المجتمع المصري يرفع غطاء التبرير عن المغتصبين

النائب العام المصري يقر سابقة تاريخية بحفظ قضية قتل فتاة لمغتصبها دون محاكمة.
السبت 2019/11/16
من أجل حقوقك

ثمة تغيرات جذرية أصبحت واضحة في تعاطي المجتمع مع وقائع الاغتصاب، وبعد أن كان اللوم والعتاب يوجه بالأساس إلى الضحية، سواء كانت فتاة أو سيدة متزوجة، أضحت نبرة الغضب المجتمعي المتصاعد لحماية حقوق المغتصبات علامة بارزة على التطور الملحوظ في تعامل الناس مع هذه الوقائع.

القاهرة - استقبلت الأوساط الاجتماعية في مصر قرار النائب العام المستشار حمادة الصاوي الاثنين، بتبرئة فتاة دون محاكمتها، بعدما قتلت شابا حاول اغتصابها بتأييد كبير، إذ تمثل هذه الخطوة نقطة تحول غير مسبوقة في تعامل المؤسسات القضائية مع قضايا الاغتصاب.

قالت فاطمة عيد، وهي أم لأربع فتيات، “إن المجتمع اعتاد التعامل مع ضحية التحرش أو الاغتصاب باعتبارها المتهمة الأساسية في القضية، وليست المجني عليها، بذريعة أنها كانت ترتدي ملابس مثيرة، أو لأنها تسير وحدها في منطقة نائية أو مشبوهة، وهو ما كان يثير امتعاضها وهي تتابع تعاطي الناس مع كل واقعة، وكثيرا ما شعرت أنها تعيش في مجتمع يستبيح انتهاك أجساد النساء”.

فسرت فاطمة لـ”العرب”، حجم التعاطف المجتمعي المفاجئ مع الفتاة التي أنصفها النائب العام، بأن الناس أدركوا أن تكرار التحامل على الفتاة التي تتعرض للتحرش أو الاغتصاب لن يجني سوى المزيد من البلطجة واستباحة الأعراض، ولا بديل أمام المجتمع سوى تصعيد الغضب ضد الذئاب البشرية التي اعتادت ممارسة هذه الأفعال بغطاء مجتمعي يبرر جرائمهم.

فتاة العياط

لم يكتف النائب العام بتبرئة أميرة عبدالله رزق، المعروفة إعلاميا بـ”فتاة العياط”، وتقع مدينة العياط جنوب محافظة الجيزة المتاخمة للقاهرة، بل إنه قرر حفظ القضية برمتها، وكأنها لم تكن، بعدما أكد أنه “لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية أساسا ضد الفتاة، لوجودها في حالة دفاع شرعي عن شرفها وعرضها واضطرت إلى قتل السائق بعدما حاول اغتصابها”.

وظلت قضية “فتاة العياط” حديث المجتمع طوال الأشهر الثلاثة الماضية، وكان هناك انقسام بين التعاطف معها واعتبارها “بطلة دافعت عن شرفها” وبين التشكيك في روايتها، وقال البعض إنها عندما اختلفت مع الشاب على بعض التفاصيل أقدمت على قتله، فقد ذهبت معه إلى منطقة بعيدة بإرادتها، والحقيقة أنها كانت تستقل سيارة عمومية (ميكروباص) لتوصيلها إلى منزلها.

وقتلت الفتاة، السائق بـ12 طعنة، بعدما استخدم سكينا لتهديدها حتى تنزع ملابسها، وخدعته بالموافقة على طلبه حتى ألقى السكين على الأرض اعتقادا أنها ارتضت بإقامة علاقة جنسية معه، لكنها أمسكت بالسكين وانهالت عليه حتى فارق الحياة، وذهبت إلى قسم الشرطة لتسليم نفسها والاعتراف بقتله.

شكك البعض في رواية الفتاة، استنادا إلى أن أسرة الجاني لجأت إلى مجموعة من المحامين المشهورين للتلاعب بالقضية وإظهار الضحية على أنها كاذبة، وهو إجراء اعتاد عليه المجتمع. ويتسبب المدافعون عن الجناة المغتصبين والمتحرشين أمام المحاكم في تغيير مجرى القضايا، ويستفيدون من بعض الثغرات القانونية، لكن في هذه الحادثة كان التعاطف المجتمعي أقوى من كل هؤلاء.

