المجتمع يظلم الشباب ولا سبيل للنجاح إلا بالتحدي

مسرحية "حلم سعيد" تسخر من مطربي المهرجانات ومضامين أعمالهم.
الثلاثاء 2020/08/18
سخرية من الدخلاء المغرورين

تتصدى مسرحية “حلم سعيد” بقوة لرواج مغني المهرجانات، وحالة النرجسية العنيفة التي تعتري بعضهم في وسائل الإعلام بالحديث عن تاريخ فني حققوه، ومقارنة أنفسهم بأجيال من المطربين الكبار، الذين ظلت أعمالهم باقية لعقود. حيث يقدمهم العمل في سخرية ناقدة لظواهر غزت عالم الفن.

تنتمي مسرحية "حلم سعيد" لنوعية الأعمال الفنية الرامية إلى التغيير الاجتماعي، عبر التركيز على مشكلات حياتية للبشر وتناقشها بقدر من الكوميديا والعمق، أملا في الوصول بالنهاية لقدر من التغيير الجماعي ولو على الصعيد النفسي، ومنح المشاهدين دفعة معنوية في مكابدة مشاق المعيشة وصعوباتها.

تحكي المسرحية عن قصة “سعيد وحيد” (الفنان محمد فهيم) أحد المغنيين الشباب الذي فقد مدخرات عمره في مشروعات فنية ويعتزم المشاركة في مسابقة عالمية للغناء جوائزها تناهز مليون دولار، ويضطر أمام ضغط الحاجة للتعامل مع أشباه المطربين لعدم وجود البديل.

سخرية شديدة

يأتي العمل الذي أنتجه البيت الفني للمسرح بمصر ضمن سياسة جديدة لوزارة الثقافة بمصر لاستغلال المسرح كإحدى وسائل تغيير الواقع وتطوير أفكار الشباب نحو القضايا التنموية وحمل المعاني غير المباشرة المتعلقة بارتكان بعض صغار السن للظروف الاجتماعية، وإلقاء مسؤولية توقفهم في الحياة على الظروف دون محاولة لتغييرها.

وتؤكد المسرحية أن المجتمع لا يقبل إلا بالمظاهر الخارجية فقط، فالمطرب الشهير يشار إليه بالبنان ويتسابق الجميع على التقاط الصور معه، لكن المواهب الصغيرة التي تشق خطواتها بصعوبة في طريق تحقيق أحلامها يتم تجاهلها، ويتم وصفهم بالدونية وترفض الأسر اقتران بناتها بوسطهم بحجة أنهم “مزيكاتية”، وهو لفظ شعبي يقال على الموسيقي المغمور يحمل قدرًا من الاستهزاء.

المسرحية تعرج على فكرة تحطيم أحلام الشباب على صخرة المجتمع القاسي عبر سلسلة من الأغاني

تعرج المسرحية إلى فكرة تحطيم أحلام الشباب على صخرة المجتمع القاسي عبر سلسلة من الأغاني التي يطالب عبرها البطل جيله بتجنب الأحلام البعيدة، وأن يتكيفوا مع الإحباطات لدرجة التبلد والشعور بالسعادة في أقصى درجات الحزن وأشد الأيام قسوة، فالأمر عنده أشبه بإمساك عصفور مُحبب باليد بمجرد إفلات الأصابع سيطير إلى الفضاء البعيد.

لا يجد سعيد من يؤمن بمشروعه الفني سوى زميله وتلميذه فريد (الفنان محمد ناصر) الذي يستعين بدوره بمطربي الأفراح الشعبية وعازفيها ليستقطب منهم ستة للعمل في فرقته الجديدة، رغم الاعتراض الشديد على افتقادهم للموهبة وجهلهم الذي يصل إلى عدم مرورهم من أمام معهد الموسيقى ولو لرؤيته.

تشي قائمة أسماء الفرقة الجديدة ومهن العاملين فيها الأصلية بنوع من التنمر على مطربي المهرجانات، فجاءت جميعها غريبة ومضحكة، مثل: “سيد الأنس، وطاهر أنتيكا، ومحمود القبيح، وكابيتانو، وحنكة، ومحسن ورقلها، وأيمن الحلوف”، وأعمالهم الأصلية بعيدة تماما عن الفن وترتبط بعالم صيانة السيارات أو تقطيع المتهالك إلى خردة وصيد الأسماك في المراكب الصغيرة.

يفاجأ سعيد بـ”سيد الأنس” أحد أعضاء فرقته الجديدة الذي يبدي استنكاره من عدم معرفة الأول به، ويعتبرها محاولة لهز ثقته في نفسه، فهو  بيتهوفين مدينة بورسعيد، شرق القاهرة، والذي أبكى الأسماك في شارع طرح البحر، وهو مكان لبيع الأسماك بالمدينة الساحلية، من مقطوعاته الحزينة، ونصف أغاني المطربين القدامى والمحدثين سرقوا كلمات أغانيهم منه.

