المجتمع المدني واجهة لتغيير تفاصيل الوطن

خبراء يرون أن الجمعيات في تونس باتت تحمل أهدافا "مريبة"، ويزداد نشاطها خاصة في المناسبات الاجتماعية كالأعياد تحضيرا لموسم الانتخابات.
السبت 2018/08/25
تحويل الولاء من الوطن إلى الحزب عبر الجمعية

كشفت عملية رصد حركة المال الأجنبي داخل المجتمع المدني، أنّ تونس تحوّلت، منذ سنة 2011، إلى مخبر لمختلف المشاريع، برعاية جهات أجنبية مختلفة من حكومات ومنظمات شبه حكومية أو مستقلة، ضخّت ملايين الدولارات لتنفيذ البرامج التي وقعت تزكيتها من قبل الجهات المانحة، مطيتها في ذلك ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني أو الجمعيات التي أصبحت بمثابة فقاقيع.

تونس - يأتي العمل الجمعياتي المدني محصّنا للشعوب وأهمّ إطار يدافع من خلاله المجتمع على مبادئ الثقافة وقيم المواطنة، كما أنّه يحصّن المجتمع من تغوّل السلطة ومن استفراد الأحزاب بالساحة، ويكون في أغلب الأحيان انعكاسا واضحا لتكريس مبدأ الديمقراطية والمشاركة في كل الأنشطة التي تهم المجتمع. ولئن كانت هذه أهم مميّزات العمل الجمعياتي وأبرز خصوصياته فإنّه أصبح مهددا بل تجاوز التهديد إلى الشك في أهداف العديد من الجمعيات والمنظمات.

ولكن ورغم وجود هذه الشكوك حول تشوه الأهداف الحقيقية للعمل الجمعياتي فإنه لا توجد دلائل ملموسة، ولا توجد رغبة حقيقية وإرادة فعلية لإماطة اللثام عن هذا الموضوع الخطير.

الأطفال أول المستهدفين

تروي هناء أن مسؤولين في جمعية روافد، لصاحبها القيادي في حركة النهضة حمادي الجبالي اتصلوا بها أكثر من مرة محاولين إقناعها بإلحاق ابنتها (13 عاما) بالجمعية.

وتزاول ابنة هناء دراستها في مدرسة خاصة بضاحية باردو في تونس العاصمة وهي تلميذة لامعة.

تؤكد هناء في تصريحات لـ”العرب” قائلة “لن ألحقها بأي جمعية، أريد لتفكيرها أن يبقى نظيفا أريد إبعادها عن كل أنوا ع الدمغجة والتحزب”.

و”جمعية روافد” تنشط في حي التضامن، الحي الشعبي الأكبر في تونس وأفريقيا. ويعد حي التضامن أكثر الأحياء فقرا حيث تتجاوز نسبة البطالة فيه أكثر من 60 بالمئة وهو معروف بتفاعله مع ما يحدث في باقي أنحاء البلاد من حراك اجتماعي وكان له دور محوري في نقل “وهج الثورة” التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.

من جانبها تتذكر سليمة وهي تعمل صحافية الآن كيف وجدت نفسها في حلقة سياسية مغلقة في مكتب مديرة المبيت الجامعي يصرخ في وجهها أستاذ علوم سياسية “كيف ستصبحون كوادر في الحزب وأنتم لا تعرفون حتى تاريخه”.

تقول إنها خدعت فقد كانت تروق لمديرة المكتب وتعاملها معاملة حسنة، حتى طلبت منها المديرة يوما الحضور في الساعة السابعة مساء إلى مكتبها لتجد نفسها صحبة 7 طالبات أو يزيد عددهن قليلا، اثتنان أو ثلاث منهن معروفات بانتمائهن إلحزبي، وذلك لدراسة تاريخ الحزب ونضالات مؤسسيه تحضيرا للانخراط فيه.

لا تختلف أهداف الحلقة السياسية الحزبية المغلقة لهذه الحركة عن أهداف جمعية “روافد”، فإن كانت الأولى تستهدف الطلبة ممن لمع بريقهم مباشرة كي يكونوا واجهة للحزب في الجامعات ومن ثمة يتقلدون مناصب سياسية، فإن الثانية تسعى للأمر بطرق غير مباشرة هدفها زرع الولاء لحزب حركة النهضة في فكر الناشئة، فيكون من الصعب جدا تغيير عقليات الأطفال حين يكبرون أليس “التعلم في الصغر كالنقش على الحجر”.

من هنا باتت الجمعيات في تونس تحمل أهدافا “مريبة” ويزداد نشاطها خاصة في المناسبات الاجتماعية كالأعياد تحضيرا لموسم الانتخابات.

