المجلس العالمي للأقليات المسلمة في أبوظبي: حاضنة لمعالجة التحديات

السبل الكفيلة لإنجاح جهود حماية حقوق الأقليات تكمن في احترام سيادة الدول وضبط المواطنة المتساوية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للمسلمين في بلدانهم.
الخميس 2018/04/19
التدين والمواطنة لا يتناقضان

في ذات اليوم الذي تعلن فيه دولة الإمارات العربية المتحدة تأسيس المجلس العالمي للأقليات المسلمة وذلك في إطار التحضير الدؤوب والحثيث لتنظيم مؤتمر عالمي للأقليات المسلمة بمشاركة أكثر من 500 مشارك يمثلون نحو 150 أقلية مسلمة في العالم برمّته، ينعقد في إسطنبول حاليا مؤتمر عالمي للأقليات المسلمة بمشاركة المئات من الشخصيات الاعتبارية والثقافية والممثلين عن الأقليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية.

من الواضح إذن أن القضية أصبحت محلّ متابعة ومسايرة من أكثر من طرف -يكفي أن نشير إلى أن منظمة التعاون الإسلامي تحتوي على إدارة للأقليات المسلمة تحت مسمى إدارة الجماعات والمجتمعات المسلمة-، سواء داخل الفضاء العربي أو خارجه، وهي محايثة نعتبر أنّها تتجاوز البعد الإسلامي للمسألة وتتأثر أكثر بطبيعة المسألة في سياقاتها الدولية والكونيّة.

فموضوع حقوق الأقليات يقارب العقد الثالث من تشريعه القانوني عبر الإعلان العالمي لحقوق الأقليات الإثنية واللغوية والعرقية في الأمم المتحدة سنة 1992، وقد راكم من الجهود الأممية ما سمح بتأسيس مدوّنة متينة، جعلت القضية أشبه بالتوافق النسبيّ على أحقيتها وصوابها.

وصراحة القول بأنّ أداء الكثير من الدول العربية والإسلامية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذي يهتمّ بقضايا الأقليات بمختلف أنواعها، لم يكن سلبيا ولا ضعيفا أيضا، فالكثير من الدول العربية وعلى رأسها تونس والجزائر وقعت على اتفاقيات إطارية تعنى بالسكان الأصليين وبالحفاظ على اللغات الأصيلة لم توقّع عليها دول عتيدة وعريقة في مجال الديمقراطيات الفرديّة.

موضوع حقوق الأقليات يقارب العقد الثالث من تشريعه القانوني عبر الإعلان العالمي لحقوق الأقليات في الأمم المتحدة سنة 1992

صحيح أن قضية الأقليات لا تزال في تمثّل العديد من الفاعلين السياسيين والرأي العام العربي محل تجاذب ومنازعة نظرا إلى أنّها باعتبارها لقاء حقوق جماعات فهي المرحلة الثانية من حقوق الإنسان التي لم تتحقق بعد بالصفة المطلوبة في العالم العربي، كما أنّ القضية تمثّل السردية المختلفة وفي بعض الأحيان النقيضة لسرديات “الدولة الأمّة” عن التوافق اللغوي والإثني، إضافة إلى أنها اليوم باتت تطرح قضايا محرجة في سياقها “الحقوقي الفردي والجماعي” على غرار الأقليات الجنسية والمثلية.

ولكن الأصحّ أيضا أن القضية تجاوزت سقف “الممنوع” وصارت جزءا من النقاش العام بل والأهم أنها أصبحت مؤشر نضج اجتماعي ودليل ميثاقية مجتمعية بضرورة سحب مفهوم المواطنة على كافة الميادين وعلى كافة “الرعايا”.

وان تفكّر اليوم دول إقليمية على غرار الإمارات العربية المتحدة في تأسيس مجلس عالميّ للأقليات المسلمة، ففي الموضوع الكثير من الوجاهة والصواب، ذلك أنّ القضايا التي تهمّ الأقليات المسلمة سواء أكانت أقلية على شكل سكان أصليين مثل الروهينغا في ميانمار أو الأقليات المهاجرة كمسلمي ألمانيا وفرنسا، هي قضايا حساسة تعنى أساسا بقضايا الجمع بين “الاندماج والحفاظ على الخصوصية الثقافية” و“ترتبط أيضا بـ“مسالك تغيير الصورة النمطية في الإعلام” و“بطرائق مكافحة الإسلاموفوبيا” و“مقاومة التطرف والإرهاب”، دون نسيان قضية توطين الروهينغا على أرضهم رفضا للإبادة العرقية والدينية في ميانمار.

موضوع الأقليات المسلمة مهمّ للغاية، ذلك أنّ المسلمين خارج الفضاء المسلم يعدّون بمئات الملايين، ولكن في كل الحالات فهم يمثلون نحو ثلث المسلمين وهم موزّعون على القارات الخمس، وبالتالي فهم يتأثرون بالتغيرات الإقليمية والدولية ويؤثرون فيها أيضا.

مسلمو الروهينغا أو محنة الأقلية المسلمة
مسلمو الروهينغا أو محنة الأقلية المسلمة

بمعنى أنّ أيّ تصوّر للأقليات المسلمة بأنها امتداد لأمة إسلامية موحدّة ومقولبة ومنمطة ستصنع كيانا مترابطا جديدا تصوّر مجانب للصواب وللمنطق.

