المجتمع المدني والبلاد الناهضة

الخميس 2014/07/10

كثر الحديث بعد الهزّات التي عرفها، ويعرفها، عالمنا العربيّ المشتّت، عن المجتمع المدني، دون أن يتكرّم العارفون بتعريف هذا الوليد الجديد القديم، ووصف ملامحه وخصاله، حتّى يتسنّى لجميع المواطنين، من عرف منهم ومن لم يعرف، التّعامل معه بما يستحقّه، وجوبا أو تطوّعا، فتأتي الفائدة ويُتَجنّب الخطأ.

أمام انعدام قول المختصّين، فغياب الإنارة والتّوضيح، سأسمح لنفسي، تطفّلا، بملء بعض الفراغ، راجيا العفو وسعة الصّدر من القرّاء الأفاضل وذوي الشّأن الغائبين، أمام أيّ خطأ أو تقصير، يصدر عن هذه اليراع غير المختصّة، لكنّها تعرف مقتنعة أنّ عدم الوضوح ودقّة المعرفة، يأتي غالبا بالبلبلة، والفوضى، وقد يأتي بانفلات زمام الأمور بما فيها الأمن.

إنّ ما يعرف اليوم بالمجتمع المدني، يعني، كمفهوم اجتماعي، مختلفَ الأشخاص كمواطنين، يتصرّفون بصفة جماعيّة في غالب الأحيان، لاتخاذ قرارات داخل المجال العمومي، تخصّ كلّ فرد لا يشمله الإطار الحكومي. لزيادة الوضوح والتّبيان نقول، يمكن اعتبار المجتمع المدني بأنّه الفضاء الحياتي الاجتماعي المنظم، النّاشئ تطوّعا، مستقلا، غير تابع للدّولة، يحدّده نظام شرعيّ أو جملة قواعد مشتركة، وهو يضمّ مواطنين يعملون جماعيّا في مجال عموميّ، للتعبير عن مصالحهم، ومشاعرهم، وآرائهم، وتبادل المعلومات لبلوغ أهداف عموميّة.

هذا المجتمع المدني كان غائبا أو مغيّبا في بلداننا، لأنّه لا يتعايش مع الظلم والسلطويّة، أو بالأحرى القول، إنّ النظم الدكتاتوريّة لا تترك له المجال للتعبير عن نفسه وإثبات وجوده. لذلك نجد أنّ الفيلسوف والعالم الاجتماعي الألماني يورغن هابرماس يقول “إنّ وجود مجتمع مدني مختلف عن المجتمع السّياسيّ هو من أوائل شروط الدّيمقراطيّة، إذ دونه لا وجود للدّولة الشّرعيّة”. وهو يرى أنّ “المجتمع المدني له وجهان أو مكوِّنان أساسيّان: أوّلهما، جملة المؤسّسات التي تعرّف وتحمي الحقوق الفرديّة والسياسية والاجتماعية للمواطنين، فتمنحهم حرية المساهمة والإنتساب، وإمكانية الدّفاع عن أنفسهم، تجاه التصرف الاستراتيجي من جانب السلطة والسوق، وإمكانية التدخل المواطني في عملية النظام نفسها. ثانيهما، نجد مجموعة الحركات الاجتماعية، التي تطرح باستمرار مبادئ ومعايير جديدة، ومطالبات اجتماعية جديدة، وأيضا مراقبة التطبيق الفعلي للحقوق الممنوحة”.

هكذا نجد أنّ المجتمع المدني يحتوي على عنصر تأسيسي معرف أساسا بتركيبة حقوق الأوضاع المزدهرة المعاصرة، وعنصر عامل مُحوِّل، مكوّن من الحركات الاجتماعيّة الجديدة. لعلّ أوضح وأعقل تعريف هو الذي جاء به المفكر السّياسي الفرنسي أليكسيس دي توكفيل الذي يرى أن المجتمع المدني «هو مجموعة المنظمات والمؤسسات المدنية التطوعية الاجتماعية التي تعمل كواسطة بين الأفراد والدولة».