قوانين حبر على ورق

واقعيا، لم يستفد  من عمل الجمعيات الفقراء بقدر ما استفادت جهات سياسية معروفة للجميع
واقعيا، لم يستفد  من عمل الجمعيات الفقراء بقدر ما استفادت جهات سياسية معروفة للجميع

يبلغ عدد الجمعيات في تونس 20891 جمعية إلى غاية يوم 4 نوفمبر 2017، حسب الموقع الإلكتروني لمركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات (إفادة).

وتتعدّد النصوص القانونية المتعلقة بتمويل الجمعيات، وأوّلها المرسوم عدد 88 المنظم للجمعيات المؤرخ في 24 سبتمبر 2011، ثم المرسوم المتعلق بنشاط مؤسسات التمويل الصغير والقانون المتعلق بنظام المحاسبة للمؤسسات والقانون المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع تبييض الأموال والأمر المتعلق بضبط معايير وإجراءات وشروط إسناد التمويل العمومي للجمعيات والأمر المتعلق بضبط طرق مراقبة الجمعيات ذات الصبغة الاجتماعية والمتمتعة بمنح الدولة والجماعات العمومية والقوانين الأساسية المتعلقة بالميزانية المالية السنوية، ومنشور محافظ البنك المركزي المؤرخ في 7 نوفمبر 2013 المتعلق بمؤسسات القروض.

ورغم هذه الحزمة القانونية عبّر مسؤولون حكوميون، في مناسبات متعدّدة، عن معاينتهم لتعطّل إدارة الشفافية المالية للجمعيات.

وكان نبيل عجرود المدير العام السابق لمركز “إفادة” قد صرّح في ديسمبر 2015 بأنّ أكثر من 8 آلاف جمعية لها معرف جبائي حسب إحصائيات وزارة المالية، في حين أن بقية الجمعيات ليس لها ملفات مالية جبائية، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الصباح الأسبوعي” التونسية.

وأكّد كمال الجندوبي الوزير السابق المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني أنّ الدولة تجهل حجم الموارد التي تنتفع بها آلاف الجمعيات ومصادرها، وحذّر من خطورة الجمعيات ذات التمويل المشبوه.

خير أريد به سياسة

لقد شهدت “صناعة” الجمعيات ارتفاعا صاروخيا في تونس، ولا سيما الجمعيات ذات الصبغة الخيرية التي كان تكوينها شبه مستحيل قبل 2011. وتقدر نسبتها من المجموع العام للجمعيات
بـ20 بالمئة.

ورغم كثافتها، فإن الواقع يؤكد أن أغلب هذه الجمعيات لا ينحصر عملها في النشاطات الخيرية وإنما تداخلت انتماءات المنخرطين فيها بأهداف جمعياتهم وأجندات أحزابهم بما طرح جدالا واسعا حولها وتساؤلات حول نشاطاتها وبلغت تمويلات هذه الجمعيات مئات الملايين من الدنانير.

من جانب آخر، فإن هذه الجمعيات تركز عملها على التحرك في المناسبات الاحتجاجية وإبداء المواقف السياسية وإنشاء المدارس القرآنية وتمويلها، وتركز عملها على تنظيم الزيجات الجماعية التي تدر على خزائن هذه الجمعيات أموالا طائلة.

ويساهم عدد كبير من هذه الجمعيات في التأثير على الوعي الاجتماعي ومحاولة التأثير في ثقافة التونسيين من خلال التبشير بمشروع مجتمعي بعينه والتأكيد على ذلك حتى خلال عملها الخيري عند إيصال الإعانات إلى المحتاجين.

وأصبحت هذه الجمعيات مصدرا لتمعش الناشطين صلبها، ومصدرا لاستثراء مشبوه للناشطين بها حسبما يذهب إلى ذلك متابعون.

وتتوزع هذه الجمعيات على مختلف الجهات، وتتمركز مئات منها في جهات فقيرة لتشمل تقريبا 90 بالمئة من المعتمديات في 24 محافظة غير أن أثرها لم يبرز إلى اليوم. 

ولم يستفد واقعيا من عمل هذه الجمعيات الفقراء بقدر ما استفادت جهات سياسية من نشاطاتها. ويعتبر المتابعون أن النشاطات المشبوهة لهذه الجمعيات والأموال الطائلة التي تصلها والتي لا يعرف مصدرها ولا طريق توزيعها ومصيرها، تتحمل السلطة الجزء الأكبر من مسؤوليتها.

وقد طفا تمويل الجمعيات الخيرية على الساحة وسط تواتر معلومات عن تمويلات مشبوهة لعدد من الجمعيات لها ارتباط بأطراف سياسية ذات توجه إسلامي منها بالخصوص حركة النهضة.

