المجلس الأعلى الإسلامي: الولاء لإيران رغم اختلاف الأجندات

العراقيون يفقدون الثقة بجماعة دينية تأسست في إيران قبل 37 عاما، والنظام الإيراني يعتمد على قوى شيعية متغيرة.
الاثنين 2018/10/15
فشل انتخابي بعد الفشل السياسي

بغداد - احتفل المجلس الأعلى الإسلامي بالعراق، السبت، بالذكرى 37 لتأسيسه، وطيلة كل السنوات التي تلت تشكيله كتحالف إسلامي شيعي تجرد من دوره الوطني في بلد عاني من ويلات التدخل الأجنبي الإيراني ثم الأميركي، حيث اختار استنادا إلى مرجعيته الشيعية أن يناصر النظام الإيراني ضد العراق.

ويعد المجلس الإسلامي الأعلى إحدى أبرز القوى الإسلامية في العراق، والتي اعتمدتها إيران في الحرب العراقية الإيرانية، وفي معارضة النظام العراقي السابق، ومن عنوانه بدا أنه ليس حزبا بل كيانا يضم القوى الإسلامية كافة، فبعد تأسيسه العام 1981 داخل إيران، وبتوجيه مباشر من مكتب مرشد الثورة الإسلامية آية الله الخميني، ضعف دور الأحزاب الأخرى لصالحه.

وصارت إيران تتدخل في الشأن العراقي عن طريقه، وبهذا هُمّش حزب الدعوة الإسلامية، واضطر إلى تسليم معسكره (معسكر الصدر) ليقع بدلا عنه إنشاء الجناح العسكري للمجلس، المعروف بفيلق بدر، والتابع عسكريا للحرس الثوري.

ولاء آل حكيم لإيران

ترأس المجلس في بداية الأمر محمود شاهرودي، ثم أصبح الناطق الرسمي باسمه محمد باقر الحكيم رئيسا، في حين ركز الشاهرودي اهتمامه على التدرج في الوظائف الكبرى بإيران، حيث تولى رئاسة القضاء ثم تشخيص مصلحة النظام.

وبعد أن تولى محمد باقر الحكيم رئاسة المجلس أعدم إخوته داخل العراق خلال مواجهات ضد الجيش العراقي، لهذا أخذ نجفيون يتداولون حكاية قتل الحكيم لإخوته، لمشاركته العلنية في الحرب ضد العراق، وبعد سلسلة تفجيرات قامت بها القوى الإسلامية ضد المصالح العراقية نُصرة لإيران.

المجلس الأعلى الإسلامي صار مهمشا في حسابات القوى السياسية الحالية في العراق، فإيران باتت تعتمد على قوى شيعية جديدة، وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق لها الأولوية وتمثل الأجندة الإيرانية بالبلد

لكن الحكيم، على ما يبدو، وبعد وفاة الخميني، لم يكن على قناعة باتباع الولي الفقيه الجديد علي خامنئي، باعتبار أنه ابن المرجع الكبير محسن الحكيم، وثانيا لأنه يرى في نفسه الأكثر أعلمية من خامنئي، فانتظر الفرصة بعد العودة إلى العراق، ليعلن أنه تفرّغ إلى المرجعية، ولم يشارك في مجلس الحكم، ولا في أي نشاط سياسي، فترك لشقيقه عبدالعزيز الحكيم إدارة شؤون المجلس، وتحول خطابه عند دخوله إلى البصرة بعد التاسع من أبريل 2003، بأنه مع دولة مدنية، ولم يذكر فضلا لإيران ولا أي إشارة إلى الولي الفقيه الإيراني، لذلك كان قتله محط شكوك بأن تكون إيران لها ضلع فيه.

وكان عبدالعزيز الحكيم متحمسا لإيران، حتى أنه دعا العراق إلى تعويض إيران عن خسائر الحرب (1980-1988)، وكانت تلك الكلمة إشارة إلى ولاء المجلس الأعمى لإيران. وعلى إثر هذه الدعوات فقد المجلس مصداقيته كقوى إسلامية عراقية.

ولعب المجلس دورا رئيسيا في الانتخابات الأولى مع مكتب السيستاني حيث ساهم في تشكيل الكيان الشيعي، الذي عُرف بالتحالف الوطني، وكان كيانا طائفيا وبادرة للمحاصصة على أساس طائفي. وعلى إثرها حصل المجلس على حقائب وزارية، منها الداخلية والمالية والنفط، في فترات متعاقبة، وحصل على مناصب عليا في المحافظة بين محافظ ورئيس مجلس محافظة.

