشتت، وبما يحقق الحل السياسي وفق الإرادة الوطنية، وليس وفق الإرادات الأجنبية التي يحاول بعضها التغاضي عن حقيقة الواقع الاجتماعي والتحالفات من داخل بنيته الشعبية بمكوناتها المتعددة والمتنوعة، والقفز من فوقها لتشكيل رؤية للحكم والسلطة والنظام لا صلة لها بالخصوصيات الثقافية والحضارية والاجتماعية للبلاد.

عندما وقفت في بداية هذا الموضوع، عند المصالحة بين أولاد سليمان والقذاذفة، كنت أقصد أن ما كان يراه البعض صعب المنال بات حقيقة، وأن النظام الاجتماعي الليبي قادر على تحمّل آثار الدماء التي سفكت، خصوصا عندما يتوفر من داخله وليّ الدم القادر على إعادة جسور الثقة بين الأطراف المتصارعة، وهذا ما تحقق ويتحقق يوميا، وهذا ما يثبت أن الليبيين أقدر من غيرهم على التعامل مع أوضاعهم، ليعودوا كما كانوا أسرة واحدة في وطن ممتد الأرجاء.

9