المجلس الانتقالي يتخلّص من رموز البشير

المهمة الأصعب لعبدالفتاح البرهان: تفكيك دولة الإسلاميين وتشابك نفوذ لوبيات الفساد.
الأحد 2019/04/14
مطالب الشارع في منتصف الطريق

الخرطوم - نجح المجلس العسكري الانتقالي في تخطي أهم العقبات التي قد توتّر علاقته بالحراك الشعبي الواسع في السودان، وذلك من خلال دفع العناصر المحسوبة على الرئيس السابق عمر حسن البشير إلى التنحي، في خطوة لا تكتفي بطمأنة الداخل السوداني، ولكن أيضا بتبديد مآخذ دولية على قيادات عسكرية ارتبط وجودها بأخطاء النظام السابق ككل.

يأتي هذا فيما ستكون المهمة الأصعب لعبدالفتاح البرهان، الذي استلم قيادة المجلس، هي تفكيك دولة الإسلاميين التي قامت على التمكين للوبيات الفساد وبنت نفوذها على تشابك المصالح العائلية.

واستقال وزير الدفاع الفريق أول ركن عوض بن عوف من رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، الجمعة، بعد يوم واحد فقط له في المنصب مع مطالبة المحتجين بتغيير سياسي أسرع وترك مكانه لعبدالفتاح البرهان. ثم جاءت استقالة أخرى ذات مغزى لتؤكد وجود رغبة حقيقية في التغيير، وهي استقالة مدير جهاز الأمن والمخابرات صلاح عبدالله محمد صالح المعروف باسم صلاح قوش، أكثر الشخصيات نفوذا في البلاد بعد البشير وهو الذي حمّله المحتجون مسؤولية قتل متظاهرين يطالبون بإنهاء الحكم العسكري.

ويرى محللون أن الجيش السوداني يسعى إلى تهدئة الاحتجاجات بتغييره الوجوه التي كانت لفترة طويلة قريبة من البشير، وارتبطت أسماؤها بالاعتقالات والتعذيب وبالحروب التي أفضت إلى تقسيم السودان وتبديد ثرواته.

وتعتقد أوساط سودانية مطلعة أن المجلس الانتقالي سيستمر بالضغط على القيادات التي تثار حولها الشبهات ودفعها إلى الاستقالة من أجل خلق أرضية من الثقة المتبادلة مع الحراك الاجتماعي وهو ما بدا واضحا حين انطلقت احتفالات صاخبة في شوارع الخرطوم خلال الليل بعد استقالة بن عوف.

ولوح الآلاف من المحتجين بالأعلام وبهواتفهم المحمولة المضاءة، وأطلق البعض منهم أبواق السيارات. وقال شهود عيان إن مواطنين رددوا هتاف “سقط التاني” في إشارة إلى بن عوف بعد البشير.

كما نجح المجلس في جلب قيادات الحراك الشعبي إلى الحوار في خطوة تؤكد الثقة بأن تغيير الوجوه سيقود إلى تغيير السياسات.

وأعلن البرهان، أنه سيتم تشكيل مجلس عسكري لتمثيل سيادة الدولة، وحكومة مدنية “متفق عليها” بواسطة الجميع، لإدارة البلاد خلال المرحلة المقبلة. جاء ذلك في أول بيان له، السبت، غداة اختياره رئيسا للمجلس العسكري الانتقالي خلفا لعوض بن عوف.

وقال البرهان، إنه تم إلغاء قرار حظر التجوال في البلاد، مؤكدا في الوقت ذاته استمرار الفترة الانتقالية لمدة عامين كحدّ أقصى، يتم خلالها أو في نهايتها تسليم حكم الدولة لحكومة مدنية تشكل من قبل الشعب.

وأضاف أنه سيتم “إطلاق سراح المحكوم عليهم فورا بموجب قانون الطوارئ أو أي قانون آخر في التظاهرات والاحتجاجات الأخيرة”.

وقال ضابط في الجيش رفض الكشف عن هويته إن “البرهان لا يتبع أي توجهّات سياسية. إنه جندي متمرّس″.

لكنه بصفته زعيم البلاد بحكم الأمر الواقع الآن، لن يكون بإمكانه التهرّب من اتخاذ قرارات سياسية صعبة، ليكون في مستوى انتظارات الشارع الذي قد يعود في أي لحظة إلى الاحتجاج.

وشدد القائد الجديد للمجلس الانتقالي على “الالتزام التام بمحاربة الفساد، وملاحقة جميع المسؤولين عنه، ومحاكمة كل من تورط في قتل الأبرياء”، و”تفكيك كل الواجهات الرسمية والحكومية التي كانت تقوم على المحسوبية والمحاصصة الحزبية”.

وتعهد بـ”إنهاء تكليف ولاة الولايات وقادة الفرق والمناطق العسكرية (المكلفين) بتسيير مهام الولايات”، والذين تولى البشير تعيينهم في الفترة الأخيرة في مسعى لامتصاص غضب الشارع من جهة، ولإرضاء المؤسسة العسكرية لتستمر بالولاء له.

‎ ويرى مراقبون أن مواجهة الدولة العميقة التي كرّسها نظام البشير في السلطة من سياسة التمكين لعناصرها، وقيام مؤسسات كبرى وتنظيمات عسكرية تخضع بالكامل للولاء التنظيمي، سيجعلان مهمة البرهان صعبة.

تضاف إلى ذلك السيطرة الاقتصادية لشركات حكومية ولمؤسسات الدولة من أمن وجيش وشرطة، وكذلك الشركات التي يملكها أفراد الحزب الحاكم، قد تعقّد عمل الرجل في الوقت الراهن.

والمعروف أن البرهان عسكري لم يُؤطر سياسيا ضمن منظومة حزب المؤتمر الوطني (الحاكم سابقا)، وهو رجل نزيه في ظل حكم اتهم أفراده بالفساد، وهو ما قد يساعده في القيام بالمهمة الأصعب، أي تفكيك نفوذ الشبكات التي بناها الإسلاميون منذ انقلاب 1989، والذي جعل السودان رهين حسابات حسن الترابي وقيادات الإخوان المسلمين الذين تحالفوا مع البشير قبل أن يختلفوا ويتصادموا معه، وإنْ ظلت لهم اليد الطولى في إدارة كل شيء.

وأعلن “تجمع المهنيين” في السودان أن تحالفات المعارضة وافقت على دعوة من المجلس الانتقالي لإجراء حوار، السبت، حول “الانتقال إلى سلطة مدنية”.

وشدد التجمع في بيان له على أن الجلوس على طاولة التفاوض يهدف إلى الوصول إلى “سلطة مدنية انتقالية تنفذ مطالب الثورة”.

وفي محاولة لإرباك المجلس الجديد ومنعه من تنفيذ مطالب المحتجين باجتثاث حزب المؤتمر الوطني الحاكم، دعا الحزب إلى إطلاق سراح رئيسه وعدد كبير من رموزه، حاثا المجلس على “تسريع تطبيع الحياة السياسية، وتمكين الأحزاب من مزاولة العمل السياسي، وإكمال التحوّل الديمقراطي، وإرساء مبدأ التداول السلمي للسلطة”.

1