المجتمع المدني في الأردن نعمة أم نقمة ضاق صدر الحكومة بها

ترتبط فكرة تطور الدولة وارتقائها في سلم الديمقراطية بمدى حضور وفاعلية المجتمع المدني فيها، ولكن هذه الرؤية يشوبها قصور في الأردن كما في باقي الدول العربية الأخرى، حيث أنه بدلا من دعم المؤسسات والهيئات المدنية وفسح المجال أمامها للعمل بحرية تجد هذه المؤسسات نفسها في مواجهة مع الدولة، ولا يعني ذلك أن الأخيرة هي المسؤولة الوحيدة عن ذلك بل كلا الطرفين.
الجمعة 2015/10/23
هيئات تستغل أزمة اللاجئين السوريين في الأردن لتحقيق مكاسب شخصية

عمان - أثار قرار الحكومة الأردنية بتعزيز الرقابة المالية على منظمات المجتمع المدني، عبر سن آلية جديدة يمر عبرها التمويل الأجنبي، ردود أفعال متباينة.

وانقسمت المواقف بين منددة بهذه الخطوة التي وصفها العديد من المنضوين تحت مظلة المجتمع المدني بـ“السياسية”، في ما رآها آخرون خطوة ضرورية لضبط القطاع الذي يشهد انفلاتا واختراقا من جهات خارجية.

وكان مجلس الوزراء الأردني قد قرر، مؤخرا، وضع آلية جديدة لحصول المنظمات والهيئات المنتمية للمجتمع المدني على التمويل الأجنبي.

وتؤكد الآلية الجديدة على مرجعية وزارة التخطيط والتعاون الدولي واللجنة التنسيقية لشؤون المساعدات الإنسانية، لأي طلبات تتعلق بتمويل خارجي خاصة ذلك الموجه للاجئين السوريين وبرنامج خطة الاستجابة الأردنية بما في ذلك المساعدات العينية والنقدية.

ويفرض القرار على المنظمة أو الهيئة الراغبة في الحصول على تمويل أجنبي التقدم بطلب إلى سجل الجمعيات (وزارة التنمية الاجتماعية) يتضمن مصدر التمويل وتحديد الشركاء المحليين لتنفيذ هذه المشاريع في القطاعات والمحافظات وقيمة التمويل وتفاصيل الحساب والحوالة واسم البنك واسم المشروع وأهدافه.

كما يتضمن الطلب البرامج والأنشطة المزمع تنفيذها في المشروع وموازنته والنتائج المباشرة على المدى الطويل للمشروع ومؤشرات لقياس الأداء وشروط التمويل.

ويتم إرسال الطلبات من خلال سجل الجمعيات إلى الوزارات والجهات المعنية لدراستها وفي حال تأكد سجل الجمعيات من اكتمال المتطلبات للحصول على التمويل الأجنبي تعرض الطلبات على مجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب بشأنها.

هذه الدوامة من الإجراءات البيروقراطية تستهدف، وفق ناشطين من المجتمع المدني، القطاع وتحد من قدرته على فرض نفسه كعنصر فاعل في الحياة العامة.

ويقول هؤلاء إن الحكومة تسعى إلى السيطرة على الحياة العامة وضرب أي نشاط مدني قد يعارضها، عبر إخضاع المجتمع المدني قانونيا لسلطتها.

والمجتمع المدني هو عبارة عن أطر تنظيمية منخرطة في مجالات عدة تنموية وسياسية وتوعوية وثقافية واجتماعية، ينشط فيها أشخاص بصفة طوعية، ولا تهدف إلى تحقيق الربح المادي.

4869 جمعية وهيئة مدنية تعمل داخل الأردن تحت إشراف وزارة التنمية الاجتماعية

وتعتبر هيئات المجتمع المدني حلقة الوصل بين المواطن والنظام. وقوتها في بلد ما هو المعيار المعتمد لمعرفة مدى التقدم الذي أحرزه في إرساء ديمقراطية سليمة.

وقد شهد المجتمع المدني في الأردن طفرة خلال السنوات الأخيرة. ويقدر عدد مؤسساته في المملكة، بـ4869 بين جمعيات وهيئات معظمها ينشط في المجال الاجتماعي (3353).

وبرز دور العديد من الجمعيات والهيئات الأهلية خاصة مع تحول الانتفاضة السورية إلى العمل المسلح في 2011 ونزوح الآلاف من السوريين باتجاه المملكة.

