المجلس الأعلى للدولة ينقلب على الاتفاق السياسي الليبي

تنذر التطورات السياسية في ليبيا بقرب انهيار الاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية نهاية العام الماضي، الأمر الذي يشير إلى أن الوضع يتجه نحو المزيد من التصعيد العسكري.
الجمعة 2016/09/23
اتفاق الصخيرات في مهب الصراعات

تونس - بدأت سيطرة الجيش الليبي على الموانئ النفطية تلقي بظلالها على المشهد السياسي في ليبيا. وفي خطوة وصفها مراقبون بالعبثية، خرج رئيس المجلس الأعلى للدولة عبدالرحمن السويحلي ليعلن عن اضطرارهم لتولي السلطة التشريعية، مطالبا المجلس الرئاسي بتقديم التشكيلة الحكومية الجديدة حتى يقوم المجلس باعتمادها.

والمجلس الأعلى للدولة، هو جسم استشاري منبثق عن الاتفاق السياسي يضم 120 عضوا يتم اختيارهم بالتوافق بين أطراف الحوار على أن يتم اختيار 90 عضوا من قبل المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته. وسبق لهذا الجسم أن تجاوز صلاحياته في أبريل الماضي تاريخ عقد جلسته الأولى معلنا عن قيامه بالتعديل الدستوري وإدخال الاتفاق السياسي حيّز النفاذ، الأمر الذي اعتبره مجلس النواب تجاوزا لصلاحياته التي أعطاها إياه الاتفاق السياسي باعتباره جسما استشاريا لا تشريعيا.

ووقع الفرقاء الليبيون في الـ17 من ديسمبر الماضي اتفاقا يقضي بوقف القتال وتشكيل حكومة وفاق تتولى تسيير البلاد لمدة سنة، لكن مجلس النواب رفض عقد جلسة لإجراء التعديل الدستوري وإدخال الاتفاق السياسي حيّز التنفيذ قبل حذف أو تجميد المادة الثامنة من الاتفاق. ويقول أعضاء مجلس النواب الرافضون للاتفاق، إن فريق الحوار الممثل لمجلس النواب وقع على الوثيقة دون الرجوع إلى مجلس النواب للتشاور معه بخصوص التعديلات التي أدخلت على المسودة التي كان مجلس النواب قد وقع عليها بالأحرف الأولى في يوليو من العام الماضي.

وتنص المادة الثامنة على انتقال جميع المناصب السيادية والعسكرية إلى سلطة المجلس الرئاسي بمجرد توقيع الاتفاق السياسي بما فيها منصب القائد العام للجيش الذي يتولاه حاليا المشير خليفة حفتر ليقوم في ما بعد بتوزيع هذه المناصب بالتشاور بين أعضائه، الأمر الذي يعتبره مؤيدو حفتر سعيا واضحا إلى استبعاده خاصة وأن القرارات في المجلس الرئاسي تؤخذ بالأغلبية لا الإجماع في حين لا يملك خليفة حفتر سوى مؤيديْن له داخل هذا المجلس المتكون من 9 أعضاء هما علي القطراني وعمر الأسود.

وفي حين التزم المجلس الرئاسي الصمت إزاء ما أعلنه المجلس الأعلى للدولة ولم يعلن ما إذا كان ينوي تقديم تشكيلة حكومية جديدة له أم لا، يرى مراقبون أن المجلس الرئاسي لا يمكنه الانصياع لقرارات هذا الجسم باعتبارها خرقا واضحا للاتفاق السياسي الذي ينص على أنه جهة استشارية لا تشريعية.