فليس الاهتمام بالأقليات المسلمة نظير مناكفة للغرب الذي اهتم بالأقليات الدينية واللغوية والإثنية والجنسية في فضائنا العربي الإسلامي وناصر أكثر من مرّة عمليات الهجرة المنتقاة لإخلاء الشرق من نسيج التنوّع، ودفع أكثر من مرة إلى تهجير يناسب طبيعته السكانية.

وليس الاهتمام بالأقليات المسلمة “استغرابا” مقابل “استشراق” أيضا، أو“استغراقا” مقابل “استفراغ”، إنما هو سعي لتكريس المواطنة الحقيقية للأقليات المسلمة في دولها الأصيلة ودفع لها للانخراط ضمن منظومة الحقوق والواجبات المدنية ورفع “للغيتو” الذي يحبذه البعض من أقصى التطرف الإسلامي ودفع ضد “الفيتو” الذي يرفعه الكثير من أقصى اليمين المتطرف.

وليس الاهتمام بالأقليات المسلمة أيضا -وفق فهم وتصوّر صاحب هذه الأسطر على الأقل- خلق هويّة أيديولوجية للمسلمين أو رابطة انتماء بديلة عن عواصمهم ومواقعهم في بلدانهم، بل هي تامين خصوصية ثقافية وروحانية يحتاجها المسلم ومزيد تكريس للتنوّع الحضاريّ والديني وللتعددية الثقافية تحتاجها الدول لتضبط مواطنة ثقافية مفتوحة وثقافة مواطنة منضبطة.

وليس الاهتمام بالأقليات المسلمة في ذات السياق، خلق أذرع دينية وخلايا نائمة للدول الإقليمية تكون حصان طروادة في مشاريع التفتيت وبيادق أماميّة لمنطق التقسيم على غرار ما تفعله إيران بمشرقنا العربيّ الأصيل وما تفعله تركيا بعمقها الأفريقيّ الأثيل، وإنّما هي توطين المواطنين في أوطانهم وتجسيم للتعددية الثقافية وتجسيد للحقوق الفردية والجماعيّة.

أي تصور للأقليات المسلمة بأنها امتداد لأمة إسلامية موحدة ومقولبة ومنمطة ستصنع كيانا مترابطا جديدا تصور مجانب للصواب وللمنطق

 فلا مكان لمفهوم “الخلافة القائمة” ولا لـ“الخلافة القادمة” في تفكير حقوق الإقليات المسلمة، ولا مكان أيضا لتصوّر مقيت يعيد استدرار التقسيم الجغرافي لما قبل الدولة ولما بعد المواطنة حيث “ديار الكفر وديار الإسلام”، فالإسلام روح ووجدان يتجاوز الجغرافيات والحدود.

لذا، فإنّ السبل الأساسية والكفيلة لإنجاح جهود حماية حقوق الأقليات، كامنة بالضرورة ومحوريا في احترام سيادة الدول وضبط المواطنة المتساوية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للمسلمين في بلدانهم، وضبط مسار العمل في كافة الدول تحت عنوان “لا مواطنة بديلة للأقليات المسلمة” و“لا مواطنة دون الأقليات المسلمة”.

عديدة هي المحاولات الفاشلة في مجال “الأقليات المسلمة”، لعل أهمها “المجلس العالمي للأقليات المسلمة” الذي تأسس بمبادرة من الدوحة في سنة 2008، والأكيد أنّ أسباب الفشل تدفع نحو استقراء جيّد وتجاوز حصيف حتّى لا يتمّ استحضار ذات مقدّمات الهوان.

حيث مثلت الأدلجة وتجيير الأقليات المسلمة لصالح أجندات إقليمية معينة واستثمارها في مشروع الأخونة والأسلمة السياسية أحد أسباب تذمّر الكثير من الفاعلين في المجتمع المدني الأوروبي عامة والفرنسي خصوصا، ذلك أنّ المجلس لم يعتمد على ميثاقية حقوق الإنسان ومبدئية التنوّع الحضاري ضمن المواطنة المدنية أساسا ومركزا بل انتهج مسلكيّة تحويل الأقليات المسلمة في أوروبا إلى جزر معزولة عن سياقها وخلايا حضارية نائمة، سرعان ما تسلل إليها “التطرف والتنطع والإرهاب”.

إضافة إلى هذه المقدمة، حوّلت الدوحة حقوق الأقليات إلى جزء من خطاب الهجوم والمناكفة للدول، ولم تعتمده داخليا سواء مع المهاجرين الذين يعدون بمئات الآلاف أو مع المجنسين حيث كانت انعدام الفرص والإجحاف وعدم تقديم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للعمال الأجانب، الأمر الذي ضرب في الصميم مصداقية حقوق الأقليات.

فحقوق الأقليات منظومة وتصوّر وفلسفة وميثاق عمل، يقتضي سحبه على الأقليات الموجودة داخل حدود السيادة ومع مختلفي الداخل قبل تصديره إلى الآخر في الخارج، وإلا صار سلعة فاسدة وتجارة كاسدة.

فحقوق الأقليات تكبر وتثمر في وطن المواطنة والديمقراطية والتعددية الاجتماعية والاقتصادية وليس في سياق “الحقوق القليلة” و“انعدام فرص العمل واستعباد القوي للضعيف”، بل وفي الكثير من الأحيان استبداد “الاقليات المهيمنة” للأكثرية “الأقلياتية”.

13