وتمثل الثغرات التي يستغلها المحامون للدفاع عن الجناة، أبرز الأسباب التي تحول دون الحكم عليهم بعقوبات رادعة، فمن النادر أن يصدر حكم على أكثر من شخص بالإعدام في قضية اغتصاب، بذريعة أن المتهمين متعددون، ويصعب تمييز المغتصب عن الذي ساعده في ذلك.

نجح التعاطف المجتمعي مع ضحية اغتصاب في تبرئة الفتاة قبل محاكمتها حتى لو كانت متهمة بقتل الجاني، حيث كان رؤساء دوائر النيابة والمحاكم ينظرون إلى مثل هذه القضايا في جلسات كثيرة، مع حبس الضحية لشهور إلى حين الحكم بالبراءة أو السجن المخفف.

التعاطف مع ضحية التحرش والاغتصاب كفيل بتغيير الأجهزة الأمنية من نهج التعامل مع مثل هذه القضايا

وتمكن المجتمع من أن يرسخ قاعدة قانونية تاريخية ويدفع النائب العام إلى غلق قضية الاغتصاب، إذا ثبت أن الضحية قتلت المعتدي عليها دفاعا عن شرفها، وعدم محاكمتها من الأساس، واعتبار القضية وكأنها لم تكن، لتوصيل رسالة ردع وترهيب للذئاب البشرية التي اعتادت انتهاك أجساد النساء والفتيات.

قال عماد سيد أحمد، وهو رب أسرة وباحث قانوني بإحدى الجهات القضائية، “تحرك المجتمع لدعم المغتصبة أو التي قتلت مغتصبها، يعكس اكتواء الناس من تكرار الدفاع عن المجرمين الذين ينتهكون الأعراض، وتصوير الفتاة على أنها الضحية، وبالتالي وجد المجتمع نفسه هو سبب انتشار هذه الجرائم، فعليه أن يطهر نفسه بنفسه من جرائمهم”.

وأضاف لـ”العرب”، أنه لا يمكن إغفال دور التعاطف المجتمعي مع ضحية الاغتصاب، في أن يصدر النائب العام هذا القرار التاريخي، لأنه وجد أن الأهالي أنفسهم أصبحوا يدعمون فكرة الانتقام من المعتدي على النساء، وهو تغير جذري لا بدّ من الوقوف أمامه، فبعد سنوات طويلة من ضياع حقوق المغتصبات والمعرضات للتحرش بسبب تقييم المجتمع لسلوكيات النساء وفق ملابسهن أو مظهرهن، أصبحت هناك ثقافة جديدة قائمة على الدفاع عن كل أنثى ضد المعتدي عليها، حتى لو كان الشك يحيط بسلوكها، لأنها أجبرت على فعل ترفضه.

واعتادت بعض الفئات المجتمعية التفتيش في الجذور والنشأة الأسرية لضحية التحرش والاغتصاب ومظهرها ومدى تحررها، لإبداء التعاطف معها من عدمه، وهو ما رسخ لدى بعض المعتدين قناعة بأن ارتكابهم للجريمة، أو على الأقل التفكير فيها، لن يواجه بردة فعل اجتماعية غاضبة على تصرفاتهم.

لكن ما يعطي ميزة إضافية لتبرئة ضحية الاغتصاب وتجنيبها العقوبة في حال الدفاع عن النفس وما ينتج من ضرر للمعتدي، أنها لن تكون موصومة مجتمعيا، كما أن إغلاق القضية من جانب النيابة قبل وصولها إلى المحاكم، يغلق كل منافذ التشكيك في سلوك الضحية، ما يخرس الأفواه التي قد تتحدث عن أخلاقياتها، وبذلك تحميها سرعة تبرئتها من تربص ونظرات البعض إليها طوال فترة محاكمتها.

ومنذ إسدال الستار على قضية “فتاة العياط”، تبنّى الكثير من رواد منصات التواصل الاجتماعي، فكرة انتقام الأنثى من الذي يحاول الاعتداء عليها جنسيا، ولا تستسلم لقواه أو محاولات الإجهاز عليها، لأنها سوف تكون بطلة في نظر الأسرة والمجتمع والقضاء.

