المجسم المكتشف مرتين ابتكار في الكتابة والسرد البصري

الأحد 2016/12/04
طواف الجسد بين اللغة والتشكيل

"المجسم الذي تم العثور عليه مرتين.. دفتر الهوامش"، هو اسم الرواية الصادرة حديثاً عن دار ميريت للنشر في القاهرة للكاتب والفنان علاء عبدالحميد والذي أصدر من قبل روايتين اثنتين هما "كول مي" و"فرد أمن".

بخلاف الروايتين السابقتين يقف علاء عبدالحميد في روايته الجديدة في منطقة وسط بين اهتمامه بالكتابة وانشغاله بالفن، جامعاً بين وسيطين تراوح تجربته فيما بينهما على نحو لافت، فخلافاً لكونه كاتباً روائياً هو يعدّ أحد الفنانين الفاعلين والمهتمين بالممارسات البصرية المعاصرة في أعمالهم، وله العديد من المعارض الفردية، وشارك كذلك في الكثير من العروض الجماعية داخل مصر وخارجها، وهو فنان له اهتمام واضح بالتركيب واكتشاف الخامات والصياغات الجديدة في التعبير البصري.

وتعد الرواية -كما يقول صاحبها- استهلالاً لمشروع فني يجمع بين الكتابة والسرد البصري، وهو مشروع يحمل عنواناً أولياً هو “قصة مجسّم” ويتضمن عروضاً بصرية وكتابات سردية.

اللافت في هذه الرواية أن كاتبها يتعامل معها كنص تجريبي للتعاطي مع صياغات مختلفة للسرد، كما يستعين الكاتب بمجموعة متنوعة من الصور الفوتوغرافية لدعم سياق الأحداث التي يتم سردها على لسان أحد المصريين المقيمين في فرنسا، فيبدو الأمر أشبه بتحقيق استقصائي يجمع بين العديد من الظواهر والأحداث والوقائع غير المألوفة.

تبدأ أحداث الرواية بعثور بطل الحكاية -وهو رجل أربعيني- على مجسّم غريب داخل مخزن شركة الأدوية التي يعمل بها في باريس. لا يذكر الكاتب شيئاً عن طبيعة هذا المجسم: حجمه، أو لونه، أو الخامة التي صنع منها، لا يذكر لنا سوى كلمة “مجسّم” التي تتكرر خلال السياق للدلالة على كل ما هو غامض وغير مألوف.

انطلاقاً من هذه الكلمة يبدأ بطل الرواية البحث عن تاريخ المجسّمات الغريبة محاولاً العثور على تفسير ما لوجود هذا المجسم الغامض داخل مخزن الشركة التي توشك على الإفلاس.

ويجد الرجل في بحثه عن سرّ هذا المجسّم وسيلة للانغماس في وحدته وتأكيد عزلته بعد استغناء الشركة عن خدماته، معتبراً أن عثوره على هذا المجسّم في هذا التوقيت له دلالة ما، أو أنه رسالة موجّهة إليه وحده.

في هذه الرواية يخوض الكاتب تجربته الشخصية في البحث عبر عدد من الصياغات والأساليب الأدبية المختلفة لثلاثة كتاب تتّسم تجاربهم بالعزلة والنفور من المجتمع.

اللافت في هذه الرواية أن كاتبها يتعامل معها كنص تجريبي للتعاطي مع صياغات مختلفة للسرد، كما يستعين بمجموعة متنوعة من الصور الفوتوغرافية لدعم سياق الأحداث

هكذا ينوه الكاتب في بداية تقديمه للرواية “هذا الكتاب تأويل لثلاثة نصوص متشابكة أولها وصفي وثانيها أدبي وثالثها فلسفي، وتم الاعتماد بشكل كبير على كتابات وأفكار ونمط حياة بعض الكتاب مثل إميل سيوران وألبير قصيري ووالتر بنيامين”.

اختار علاء عبدالحميد ثلاث تجارب في الكتابة تجمع بين أصحابها النزعة التشاؤمية والعزلة، كما تشغل العاصمة الفرنسية باريس حيزاً متفاوتاً في تجاربهم المختلفة، فإيميل سيوران كاتب ومفكر ولد في رومانيا وعاش طوال عمره في باريس واشتهر بكتابة الشذرات الفلسفية بلغة شعرية، كما أطلق عليه عدميّ القرن وملك المتشائمين، ومن المعروف عنه أنه تجنب الأضواء والشهرة ورفض استلام كل الجوائز التي حصل عليها ما عدا أول جائزة في حياته وهي جائزة “ريفارول” لأنه كان في حاجة إلى دعمها المادي والمعنوي.