أليس المجتمع المدني هذا، هو ما دأبت البلاغات الرسمية، متبوعة بالأقلام الإعلامية وغيرها، تسميته برجل الشارع- وما أشنعها من تسمية- أو الجماهير الشعبية، بينما هو بكل بساطة، الشعب بكلّ مكوناته غير الرسمية ولا التابعة للسلطة والحكم، إذا عمل وتحرك ونشط داخل إطار منظم مقنن، بعيدا عن المذهبية والحزبية، كما يعرفه الأخصائي المكسيكي أنريكو بريياتو فيلاثكث الذي يرى أن «المجتمع المدني هو مجموعة المواطنين المنظمين للعمل في المجال العمومي، بحثا عن المصلحة العامة، بلا مقابل ولا من أجل الفائدة والربح، ولا لبلوغ سلطة سياسيّة أو الانتسـاب إلى حزب معين».

أين نحن وأين بلداننا من كل هذا، بعد الانتفاضات التي أطاحت بأصنام الظلم والعبوديّة؟ لقد انبثقت في كلّ قطر، منذ الأيام الأولى، أعداد مهولة من الجمعيات والمؤسسات المحسوبة ضمن مفهوم المجتمع المدني. هل توفرت في كلّ هذه الجمعيات الشروط السابقة؟ ثم ما هو أهم وأخطر، وجدير بأن يُعرف فيعلن، هو التمويل. من يا ترى يُموّل هذه الجمعيّات التي برزت بما يشبه العصا السحرية؟ نسأل عن التمويل، لأن القاعدة السائدة، وهي منطقية، تقول: من يمول يراقب. فنضيف نحن من جانبنا: من يراقب يفرض لأنّ المجانيّة في هذه الأمور عُملة غير متداولة، ولا أحد يعمل إلا بحثا عن مصالح وفوائد، خاصة إذا كان الممول دولة خارجية، وهذا وارد ومؤكد في تونس وليبيا ومصر، وهو بكل بساطة تدخل في الشؤون الداخلية للبلد المقصود، عن طريق أبنائه، ويا للأسف، أبناء ضلوا نتيجة إيمان بعقيدة أو مذهب أو حركة- فتصبح بهذا جمعيّتهم فاقدة الشرعية- أو نتيجة غرة وخداع وكبير ثقة في الغير. أيّا كانت الأصول والدوافع والوسائل، فالأمر يحتاج إلى نظرة في القوانين والتشريعات من طرف السلطة المسؤولة عن مثل هذه النشاطات، ويحتاج أكثر إلى تبصّر وتحر وحيطة من المواطنين، قبل الانتساب إلى هذه الجمعية أو تلك، ومسايرتها في ما تقدم عليه.

ليس كل لماع ذهبا ولا كل أسود فحما! فالغث والسمين في كل عمل بشري، ويكفي الرجوع إلى أشهر خلت، لنرى أن بعض هذه الجمعيات والمؤسسات، قامت في تونس ومصر، وبشكل محتشم في ليبيا حيث تم أول أمس اغتيال إحدى الناشطات، بأدوار تذكر فتحمد.

وقفت بكل صراحة وصمود، في وجه محاولات الانحراف، والخروج عن السراط السوي الذي هدفت إلى السير فيه كلّ الانتفاضات، فاستطاعت برجالها، وخاصّة بنسائها، تعديل وجهة المركب، ولو إلى حين.

لكن إن صلحت بعض هذه الجمعيات، فأخرى غير صالحة ويبقى خطر ضرها وإساءتها قائما مهددا فلا مناص من مراجعة التشريعات، ومواصلة الحذر، لأن الوطني غِر، وكما قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من حذّرك كمن بشّرك، ومن تجرأ لك تجرأ عليك.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9