ولعب المجتمع المدني دورا محوريا في دعم اللاجئين، وقد بات وجهة الدول والمنظمات المانحة، حيث تصل معظم المساعدات عبره إلى مخيمات اللجوء.

وتقول الحكومة إن العديد من هذه المنظمات أصبحت تستغل الأمر لجني الأموال وأن معظم المساعدات النقدية تذهب لجيوب المشرفين عليها.

وذكر وزير التخطيط الأردني، عماد فاخوري، إن الحكومة الأردنية تكبّدت منذ بدء الأزمة السورية ولغاية الآن نحو 6.6 مليارات دولار، تكاليف مباشرة وغير مباشرة.

وجدير بالإشارة أن السلطات الأردنية قامت خلال السنوات الثلاث الماضية بحل 200 جمعية خيرية، لإخلالها بالأنظمة والقوانين المعمول بها داخل المملكة.

وترى الحكومة أن القرار الأخير الذي اتخذته من شأنه أن يحد من هذا الانفلات واستغلال البعض لأزمة اللاجئين لمكاسب شخصية.

ولا تقتصر مؤاخذات الحكومة على المجتمع المدني فقط على هذه الناحية، حيث تتهم هيئات وجمعيات بالانحراف عن العمل المدني لصالح العمل السياسي، ملمّحة إلى انخراط بعضها في أجندات خارجية هدفها زعزعة استقرار المملكة، وهو ما يلزم باتخاذ إجراءات وتدابير رقابية.

وفي هذا الإطار يقول رئيس الوزراء الأردني عبدالله النسور، إن الحكومة تلمس تكاثرا غير طبيعي لمؤسسات المجتمع المدني، مضيفا أنه “لا يجوز أن تخلط هذه المؤسسات بين عملها المجتمعي والعمل السياسي”. ويوضح النسور في لقاء له الأربعاء مع مجموعة من ممثلين عن المجتمع المدني “مسألة التمويل الأجنبي حساسة للغاية بالنسبة إلى الدولة الأردنية، حيث أن بعض السفارات لها امتدادات لتحقيق أهدافها السياسية وتحاول أن تحقق تبعية واختراقا يجب أن نتنبه له”.

وذكّر رئيس الحكومة الأردنية بأن بعض مؤسسات المجتمع المدني اتهمت أنها وراء ما حدث في بعض البلدان من عنف.

هيئات المجتمع المدني تعد حلقة الوصل بين المواطن والنظام، وقوتها في بلد ما هو المعيار المعتمد لمعرفة مدى التقدم الذي أحرزه في إرساء ديمقراطية سليمة

ولفت النسور إلى أن “الدولة الغبية وحدها من تصف مؤسسات المجتمع المدني بالطفيليات”، مستدركا بالقول إن “بعض الطفيليات تسيء وتضرب الفكرة الأصلية لعمل المجتمع المدني وهم خصوم لمؤسسات المجتمع المدني ولا نقبل التسامح معهم”.

وكانت الحكومة قد أصدرت مؤخرا قرارا بغلق عدد من الجمعيات المعروف عنها دعم المشرفين عليها للنظام السوري.

ويرى محللون، في الأردن كما في الوطن العربي بصفة عامة، أن العمل التطوعي قد تحول لدى البعض إلى نوع من المتاجرة وأن العديد من المنظمات غير الربحية قد انحرفت عن أهدافها لصالح أجندات لا تستهدف فقط الأنظمة بل الشعوب أيضا.

ولكن بالمقابل أكد هؤلاء على أن تعميم هذه المساوئ على كل هيئات المجتمع المدني أمر خطير، مشددين على أهمية تحقيق المعادلة الصعبة بين الرقابة وترك مساحة حرية لعمل المجتمع المدني وعدم تقييده بقوانين تحد من هامش تحركاته.

ويؤكد هؤلاء على نقطة أخرى وهي ضرورة المساواة في التعامل مع المؤسسات المدنية، فلا يجوز فرض رقابة على هيئات لانتقادها العمل الحكومي أو البرلماني في ما غض الطرف عن أخرى لقربها من مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق أعرب ناشطون أردنيون عن سخطهم لاستثناء المنظمات التي يشرف عليها أفراد من العائلة المالكة من القرار الأخير وهي التي تتلقى تمويلات أجنبية ضخمة.

4