وأكد محمد عبدالحافظ، محام متخصص في قضايا الشؤون الأسرية والإجراءات الجنائية، أن قرار النيابة بحفظ قضية الاغتصاب دون أن تكون

هناك محاكمة للضحية على قتلها للشخص المعتدي، يحمل رسالة غير مباشرة بأن الفتاة لا بد أن تُكافأ على دفاعها عن شرفها، ولو بالانتقام، ولا يمكن أن تتعرض للقهر والإهانة في المحاكم حتى لو كانت ستحصل في النهاية على البراءة، لأن المجتمع نفسه كافأها قبل القضاء بالدعم المطلق لها.

وأوضح لـ”العرب”، أن القرار لا يعني تشجيع المجتمع على قتل المعتدين جنسيا، لكن النيابة العامة في أيّ بلد يُفترض أنها محامي المظلومين والمقهورين من عموم الشعب وواجبها الحفاظ على كامل حقوقهم “إذا تمسكوا بها وبحثوا عنها”، وهو ما تحقق من التعاطف المجتمعي مع الضحية، ووجدت النيابة أن محاكمة الفتاة، أو خروجها بكفالة مالية، يحمل ظلما لها، لأنها عرضت نفسها للخطر من أجل حماية جسدها.

عرف جديد

قفز على العراقيل المجتمعية
قفز على العراقيل المجتمعية

نجحت تصرفات المجتمع في إيجاد عرف جديد في تعامل القضاء مع جرائم الاغتصاب، حيث سيتم التعاطي مع القضايا المماثلة بذات الطريقة مستقبلا (تبرئة الضحية القاتلة)، ما يضاعف من جرأة الفتيات على مواجهة المعتدين والمتربصين بأجسادهن، مع يقين بأن لهن ظهيرا قضائيا يستدعي أن يستمر معه الدعم الاجتماعي الذي يمكن أن يقضي على التحرش والاغتصاب في المجتمع.

وما يبرهن على أن التعاطف مع ضحية التحرش والاغتصاب كفيل بأن تغير الأجهزة الأمنية والجهات القضائية من نهج التعامل مع مثل هذه القضايا، أنه قبل أيام تعرضت فتاة في العقد الثالث من عمرها إلى التحرش الجنسي في منطقة بوسط القاهرة، وعندما واجهت المتحرش بالسباب دفاعا عن نفسها، اعتدى عليها بالركل بالقدمين والضرب باليدين، ثم فرّ هاربا. وبعد أن لجأت الفتاة إلى حسابها على فيسبوك لنشر تفاصيل الواقعة، تفاعل الآلاف من الجمهور مع حالتها، وفوجئت بأن ضباط قسم شرطة قصر النيل بوسط القاهرة، قاموا من تلقاء أنفسهم بتحرير محضر تحرش جنسي ضد الشاب، ونزلوا إلى المحال التجارية الموجودة في المنطقة التي شهدت الواقعة لتفريغ كاميرات المراقبة، لاستخدامها كدليل على صحة الواقعة، وأحال الضباط المحضر إلى النيابة العامة.

لقد تحقق ذلك بفعل التعاطي الاجتماعي اللافت مع واقعة التحرش بالفتاة التي لم تكن تعلم بالخطوة التي أقدمت عليها أجهزة الشرطة، إلى درجة أن النيابة العامة بدأت التحقيق مع الشاب بعد القبض عليه دون علم الفتاة، وقررت حبسه أربعة أيام بتهمة التحرش والاعتداء الجسدي، ثم جرى استدعاء الفتاة لسماع أقوالها، ما دفع الكثيرين إلى الكتابة على صفحاتهم عبر منصات التواصل أنهم ما زالوا لا يصدقون موقف الشرطة والنيابة.

الأكثر من ذلك، أن فتاة في واقعة التحرش بوسط القاهرة، اعتادت ارتداء ملابس يُفترض أن المجتمع المصري المحافظ يصنفها على أنها متحررة وسلوكها غير لائق، لكن الآلاف من التعليقات والمشاركات دعمت موقفها، وقد تابعتها “العرب” عن قُرب فلاحظت أن أصحابها لم يعلّقوا على الملابس أو المظهر، مثلما كان يحدث من قبل. وتؤكد هذه الواقعة وجود بوادر تغير اجتماعي في الثقافة والفكر عند التعاطي مع قضايا التحرش والاغتصاب، باعتبار أن الابتعاد عن القضية الأساسية، والتحدث في موضوعات جانبية ترتبط بمظهر الفتاة، من أسباب الانتكاسة التي يعيشها المجتمع بزيادة معدلات هذه النوعية من الجرائم.

