المجتمع المدني في مصر يطرح حلولا لارتفاع أسعار الأدوية

رغم استحسان الكثيرين لمبادرة “صيدلية الشعب”، التي طرحها المجتمع المدني في مصر، إلا أن هناك صيادلة وخبراء يؤكدون أنها لن تحل أزمة الدواء لأن تركيب الأدوية داخل الصيدلية لا يمكن أن يكون بديلا عن الأدوية المستوردة، والتي تتطلب تكنولوجيا متقدمة جدا لتصنيعها، وهو ما لا يتوفر في مصر ولا في الدول العربية.
الخميس 2016/10/27
تركيب الدواء في الصيدليات يوفر 70 بالمئة من قيمة سعره

مبادرة “صيدلية الشعب” جاءت كمحاولة للخروج من أزمة الدواء وارتفاع أسعاره واختفاء أصناف كثيرة وضرورية من الأدوية، حيث يبحث المصريون حاليا عن حلول وأفكار للتغلب على هذه الأزمة وإنقاذ ما يمكن إنقــاذه.

وجاءت المبادرة كرد فعل على الظروف التي تمر بها سوق الدواء الآن في مصر، من زيادة غير مسبوقة للأسعار بسبب ارتفاع سعر الدولار وقرار الحكومة رفع سعر الأدوية التي كانت تقل عن 2 دولار أميركي، إضافة إلى ندرة الكثير من الأصناف، خصوصا المستوردة منها وعدم إيجاد بدائل للأدوية لنفس المادة الفعالة.

وتضمنت المبادرة، التي قدمها المركز المصري للحق في الدواء، الدعوة إلى عودة الطبيب الصيدلي لتصنيع التركيبات الدوائية بنفسه داخل الصيدلية.

وأكد محمود فؤاد، الحقوقي والمدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء لـ”العرب”، أن مصر تستورد أدوية ومواد فعالة تقدر بنحو 2.6 مليار دولار سنويا. ولفت إلى أن احتكار الشركات الأجنبية لسوق الدواء في مصر هو أحد أسباب أزمة الدواء وعدم توفره في السوق للمرضى.

وتعتبر مسألة توفير الدواء إشكالية كبيرة عانت منها مؤخرا شريحة واسعة من المصريين، حتى هؤلاء الذين يتمتعون بالتأمين الصحي من الدولة، وخاصة أدوية الأمراض الشائعة لدى الشعب المصري مثل القلب والضغط والسكري والكلى والكبد.

مركز "الحق في الدواء" دعا الصيادلة إلى تركيب الأدوية داخل معامل الصيدلية والتخلي جزئيا عن الأدوية المستوردة

وقال مصطفى عبدالعليم، (65 عاما) لـ”العرب”، إنه كان ينفق على الدواء شهريا ما يعادل الـ100 دولار أميركي، إلا أن هذا المبلغ ارتفع الآن إلى 120 دولارا، وإن البعض من الأدوية التي يتناولها مستوردة ومرتبطة بسعر الدولار، وهذا ما يرهق كاهله.

وأوضح المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، صاحب فكرة المبادرة، أن مشكلة الدواء المستورد لا تعاني منها مصر لوحدها بل هي تطال جميع البلدان العربية، حيث تصل نسبة الاعتماد على الأدوية من الخارج إلى 95 بالمئة.

وكشف أن المعاناة تمتد إلى عملية صناعة الدواء وليست هناك قوانين جيدة للتأمين الصحي، كما أن مصر غير قادرة على إنتاج “المادة الفعالة” للدواء، ومن ثم يتم استيرادها من الخارج، مما يزيد من تكلفة تصنيعها.

وتشير مصادر طبية، تحدثت لـ”العرب”، إلى أن الكثير من المرضى تعرضوا للعديد من المشكلات الصحية وصلت حد بتر الأطراف لدى البعض من مرضى السكري نتيجة النقص في الأدوية وارتفاع أسعارها وهناك من تعرضوا للوفاة، إلا أنها لم تعط إحصاء رسميا لعدد هؤلاء.