وكانت ثلاث جمعيات على وجه التحديد قد وجهت إليها إبان حكم الترويكا اتهامات بتلقي تمويلات من مؤسسة قطر الخيرية (Qatar Charity). وتحدثت تقارير إعلامية عن أن العمل الخيري لهذه الجمعيات ليس إلا واجهة لعمل ذي طبيعة سياسية يفتح المجال للتدخل في الشؤون التونسية.ووفقا لهذه المعلومات فإن مجمل التمويلات التي تحصلت عليها الجمعيات الثلاث بلغ 7.2 مليون يورو.

يذكر أن الجمعيّات التي وجهت إليها الاتهامات نفت التقارير الإعلامية تفنيدها أو بالتّقليل من شأنها.

لقد تعلقت زاوية الاهتمام بالمال الأجنبي المتداول في “سوق” الجمعيات التونسية، بالمنظمات الخيرية، دون الالتفات إلى الأجندات السياسية والحزبية الانتخابية في الشبكات وجمعيات المواطنة والتثقيف وغيرها. ويفسّر ذلك بأنّ الجرائم التي قد ترتكب باستخدام المال “الخيري” المغسول، اندرجت ضمن قضايا الإرهاب التي تمسّ بالأمن القومي، وهو ما سلّط عليها
الضوء. وقد صرّح علي عميرة المدير العام للجمعيات برئاسة الحكومة ليومية “الشروق” التونسية أنّ 198 جمعية اشتبه في تورّطها في الإرهاب وتبييض الأموال وأحيلت ملفاتها إلى القضاء. ولم تعلق شبهة الإرهاب ببعض الجمعيات الخيرية، إلاّ من خلال حملات إعلامية موظفة حزبيا وأيديولوجيا.

إمدادات للإرهابيين

تحت غطاء تقديم المساعدات للفقراء تخفي جمعيات وراءها إما نشاطا تعبويا وتجنيديا  أو لوجستيا
تحت غطاء تقديم المساعدات للفقراء تخفي جمعيات وراءها إما نشاطا تعبويا وتجنيديا أو لوجستيا

أكد العميد السابق بالجيش الوطني مختار بن نصر أن الجمعيات الخيرية ذات الهدف السامي في ظاهرها هي التي تقدم الإمدادات للإرهاب وهي المصادر الرئيسية لتمويله. وأضاف أن الاتجار في الممنوعات على غرار المخدرات والأسلحة هو الذي يمول الجماعات الإرهابية التي تتقاطع مصالحها مع شبكات تهريب هذه المواد.

وتحت غطاء تقديم المساعدات للفقراء والمساكين تخفي الجمعيات وراءها في غالبية الأحيان إما نشاطا تعبويا وتجنيديا أو لوجستيا لجماعة ما أو حزب ما وقد أثبتت التقارير أن عددا كبيرا من تلك الجمعيات مسؤولة على تهجير الآلاف من الشباب التونسيين نحو جبهات القتال بسوريا والعراق بعد تجنيدهم.

كما أن الجمعيات الحقوقية تستعمل أنشطتها لأغراض مشبوهة طمعا في تمويل من هياكل ومنظمات ودول خارجية تريد تنفيذ أجنداتها على حساب السيادة الوطنية أو خدمة لأحزاب سياسية هيمنت مؤخرا على السلطة في البلاد، فتتغير مفاهيم حقوق الإنسان مع تغير المصالح الشخصية المادية أو المعنوية أو السياسية لدى الناشطين صلب هذه الجمعيات.

فمثلا يمكن حسب قدرات هؤلاء النشطاء التلاعب بالمفاهيم وتأويل النصوص القانونية ما جعل من “الإرهابي إنسانا مسكينا بريئا” والعكس بالعكس حسبما يريدون تمريره للرأي العام وفق ما أملي عليهم من الأطراف المتحكمة فيهم وراء الكواليس.

وقد وصل الأمر إلى محاولة التأثير على الرأي العام في العديد من المناسبات وجعله يتعاطف مع المتورطين في عمليات إرهابية أودت بأمنيين وجنود تحت مظلة الدفاع عن حقوق الإنسان.

اعتبر الأستاذ الجامعي رضا سعادة أن أغلب الجمعيات الخيرية الموجودة اليوم ما هي إلا واجهة لأهداف سياسية وأن العمل الخيري إذا قامت به أحزاب فالمردود السياسي يكون انتخابيا، وأن تونس اليوم سوق لأموال كثيرة من دول أجنبية للتأثير على موازين القوى في البلاد، أموال من دول أوروبية لخدمة المجتمع المدني وأخرى من دول خليجية تستهدف التأثير على الخارطة الاجتماعية.

وأضاف أن هناك جمعيات خيرية تتخفى وراء الإعانات لتجنيد الشباب قائلا “هم سماسرة ينشطون في نطاق لوبيات خبيثة وقوية بحجم القاعدة الشعبية التي هم بصدد تكوينها كاستراتيجية للسيطرة على مفاصل المجتمع”.

20