المجلات تفقد هويتها بتحولها إلى النشر الرقمي

مصطلح "مجلة" أصبح إشكاليا بعض الشيء، لاسيما مع تزايد المجلات المطبوعة التي تقوم بتقليل عدد نسخها أو إيقاف الطباعة الورقية تماما، وتحاول نقل علامتها التجارية إلى العالم الرقمي.
السبت 2019/09/21
المحتوى الرقمي يلغي الفوارق

تتلاشى الفوارق بين المجلات وباقي الأنواع الصحافية الأخرى في عالم الإنترنت، فمعظم مواقع المجلات تنشر مقالات ومقاطع فيديو ومحتويات أخرى بنفس الطريقة التي تنشر بها باقي مواقع الإنترنت الأخرى؛ وبعد مرور عدة عقود من الزمن، فإن عددا قليلا من الناس بالكاد سيدركون أن مجلتهم الرقمية المفضلة كانت تمتلك خصوصية، في شكلها ومحتواها، تميّزها عن المنشورات الأخرى المطبوعة.

لندن- ربما نسي الكثير من قراء الصحف رائحة الورق واعتادوا متابعة الأخبار على مواقعها الإلكترونية أو على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لكن أولئك الذين يدينون بالولاء لمجلاتهم المطبوعة سيحتاجون وقتا أطول للاعتياد على نسخ رقمية فقدت خصوصيتها وهويتها أمام باقي المنشورات على الإنترنت.

حاليا، أصبح مصطلح “مجلة” إشكاليا بعض الشيء، لاسيما مع تزايد المجلات المطبوعة التي تقوم بتقليل عدد نسخها أو إيقاف الطباعة الورقية تماما، وتحاول نقل علامتها التجارية إلى العالم الرقمي.

وكانت مجلة “ماري كلير” الأخيرة التي أعلنت عن إلغاء نسختها المطبوعة في المملكة المتحدة الأسبوع الماضي. وستستمر العلامة التجارية في النشر عبر الإنترنت، باعتبار أنها تجذب مليوني قارئ شهريا، وفقا لما ذكرته مؤسسة “درام” للدعاية والإعلان.

وسوف تركز مجلة “ماري كلير” أيضا على الاستثمار في منصة التسوق الخاصة بها “ذا ماري كلير إديت”، وهي منصة متخصصة في مجال الأزياء. وقالت شركة النشر “آي تي ميديا”، إنها تتوقع أن يكون هذا أكبر مصدر للدخل الرقمي للمجلة.

وأراد القائمون على الصناعة مواكبة التطور الرقمي، فتوافقوا على مصطلح “إعلام المجلات” للإشارة إلى المجلات التي أوقفت مطبوعاتها الورقية، ويشمل هذا المصطلح المطبوعات الورقية والرقمية على حد سواء، واتسع ليضم أيضا قصص سناب شات ومقاطع فيديو يوتيوب وتدوينات صوتية من الناشرين. لكن المشكلة تكمن في أنه عندما لا تنشر المجلة مطبوعاتها الورقية، إذن فما الذي يميزها عن مئات الآلاف من المنصات التي تنشر المحتوى عبر الإنترنت؟ وفق ما تقول الكاتبة إستير كيزيا ثورب، في تقرير نشره موقع “دبليو.إن.آي.بي” المتخصص بأخبار عالم النشر.

ولمعرفة ما يميز المجلات عن غيرها في العالم الرقمي، نحتاج أولا إلى معرفة ما هي الأساسيات التي تقوم عليها أي مجلة. إذ يتم نشر المجلة، وفقا للعديد من التعريفات على فترات زمنية منتظمة، وغالبا ما تناقش المجلة موضوعا معينا، وتحتوي على مزيج من المقالات والقصص، يأتي معظمها بصور فوتوغرافية أو غيرها من أشكال الفن.

كيف ستنظر الأجيال القادمة إلى المجلات؟
كيف ستنظر الأجيال القادمة إلى المجلات؟

وتحدد بعض التعريفات الأخرى المجلة على أنها عبارة عن منشور ذي غلاف ورقي، لكن باستخدام مصطلح “إعلام المجلات”، يمكن تجنّب الحديث عن العنصر الورقي فقط. وعلى الرغم من أن عددا قليلا من الناشرين يقومون بنشر المحتوى مجمّعا في “إصدارات”، إلا أن معظم مواقع المجلات تنشر مقالات ومقاطع فيديو ومحتويات أخرى بنفس الطريقة التي تنشر بها باقي مواقع الإنترنت الأخرى؛ في بث مستمر.