ويحاول مركز الحق في الدواء، كمنظمة من منظمات المجتمع المدني، وضع حلول اجتماعية خارج الصندوق.

وفي هذا السياق، قام المركز بطرح فكرة صيدلية الشعب ودعوة الصيادلة إلى تركيب الأدوية داخل معامل الصيدلية والتخلي، جزئيا، عن الأدوية المستوردة التي تحتاج إلى عملة صعبة.

وقال القائمون على المبادرة إن “التركيبات الدوائية” ستكون للأدوية التي لا تحتاج إلى تكنولوجيا تصنيعية عالية الجودة، مثل إنتاج المراهم والحقن، وقد استندوا في ذلك إلى تجربة دولة الهند في هذا الشأن، والتي تعطي تراخيص للصيدليات بتركيب الدواء. وأكدوا أن ذلك سيوفر نحو 70 بالمئة من قيمة سعر الدواء على المستهلك.

ويبلغ حجم استثمارات الهند في قطاع صناعة الدواء في الخارج نحو 72.7 مليار دولار وقد حققت نجاحا كبيرا في هذا الشأن، حيث أنها تفوقت على الولايات المتحدة الأميركية والصين في هذه الصناعة خلال العام 2015.

وأوضح فؤاد أن عدد الصيدليات في مصر يقدر بنحو 65 ألف صيدلية، وهناك عدد منها لا يزال يعمل في مجال تركيب الدواء، لافتا إلى أن عمليات التركيب هذه توفر فاتورة الاستهلاك العشوائي للدواء من قبل المصريين، وقد رحب جميع الصيادلة بهذه الفكرة وأثنوا عليها.

فكرة تركيب الدواء في الصيدليات لن تكون ناجحة بنسبة كبيرة لأن ذلك يستلزم وجود منطقة معقمة، خصوصا في صناعة الحقن، وهذا أمر مكلف للغاية

لا لتركيب الدواء

أشار رمسيس جرجس (صيدلي) لـ”العرب”، إلى أن فكرة تركيب الدواء في الصيدليات لن تكون ناجحة بنسبة كبيرة لأن ذلك يستلزم وجود منطقة معقمة، خصوصا في صناعة الحقن، وهذا أمر مكلف للغاية. ومع ذلك هناك أنواع من المراهم والأقراص يمكن تركيبها لكنها لن تكون بحجم إنتاج المصنع. ولفت جرجس إلى أن خريجي كليات الصيدلة يعملون غالبا في مجالات مرتبطة بصناعة الدواء ولا يعملون داخل صيادلة.

وفي حالة امتلاك أحدهم لصيدلية فإنه سيستعين بـ”عامل” لم يحصل على دراسة في علوم الصيدلة لبيع الأدوية بدلا منه، لأن الأمر بسيط للغاية من وجهة نظره ولن يحتاج العامل ليكون عالما بمكونات الدواء، فهو يبيع الدواء للمرضى بناء على “أكواد” موضوعة على جهاز الكمبيوتر ومدون عليها الصنف والسعر.

وأشارت ماهيتاب حمدي (صيدلانية) لـ”العرب”، إلى أنها تخرجت من كلية الصيدلة بإحدى الجامعات الخاصة وتعتمد في عملها على الربح فقط ولا تهتم بالتطبيق العملي بشكل كبير. وبالتالي فإن أغلب من تخرجوا من الجامعات الخاصة لم يكونوا بارعين في تركيب الدواء.

وقال علي عبدالله، رئيس مركز البحوث الدوائية، إن مبادرة “صيدلية الشعب” لا تفي بالغرض ولن تساهم في حل الأزمة، فهي غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. وأشار إلى أن تصنيع الأدوية الحيوية يحتاج إلى تكنولوجيا هائلة وأن دولا كبرى فشلت في تصنيعها كأدوية الأورام والقلب والإنسولين والمضادات الحيوية.

