المجلات الثقافية في تونس تستغيث ولا من مجيب

نادي القصة التونسي يتخلف عن عقد ملتقاه السنوي الذي دأب عليه منذ تأسيسه بسبب غياب الدعم المالي وهو مهدد بالاضمحلال وتوقف مجلته عن الصدور.
الخميس 2019/11/14
موت الثقافة المدوّنة مبرمج سلفا (لوحة للفنان علي رضا درويش)

من المفارقات العجيبة في تونس أنها تستعد للاحتفال بمئوية شيخ الأدباء محمد العروسي المطوي، وفي الوقت نفسه تقطع المدد عن أهم ما أنجزه في حياته، أي نادي القصة ومجلة قصص التي يشرف على إصدارها. وما ذلك إلا صورة عن الوضع البائس الذي تشهده الساحة الثقافية في هذه الربوع منذ سنوات.

 

في تونس، يستعد أهل الأدب والثقافة لإحياء مئوية شيخ الأدباء التونسيين محمد العروسي المطوي (1920 - 2005) الذي كان له حضور مميز في الساحة الثقافية منذ استقلال تونس منتصف القرن الماضي.

ولا ندري ماذا أعدّ الساهرون على الشؤون الثقافية لهذه المناسبة، ولكن ما نعلمه علم اليقين أن أهم إنجاز اقترن باسم المرحوم المطوي، أي نادي القصة ومجلة قصص التي تصدر عنه، بات مهددا بالاضمحلال. فالنادي قد يتوقف عن النشاط، والمجلة قد تتوقف عن الصدور، والسبب غياب الدعم المالي.

غياب دعم

قد يخيل إلى القارئ أن هذا الدعم له من الحجم ما يفوق طاقة وزارة الثقافة، ولكنه في الواقع لا يتعدى الأربعين ألف دينار تونسي (ما يعادل أربعة عشر ألف دولار) وهو مبلغ سنوي يصرف في تسيير أنشطة النادي وطبع أربعة أعداد من المجلة لا يتقاضى من يساهم في تحريرها مقابلا ماديا، وكذلك في توزيعها وإرسالها عبر البريد إلى المشتركين، إلى جانب نشر المجاميع القصصية الفائزة في مسابقة سنوية ترصد لها جائزة رمزية بقيمة ألف دينار.

أما الجانب الإداري والتنشيطي، فينهض به متطوعون بدءا من رئيس النادي، الذي يتولى في الوقت نفسه رئاسة تحرير المجلة.

فهل عجزت الوزارة عن توفير هذا المبلغ الضئيل وهي التي دأبت على دعم رجال السينما والمسرح والغناء ممن لم يعودوا في حاجة إلى دعم بملايين الدنانير؟ وكيف تعجز وهي التي اعتادت الإنفاق بغير حساب على مهرجانات تنظم على مدار العام، وصرف مبالغ طائلة بالعملة الصعبة لفنانين وافدين؟

 قصص هي أقدم مجلة متخصصة في الأدب السردي وهي صورة عن أنشطة نادي القصة الذي كان يرتاده كبار الكتاب أمثال البشير خريف ومصطفى الفارسي
 قصص هي أقدم مجلة متخصصة في الأدب السردي وهي صورة عن أنشطة نادي القصة الذي كان يرتاده كبار الكتاب أمثال البشير خريف ومصطفى الفارسي

إن المسألة في نظرنا ليست عجزا ماليا بقدر ما هي استهانة بالأدب والأدباء، فقيمة دعم النادي لا تبلغ عُشرَ ما يتقاضاه أبسط مغني “راب” يعتلي مسرح قرطاج، ولا تمثل قيمة كبيرة مقارنة بما يسند إلى هذا أو ذاك من قبل وزير الثقافة بغير وجه حق. وإنما هي تمثُّلٌ لسياسة ثقافية عامة اعتادت أن تحتفي بالفرجوي وتهمل المكتوب، فالمهرجانات على اختلاف ألوانها تكاد لا تنقطع على مدار العام، بينما المجلات تعد على أصابع اليد الواحدة.