ومنذ مارس 2019، أصبح 56 بالمئة من المحتوى المنشور بواسطة المجلات لا يستند إلى إصدار مطبوع، بزيادة 6 بالمئة عن عام 2018. وبمقارنة هذا بعام 2013، عندما كانت المطبوعات الورقية والرقمية تشكل 73 بالمئة من إنتاج المجلة، يظهر هذا كيف تغيرت عادات النشر بوتيرة متسارعة.

ونظرا لأن النشر بدأ يتخذ مسارا بعيدا عن القضايا والإصدارات و”المحتوى المجمّع”، فإن الخطوط التي حددت الكثير من مصطلحات النشر على مر السنين بدأت في التلاشي. فعلى سبيل المثال، حوّلت مجلة “غلامور”، التي تنشر الآن مجلتين ورقيتين فقط سنويا نشاطها إلى الاتجاه الرقمي، واستطاعت أن تجذب جمهورها من الشابات والفتيات ممن قاموا بتحميل تطبيقها على هواتفهم وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

والآن ما زال معظم المتخصصين في هذا القطاع يطلقون على “غلامور” مجلة أو “إعلام المجلات”. وتنشر المجلة بشكل يومي عبر الإنترنت، وعلى قنوات عديدة أخرى مثل إنستغرام وفيسبوك.

وكمثال آخر نذكر “ريفاينري 29”، تنشر محتوى نسائيا عبر الإنترنت، ولكن نادرا ما يشار إليها على أنها مجلة. ومع ذلك، إذا تمت مقارنة المثالين وأنشطتهما عبر الإنترنت من حيث نشر المحتوى النسائي على مدار اليوم، نجد أن هناك فرقا ضئيلا للغاية. وترى مؤسسة “فليببورد”، أن محتوى المجلات يدور حول موضوع معين، حيث يضيف المستخدمون مقالات إلى “المجلات” الخاصة بهم.

لكن بالمثل، فإن “تويتر مومنتس” هي عبارة عن تغريدات ومقاطع فيديو وصور يقوم محرّر ما بتجميعها حول اتجاه أو موضوع معين. ثم بعد ذلك، هذه المحتويات تتم كتابتها وتحريرها وترتيبها بواسطة محترفي النشر. إذن هل يمكننا تسمية “تويتر مومنتس” مجلة؟

وكمثال آخر، ينشر “بازفيد” كميات هائلة من المحتوى كل يوم، من الطهي إلى الجمال والأخبار. إذن لماذا لا نطلق على “بازفيد” أو على موقع “تيستي”، مصطلح “إعلام المجلات”؟

مصطلح "إعلام المجلات" يشير إلى المجلات التي أوقفت مطبوعاتها الورقية، ويضم أيضا قصص سناب شات، ومقاطع فيديو

ويعيد موقع إنستغرام تعريف مصطلح “مجلة” أيضا. حيث في وقت سابق، أطلقت المنصة هاشتاغ “إنستا زينز” الرقمي الخاص بها، التي تنشر من خلاله مجموعة من “الإصدارات” لمساعدة الطلاب في الامتحانات.

إذن ما الذي يمنع تسمية الرسائل الإخبارية “مجلات”؟ ومن المفارقات، أن هذا الإصدار المؤقت الذي يأتي على هيئة بريد إلكتروني هو الأقرب إلى تعريف “مجلة” من العديد من “وسائل إعلام المجلات” التي تنشر على الإنترنت اليوم.

ربما يرجع السبب في ذلك إلى أن مصطلح “إعلام المجلات” متجذر في تراث المطبوعات الورقية. وبالنظر إلى الأمر بعد مرور عدة عقود من الزمن، فإن عددا قليلا من الناس بالكاد سيدركون أن “ماري كلير” اعتادت على طباعة محتواها على مجلة ورقية.

دعونا نفكر للحظة كيف ستنظر الأجيال القادمة إلى المجلات؟ حيث بالنسبة للكثيرين منهم، قد لا يختارون الاطلاع على مجلة ورقية. وستكافح المجلات ذات المطبوعات الورقية من أجل اللحاق بركب تلك المجلات التي تنشر محتواها على الإنترنت. وتتصدر بعض العلامات التجارية مثل “لاد بايبل” و”في تي” و”تيست لايف” قائمة أفضل الناشرين العالميين على فيسبوك.

وإما أن نقوم بتوسيع تعريفنا لمصطلح “إعلام المجلات” بحيث يكون أكثر شمولا للناشرين دون الاستناد إلى تراث المطبوعات الورقية، وإما أن نجازف بأن يصبح المصطلح غير ذي صلة بالموضوع. حيث تتطور وسائل الإعلام طوال الوقت، وكذلك يجب أن تتطور اللغة التي نستخدمها لوصفها.

18