وأكد لـ”العرب” أن أحد المصانع المصرية، يبلغ حجم مبيعاته 60 مليار جنيه سنويا، فشل في تصنيع المحاليل الطبية، نظرا لما تحتاجه من تكنولوجيا عالية وتكلفة مادية كبيرة وأن الصيدليات التي تستطيع تركيب الأدوية وإنتاجها يمكنها فقط إنتاج أدوية للسعال أو لمعالجة حموضة المعدة أو نقط للأنف ولكنها لا تستطيع إنتاج قطرات للعين، على سبيل المثال، لأن صناعتها معقدة للغايــة.

وذكر خبير دراسات الأدوية أن نجاح الهند في إنتاج الأدوية يعود إلى قدرتها على تصنيع المادة الفعالة والتي تبيعها إلى كافة دول العالم. وحذر من أن الدول العربية في طريقها إلى فقدان السيادة على سوق الدواء، وأنه بحلول العام 2018 سيتراجع الاكتفاء المحلي الذاتي من الأدوية بنسبة كبيرة.

احتكار الشركات الأجنبية لسوق الدواء في مصر هو أحد أسباب أزمة الدواء وعدم توفره في السوق للمرضى

الاستهلاك 30 مليارا

تحتل إسرائيل في الترتيب التجاري العالمي لصناعة الدواء رقم 10 على مستوى العالم، في حين تأتي مصر في مرتبة متأخرة باحتلالها للمركز 133 بفارق 1.7 مليار دولار عن إسرائيل.

ووصل استهلاك مصر من الأدوية المستوردة في العام 2003 إلى نحو 7 مليارات جنيه (حوالي نصف مليار دولار) وفي العام 2013 بلغ 30 مليار جنيه مصري، ما يعني أن الاستيراد زاد بفارق 23 مليار جنيه مصري لصالح شركات الدواء الأجنبية ومرجح أن يتراجع نصيب الأدوية المحلية في السوق بنسبة 2.4 بالمئة بحلول العام 2018.

وطرح رئيس مركز البحوث الدوائية في مصر حلا آخر للخروج من هذه الأزمة هو أن مصر والدول العربية لديها كنز كبير لا تستغله في صناعة الدواء، ويمكن أن يزيد من اكتفائها الذاتي ويقلل من استيرادها للأدوية الأجنبية، ويتمثل في امتلاكها للأعشاب والنباتات الطبية التي يتم تصديرها للخارج ثم يتم استيرادها مرة أخرى في شكل أدوية يشتريها الزبون العربي بالعملة الصعبة.

وقال خبراء إن المبادرات ما هي إلا محاولة للقفز على أزمة أسعار الدواء، ولا يستطيع أحد أن ينكر كونها شيئا إيجابيا مثل مبادرة “صيدلية الشعب”.

وأوضح مصطفى الوكيل، وكيل نقابة الصيادلة، أن المواطن المصري البسيط يدفع ضريبة ارتفاع أسعار الدواء في الوقت الذي لا تلقي الجهات الرسمية بالا للأمر.

وأشار لـ”العرب” إلى أن النقابة طرحت أفكارا عدة من أهمها مشروع القانون الذي تقدم به الوكيل نفسه لمجلس النواب لمناقشته، عن تطبيق الاسم العلمي للدواء، والذي يقضي بنقص الدواء وارتفاع أسعاره واحتكاره.

وفسر ذلك قائلا “إن كل مادة فعالة تنتج بـ12 اسما تجاريا وتضع كل شركة عليه اسمها، ما يثير الحيرة لدى المواطن الذي يشتري الدواء بالاسم التجاري، دون أن يلتفت إلى أن هناك بدائل أخرى يمكن أن تكون أقل سعرا من النوع الذي سيشتريه، مما يجعله يعتقد بوجود نقص بالدواء في السوق”.

17