عيسى عبدالقيوم: السويحلي يسعى لترسيخ هذا الانقلاب بعملية عسكرية

وفي نهاية أغسطس الماضي عقد مجلس النواب جلسة أسقط خلالها تشكيلة حكومة الوفاق الحالية وذلك بعد فشله تسع مرات في عقد جلسة مكتملة النصاب للتصويت على الحكومة. وأثار رفض التشكيلة الثانية للمجلس الرئاسي جدلا قانونيا حول مصير المجلس الرئاسي، حيث تنص المادة 180 من القانون رقم 4 المتعلقة باللائحة الداخلية لمجلس النواب على أن المجلس الرئاسي له الحق في تقديم تشكيلتين حكوميتين وفي صورة تم رفضهما يكون قد استوفى فرصته، ما يعني فتح الباب أمام لجنة الحوار لإعادة اختيار رئيس ونائبين جديدين للمجلس الرئاسي.

وقلبت سيطرة الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر على الهلال النفطي الأسبوع الماضي موازين القوى لصالح حكومة عبدالله الثني ومجلس النواب الرافض للاتفاق السياسي على شكله الحالي.

وفي أول لقاء جمع عقيلة صالح مع المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر الجمعة الماضي، بعد سيطرة الجيش على الهلال النفطي، اشترط عقيلة صالح ضرورة العودة إلى المسودة الرابعة غير المعدّلة وتشكيل مجلس رئاسي جديد يتكون من رئيس ونائبين، بما يعني إلغاء المجلس الرئاسي الحالي.

وانتهت اجتماعات مارتن كوبلر مع عدد من القيادات السياسية الليبية في القاهرة قبل مغادرته إلى نيويورك، الاثنين، بإصدار بيان حول لقائه مع رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح وعضو المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق على القطراني.

وخلافا للبيانات السابقة فقد خلا هذا البيان من أي إشارة إلى تمسك المبعوث الأممي بالمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق كما جرت العادة في بياناته السابقة التي غالبا ما كانت تتمسك بنقطتين وهما المجلس الرئاسي والاتفاق السياسي، الأمر الذي يشير إلى إمكانية رضوخ كوبلر والمجتمع الدولي لشروط عقيلة صالح.

ويبدو أن بيان كوبلر قد استفز التيار الإسلامي في ليبيا، الأمر الذي دفع عبدالرحمان السويحلي رئيس المجلس الأعلى للدولة إلى اعتبار كوبلر شخصا غير مفوض للتقرير عوض الليبيين، على حد قوله. وقال السويحلي “إن كوبلر لا يستطيع أن يقرر من يقبل أو من لا يقبل أو من ينفذ أو من لا ينفذ أو من يعدل أو من لا يعدل؟”، مبيّنا أن ذلك مكفول وفقا لاتفاق تم التوقيع عليه برعاية الأمم المتحدة وبدعم من المجتمع الدولي.

وتعليقا على هذه الخطوة، قال المحلل السياسي عيسى عبدالقيوم في تصريح لـ”العرب”، إن إعلان السويحلي عن توليه للسلطة التشريعية في البلاد يعتبر انقلابا واضحا على الاتفاق، كما لا يستبعد إمكانية ترسيخ هذا الانقلاب عن طريق عملية عسكرية تمكن من انتزاع الموانئ النفطية من سيطرة الجيش.

ورجح عبدالقيوم أن يقوم السويحلي بالتحالف مع الجماعات المسلحة في مصراتة التي ينحدر منها إضافة إلى جماعات إسلامية كجماعة الإخوان المسلمين وجماعة المقاتلة الليبية والتي تتولى دار الإفتاء برئاسة المفتي المعزول الصادق الغرياني دعمها.

أما على المستوى الخارجي فتوقع عبدالقيوم أن تقوم كل من تركيا وقطر بدعم تحركات السويحلي خاصة بعد كلمة أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني الذي وصف سيطرة

قوات الجيش على الموانئ النفطية بـ”الاحتلال”.

وسبق إعلان السويحلي عن تولي مجلسهم لمهام السلطة التشريعية في البلاد، قيام طيران تابع للغرفة العسكرية بمصراتة بمحاولة قصف معسكر اللواء 12 معزز بقيادة اللواء محمد بن نايل جنوب الأمر، لكنه أخطأ الهدف ليصيب منتجعا طبيّا الأمر الذي أدى إلى مقتل 9 أشخاص وجرح آخرين.

4