ما يعاب عن العمل جعله الحل لمشكلات البطل خارجيا وليس داخليا
قدرة على الغناء والرقص مع روح مرحة

جاءت طريقة تجسيد شخصية “الأنس” من قبل باسم الجندي استنساخًا حرفيًا للفنان هاني رمزي في فيلمي “أبوالعربي” و”غبي منه فيه”، في طريقة الحديث والحركات ليتجه إلى السخافة أكثر من الضحك خاصة في أسلوب ترديده عبارة: “ما تدنيش الأمل وتأخذه مني” (لا تعطني أملًا ثم تسلبه مني مجددًا)، الشبيهة تمامًا بعبارة رمزي الشهيرة :”عشمني فيه وغدر بيا”.

أما محمود القبيح الذي يرتدي جلبابا ريفيًا ويتحدث عن عظمة فرقته في دخول المسرح فتقلب الحال على حال آخر حتى لو تعرضت للضرب ويتحدث عن تراجع شعبية فرقته بعدما سرق المنافسون “محمد بولة” نجل سعيد الميكانيكي وتخطيطه للرد بسرقة “حنكة” نجل أم سماح التي علمته عزف الساكس.

لا يختلف الحال بالنسبة لـ”كابيتانو وائل”، الشبيه بالإيطاليين في طريقة ارتداء ملابسه، عازف الأكرديون والغيتار الذي يتحدث بشرف عن مساهمته في إخراج جيل من المطربين، مثل عمرو دياب وتامر حسني، وكذلك محسن الذي يملك موهبة فذة وغليظة، وتخصص في أهم آلة موسيقية من وجهة نظره وهي “الصاجات”، وهي القطع النحاسية التي تمسكها الراقصات بيديها في أثناء أداء فقراتها في الملاهي الليلية وحفلات الزفاف.

التغيير الممكن

القدرة على الغناء والرقص
ما يعاب عن العمل جعله الحل لمشكلات البطل خارجيا وليس داخليا

تظهر تجربة الأداء الجماعي للعازفين والمطربين في الفرقة عن قصور شديد في معرفة الأغنية ومضمونها لدى الأجيال الجديدة، فالأمر لا يتعدى عند هؤلاء بعض الإيقاع الثابت مصحوبا بمجموعة من الكلمات حتى لو كانت أصوات الحيوانات والطيور التي يتم ذكرها بوتيرة صوتية منتظمة قبل أن يرفع المغنون صوتهم في واحدة منها ارتبطت بصوت الماعز والذئاب، لكسر الملل وتغيير الإيقاع.

يجاهد الفنان لمدة تسعة أشهر كاملة في تعريف قائمة عازفيه الآداب العامة أولا، كالتوقف عن إدمان المخدرات والالتزام بجدول التدريبات، ثم بعدها الموسيقى الحقيقية إلى أن يصبحوا في النهاية فرقة محترفة مع وصوله لقناعة بأن الإنجاز الحقيقي هو كيفية تحويلهم من هواة إلى فنانين حقيقيين، بصرف النظر عن الفوز بالجائزة أم لا.

تتنمر المسرحية على مشكلة فنية دارجة في السنوات الأخيرة بالاختلافات بين الثنائيات الفنية وما يصاحبها من موجات فضيحة ونشر للأسرار الخاصة، فمع حدوث خلاف بين “سعيد” و”فريد” كان رد الأخير المباشر أنه يريد التخلص منه بعدما صنع مجده الفني رغم أنهما لم يصنعا شيئا في الأساس، وإثارة تزييفهما العلامة الزرقاء في موقع الإنستغرام لخداع الجماهير بأنهما من المشاهير .

ينتهي العمل بتغير موقف المطرب تمامًا من اليأس إلى الأمل ليغني عن حب الحياة، فالتعب يصل في النهاية بالإنسان للوصول إلى ما يريد، فالقوة تأتي من تكرار الوقوع وعدم الاستسلام، والغياب عن الحزن وهدم الغيوم والتخلص من الهموم.

ويقول باسم صادق، الناقد المسرحي، إن العمل يظهر وقوف صناعه خاصة المخرج تامر كرم على أرضية صعبة، فالديكور جيد ويعبر عن فكرة العمل رغم بساطته وانخفاض تكاليفه، واعتماده على فريق عمل من شباب مسرح المواجهة الصغار.

تنحصر قصة العمل في الحوار الثنائي بين “سعيد” الذي يرى أنه سيظل طوال عمره وحيدا بسبب مجتمع يرى شبابه على أنهم صغار، و”فريد” الذي يرى أن الشاب سيظل صغيرًا لو حبس نفسه داخل اليأس، فيجب عليه أن يعمل من أجل نفسه وليس من أجل فتاة جميلة ترى أسرتها أنه لا يصلح للاقتران بها.

يضيف صادق، لـ”العرب”، أن اختيار محمد فهيم ومحمد ناصر، اللذين لديهما قدرة على الغناء والرقص ويملكان الروح المرحة دون تكلف، أعطى العمل نوعا من الإيقاع والحركة، الذي يعبر عن فكرته في ضرورة اقتران أحلام الشباب بالعمل وتجنب الإحباط.

يعيب العمل أنه جعل الحل لمشكلات البطل والسبيل لتحقيق آماله في الحياة خارجيًا وليس داخليًا، فالاجتهاد لم يكن لأجل بناء فرقة ينافس بها وتشق طريقها المعتاد في رحلة كفاح للشهرة، لكنه كان مشروطا بوجود مؤثر خارجي يتمثل في الجائزة الضخمة، ما يتنافى مع الرسائل التي يوجهها للشباب على مدار العمل.

15