فمنذ الاستقلال، أسس الوزير محمد مزالي مجلة الفكر الشهرية عام 1956، وارتبطت به فزالت بخروجه من السلطة. ثم تلاه الدبلوماسي محمد العروسي المطوي الذي بعث عام 1966 مجلة قصص الفصلية، وها هي تعاني الأمرين وقد تلفظ أنفاسها نهائيا. عقبهما وزير آخر هو محمود المسعدي وكان أسس عام 1975 مجلة شهرية هي الحياة الثقافية تصدر عن وزارة الثقافة، وقد شهدت هي أيضا تقلبات توقفت خلالها عن الصدور مرارا، وما زالت حتى يومنا هذا متذبذبة في انتظامها. إلى جانب مجلات أخرى على ملك الدولة كالهداية والمعرفة، أو
على ملك الخواص، لم يكتب لها الاستمرار.

ولئن كانت تلك المجلات مجرد فضاء لنشر الأدب مقالة ودراسة وإبداعا ونقدا ومتابعة، فإن “قصص” هي أقدم مجلة متخصصة في الأدب السردي على مستوى الوطن العربي، داومت الصدور منذ تأسيسها بلا انقطاع، وحازت مكانتها في مراجع مؤسسات التوثيق. وهي أيضا صورة عن أنشطة نادي القصة الذي تأسس في 10 أكتوبر 1964 كفرع من فروع النادي الثقافي أبوالقاسم الشابي، كان يرتاده كبار الكتاب من تونس أمثال البشير خريف، ومصطفى الفارسي، ومحمد صالح الجابري، وحسن نصر، وسمير العيادي، ورضوان الكوني، ونافلة ذهب، وعروسية النالوتي، ومحمد الهادي بن صالح، ومحمود التونسي، وجلول عزونة، وتزوره وفود الكتاب من بلاد العرب والغرب.

نادي القصة

من ميزات النادي أنه لا يزال منذ تأسيسه يداوم جلساته الأسبوعية، ويحتضن الأقلام الشابة والتجارب الجديدة على اختلاف مشاربها، وينشر نصوصها الأولى في كتب قارب عددها المئة، وينظم كل عام ملتقى لتدارس موضوع يخص الفن السردي، ويكرم خلاله أحد الأعلام. ولكنه تخلف هذه المرة عن عقد ملتقاه السنوي وتكريم أحد الكتاب، للأسباب الآنفة الذكر. بل إن رئيسه، الأديب أحمد ممو، كتب يقول في مقالة نشرت بمنارات ملحق جريدة الشعب “في سنة مئوية محمد العروسي المطوي، نادي القصة قد يتوقف عن النشاط”.

فهل يعقل أن يتوقف النادي عن النشاط في مئوية مؤسسه؟ أهكذا نعترف بفضل رجل أفنى عمره لترسيخ فن القصة في تونس، وساهم بقسط كبير في بروز عدة أسماء فرضت حضورها في الساحة المحلية والعربية؟ كيف نسمح بإنهاء مهمة ناد ثقافي هو جزء من ذاكرة المدينة، ومن ذاكرة الوسط الثقافي برمّته؟

لقد جرت العادة، عند الاحتفال بمئوية أحد الأعلام، أن تتجند الطاقات لاستحضار مآثر الراحل وإبراز المحطات الكبرى في مسيرته، من خلال ندوات ومعارض وأشرطة وثائقية ولقاءات تلفزيونية مع من عرفوه أو عاشروه أو تخصصوا في دراسة آثاره، فضلا عن إعادة طبع أعماله الكاملة حتى يجد فيها الدارسون مادة تعينهم على إبراز خصائصه وسماته.

ولئن ترك محمد العروسي المطوي مؤلفات ريادية في أدب الرواية أمثال “ومن الضحايا”، و”التوت المرّ”، و”حليمة” التي يتدارسها طلاب العلم جيلا بعد جيل، فإن أهم ما تركه هو نادي القصة ومجلته العريقة. ولا يمكن في اعتقادنا أن نحتفي بالراحل الجليل إلا ببعث الروح فيهما، حتى لا يتحول الاحتفال إلى مأتم.

في السياق نفسه، نذكر أن مجلة أخرى للأطفال هي مجلة عرفان التي تأسست هي أيضا عام 1966، توقفت بعد الثورة ثم عادت إلى الظهور هذا العام بفضل جهود ثلة من المثقفين، نخص بالذكر منهم المربي والروائي والشاعر حافظ محفوظ، ولكنها عادت إلى التوقف من جديد بعد ثلاثة أعداد، لأسباب مادية. ولم تُجد مناشدة المسؤولين بإنقاذها نفعا، وكأن موت الثقافة المدوّنة مبرمج سلفا.

15