أما ألبير قصيري فهو أديب مصري ولد بحي الفجالة في القاهرة قبل أن ينتقل إلى باريس ليقضي هناك معظم حياته، وكتب جميع أعماله باللغة الفرنسية وعاش في فندق لأنه كان يكره التملك ويقدّس الوحدة، وكان يصرّح دائماً بأن السعادة بالنسبة إليه أن يكون بمفرده، وآمن أن السخرية هي أنعم وأقوى سلاح يمكن به مواجهة السلطة، لأن مقاومة السلطة بجدية يعطيها نوعاً من الاحترام والأهمية التي لا تستحقها.

أما والتر بنيامين فهو فيلسوف وناقد أدبي ألماني لقب بالمتمرّد الأكبر على النصوص الكبرى وقد انتحر أثناء الحرب العالمية الثانية على الحدود الفرنسية الأسبانية لفشله في العبور إلى فرنسا.

تستدعي رواية علاء عبدالحميد روح الكتابة لدى هؤلاء الكتاب الثلاثة، كونها تدور في فلك الوحدة كخلاص وانسلاخ عن الأنظمة المجتمعية المختلفة.

على المستوى التقني تلعب الهوامش دوراً أساسياً في دعم هذا النص ويتم الاعتماد عليها بشكل دائم، أما الاستشهادات والمقتطفات من النصوص الأخرى فهي تماهٍ مع طريقة والتر بنيامين في التعامل مع اللغة. كما أن النص يتسم بالوضوح وهو ما كان يؤمن به ألبير قصيري.

في رواية “المجسّم الذي تم العثور عليه مرتين” يتبع الكاتب نوعاً من التفكيك المراوغ في صياغاته وسرده للأحداث على نحو أشبه بالموزاييك المترابط والمتجانس، فالحكاية الرئيسية تتفرع من حولها العديد من الخيوط الأخرى المتشابكة.

البحث عن أصل المجسّم على سبيل المثال يصل بنا إلى إحدى القرى النائية في رومانيا مع سرد لتاريخ هذه القرية والتي كانت في فترة من تاريخها واقعة تحت الحكم العثماني.

بتوالي البحث في تاريخ الحكم العثماني لهذه المنطقة يعثر الرجل على مجموعة من الوثائق التي تعود إلى تلك الفترة، ومن بين هذه الوثائق يعثر على وثيقة نادرة مكتوبة باللغة العربية لمفكّر أو فيلسوف مجهول، ويتمّ التعاطي مع النص المذكور في هذه الوثيقة بسرد نصوص مطوّلة منها “فصل في الفردانية”.

وفي سياق البحث يقارب بطل الرواية بين العديد من المجسّمات المختلفة التي تم العثور عليها في مناطق شتى من العالم، ما يحيله إلى شبه مقارنة بين ثقافات الشعوب، فنظرة الناس إلى ما تعنيه عبارة “مجسّم غريب” وهي العبارة التي ينطلق من خلالها في عملية البحث عبر شبكة الإنترنت بلغات مختلفة، تراوح بين الخوف والسخرية والنظرة الخرافية والتوهم في وجود عوالم أخرى مجهولة.

لا يعثر بطل الرواية على إجابة واضحة لتساؤلاته، لكنه يصل في النهاية إلى قناعة شخصية تغذّيها رغبته في الانعزال عن العالم بأن هذا المجسّم قد صُنع له وحده “أنا سئمت الاحتمالات، وأشعر أن هذا المجسّم الغامض ظهر لي أنا تحديداً لغرض ما مجهول، ولكن إذا كان الأمر كذلك فسأكمل حتى النهاية، سأصل للحقيقة، ولكن أولاً سأنفّذ ما فكرت فيه منذ شعرت بالراحة عند ارتدائي لهذا المجسّم”.

هذا الشعور بالراحة يدفع الرجل إلى ارتداء المجسّم أو الاحتماء به على الدوام، ومن دون رغبة في التراجع، ما يدفعه إلى التوقف عن البحث والخروج من حصار غرفته إلى الشارع، ولكن من دون التخلي عن حماية المجسّم، هذا الشيء الغامض الذي يعزله عن العالم ويحول بينه وبين الآخرين.

كاتبة من مصر

15