صحيح أن الاغتصاب في مصر لم يرق بعد إلى حدّ اعتباره ظاهرة اجتماعية، لكن يظل أحد أسباب انتشاره أنه لم يكن هناك ردع قضائي، وتندر الأحكام القاسية على المعتدين، حتى يكونوا عبرة لمن تسول لهم أنفسهم التفكير في الإقدام على ارتكاب هذه الجرائم.

وفي بعض الأحيان، كانت تُتهم أجهزة الشرطة بأنها تتراخى في الوصول إلى المتحرش إذا لجأت الفتاة إلى تحرير محضر ضد المعتدي عليها، لكن مع اهتمام المجتمع نفسه بحتمية العقاب الحاسم لهذه الفئة، وإظهار الدعم النفسي والمعنوي للضحية، بغض النظر عن مظهرها أو ظروف الواقعة، غيّر النهج الأمني ذاته في التعامل مع قضايا التحرش والاغتصاب.

ويرى متابعون أن استمرار الغضب الاجتماعي ضد وقائع الاعتداءات الجنسية بالقول أو الفعل، يساهم إلى حد كبير في أن تغير جهات التحقيق الشرطية والنيابية نظرتها إلى قضايا التحرش والاغتصاب، بحيث يتم التعامل معها بحس إنساني أكثر منه جنائي، ويكفي أنه حتى وقت قريب كان يمكن أن يتم التغاضي عن معاقبة المغتصب إذا تزوج من الضحية، وهو التوجه الذي ظل يواجه برفض مجتمعي غير محدود حتى اضطرت وزارة العدل إلى تقديم مقترح إلى مجلس النواب لإلغاء هذا النص، وقد تحقق.

عقوبة اجتماعية

خطوات إيجابية نحو التغيير
خطوات إيجابية نحو التغيير

قالت هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن تحرك الشرطة والقضاء للحفاظ على حقوق ضحايا التحرش والاغتصاب لا بد أن يقابل بعقوبة اجتماعية قاسية يتم توقيعها على المعتدين. ويكون هناك تجريم مجتمعي يوازي التجريم القانوني، ويتم التعامل مع المتهم بالتحرش والاغتصاب بنوع من التحقير والقطيعة والعزلة، بحيث لو أنهى فترة العقوبة القانونية يصطدم بالعقوبة الاجتماعية، ويفكر كل شخص ألف مرة قبل أن يقدم على ارتكاب الجريمة خوفا من عقاب المجتمع.

وأشارت لـ”العرب”، إلى أن المواجهة الاجتماعية مع المتحرشين والمغتصبين لن يُكتب لها النجاح الكامل، من دون إحداث ثورة شاملة في النصوص القانونية التي تتحدث عن عقوبة الاعتداء الجنسي على الأنثى، بحيث يتم غلق الثغرات التي يستغلها المحامون لتخفيف العقوبة، أو تبرئة المعتدين.

حدث أن أصدرت محكمة جنايات كفر الشيخ، بشمال القاهرة، حكما على عامل بوزارة الأوقاف هتك عرض طفلة داخل مسجد، بالسجن سنة واحدة، ما أحدث صدمة اجتماعية، باعتبار أن فترة العقوبة لا ترقى إلى حجم الجريمة التي ارتكبها المعتدي، بعدما نجح محامي المتهم في استخدام الثغرات القانونية لتخفيف العقوبة.

أضافت أستاذة علم الاجتماع، أنه بالتوازي مع العقوبتين الاجتماعية والقانونية، يتحتم على كل أسرة أن تقوم بتثقيف فتياتها وتعريفهن بوسيلة الدفاع المثالية عن أنفسهن إذا تعرضن لخطر التحرش أو الاغتصاب وألّا يتنازلن عن حقوقهن بذريعة الخوف من النظرة الاجتماعية وإمكانية إلحاق العار بالضحية، لأن الصمت الأسري على انتهاك أجساد النساء يؤدي إلى المزيد من الجرائم، في حين أن استمرار الغضب والتعاطف مع ضحايا التحرش والاغتصاب كفيل بتطهير المجتمع من الذئاب البشرية.

20