تراجع حضوره السياسي
تراجع حضوره السياسي

وتبنى المجلس آنذاك فكرة إقامة إقليم الوسط والجنوب، بتشجيع إيراني، وبذل جهدا كبيرا لتحقيق هذا الهدف، لكنه فشل. وبوفاة رئيسه عبدالعزيز الحكيم صارت القيادة لنجله عمار الحكيم، والذي أوصى به والده بقيادة المجلس، وفق ما نُشر من وصيته. وفي حين يكشف مقتل رئيس المجلس الأول محمد باقر الحكيم عن مدى فشله وإخفاقاته المتتالية وقد أُطلق على باقر الحكيم لقب “شهيد المحراب”، حيث قُتل خلال صلاة الجمعة في المرقد العلوي بالنجف، بتفجير هائل لم يبق منه شيئا.

لكن المثير للدهشة أن البناء المشيّد على القبر الرمزي والذي يُضاهي الضريح العلوي، شُيّد على أرض تم الاستيلاء عليها ضمن عمليات الفساد الجارية.

تصدع المجلس

عقب ذلك مات الرئيس الثاني للمجلس عبدالعزيز الحكيم. ومع أنه طالب بتعويض إيران عن خسائر الحرب، وهو مسؤول عن تفجيرات ضد الجيش العراقي منذ كان رئيسا للتنظيم داخل المجلس، لقب عبدالعزيز الحكيم “بعزيز العراق”، غير أن الإخفاق السياسي والفساد المالي اللذين مني بهما المجلس جعلا هذا اللقب محل تندّر بين العراقيين.

ما إن تولى عمار الحكيم نجل عبدالعزيز الحكيم رئاسة المجلس حتى دبت الانشقاقات فيه، وذلك لتحول فيلق بدر إلى ميليشيا شيعية والجناح العسكري للمجلس إلى تنظيم سياسي، وقد أبقت هذه الميليشيا على قواتها.

وكان تعويل إيران على ميليشيا فيلق بدر ورئيسها هادي العامري جليا حين صرح خلال الحرب العراقية الإيرانية بقوله “إذا قال الإمام (الخميني) سلم يكون سلما.. وإذا قال حرب تكون حربا”. ثم تخلى أعضاء من المجلس عن العامري الذي يوصف بجنرال إيران في العراق، ومن بينهم عادل عبدالمهدي، الذي شكل كيانه الإعلامي الخاص والممثل بصحيفة “العدالة”، ويشارك حاليا في رئاسة الوزراء.

أما عمار الحكيم، الذي وجد نفسه زعيما للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، فقد أسس لتيار الحكمة واختار بذلك الانسحاب من المجلس. وأبدى ارتياحه لقراره أمام مسؤولين عراقيين، إذ أن عمار الحكيم بدأ يتوق إلى التحرر من العباءة الإيرانية حين بات في السلطة وفي موقع قوي ولا يعد مجرد عضو بمجلس يوالي إيران وينفذ أوامرها دون تردد.

انشقاقات داخل المجلس
انشقاقات داخل المجلس

وباتت بذلك الانقسامات الشيعية واضحة للعلن بين جهات تدين بالولاء التام لإيران وأخرى لديها تصور آخر لطريقة الحكم في العراق مستقبلا بعيدا عن التدخل
التام لطهران وبشكل يختلف عن نظام ولاية الفقيه.

ويشير مراقبون إلى أن إيران امتعضت من تشكيل تيار الحكمة، وبحسب قيادي في المجلس، فإن عمار كتب رسائل إلى قيادات إيرانية ولم يقع الرد عليها. وبعد مرور خمسة عشر عاما من تولي المجلس الأعلى الإسلامي السُلطة، وما مارسته ميليشيا فيلق بدر التابعة له من اغتيالات والقيام بالدور الإيراني، نستنتج أن المجلس بات في موقع ضعف ولم يعد مرحبا به كالسابق.

ففي حساب القوى السياسية الحالية في العراق نلاحظ أن المجلس صار مهمشا، فإيران باتت تعتمد على قوى جديدة، بينما كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق لها الأولوية وتمثل الأجندة الإيرانية في البلد، ولم تبق العلاقة مع المجلس سوى صدى للماضي، وهو حال علاقة قوى الإسلام السياسي الشيعي مع النظام الإيراني التي تقصي كل طرف سياسي بات حضوره ضعيفا، ولم يعد بوسعه أن يخدم مصالحها التوسعية والدور التخريبي الذي تتبناه بهدف تشتيت العراق وكل المنطقة العربية.

6