المجلس المسؤول دستوريا عن حماية حرية الصحافة المصرية يضيف قيودا

وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مطالبة بالالتزام بالبيانات الرسمية للحديث عن مواضيع مختلفة من بينها الوضع في ليبيا وسد النهضة والحرب ضدّ كورونا.
الخميس 2020/07/02
لا أريكم إلا ما أرى

تتعدى المحظورات التقييد الظاهري للعمل الصحافي، إلى إحكام السيطرة العامة، واختبار مدى الاستجابة لقبول خفض سقف الحريات، فإذا حاولت الصحافة ممارسة دورها الرقابي والمعرفي، سارعت الجهة المنوط بها دستوريا “حماية حرية الصحافة” إلى فرض قيود عليها.

قبل نسف هامش الحرية، أثارت الصحافة المصرية قضايا مصيرية، منها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين، والنزاع الحدودي على منطقة حلايب وشلاتين، حتى أن مجلة “المصور” أهدت قراءها، في نهاية عام 2014، كتابا وثائقيا عنوانه “بالمستندات والوثائق.. حلايب وشلاتين مصرية مصرية مصرية”. ثم أُدخل هذا المربع الحدودي مع السودان سلة المحرّمات، وتبعته محرّمات آخرها قائمة تضمنها بيان المجلس الأعلى للإعلام، يوم 16 يونيو 2020، يحذر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أن تنشر شيئا، باستثناء البيانات الرسمية، عن الوضع في ليبيا، وسد النهضة في إثيوبيا، “والعمليات الحربية التي تقوم بها القوات المسلحة الباسلة في سيناء ضد الإرهاب”، والحرب ضد فايروس كورونا.

تتجاوز هذه المحظورات التقييد الظاهري للعمل الصحافي، إلى إحكام السيطرة العامة، واختبار مدى الاستجابة لقبول خفض السقف، حتى يطيح رأسا هنا وآخر هناك، أو يذل “المواطن” فيجبره على الانحناء؛ لكي يقبل الوصاية الأبوية، تلك التي كان على “الرعية” في أزمنة أخرى أن تذعن لها بالإكراه، خضوعا لمفهوم “الراعي والرعية”، وقد انتقل من مجال الفقه إلى الاستعمال السياسي، وبلغت ذروة تمثيلاته في مصطلح “القائد الضرورة” سيء الذكر والذكرى.

ولأن التاريخ لا يعلم أحدا، فقد أعاد محمد حسنين هيكل إنتاج المصطلح، ليلائم وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، فقال عام 2013 إنه أكثر المؤمنين بأفكار جمال عبدالناصر. واعتبره مرشح الضرورة لرئاسة الجمهورية، عام 2014.

إن ارتهان دولة بشخص واحد، ولو كان عبقريا ملهما، مهين لعموم الشعب، وتأكيد على العقم، وأن الشعب لن يتخطى مرحلة الطفولة، وعليه أن يمنح مفاتيح المستقبل إلى أب لن يصدق أنه غير معصوم من الموت، ولن يلبث أن يعلن باستعلاء: “لا أريكم إلا ما أرى”. وقد قيلت هذه الجملة علنا في عدة مناسبات، بصيغ مختلفة منزوعة الفصاحة ومشحونة بغضب المتعالِم.

وكان التخلي عن وهم “القائد الضرورة” إغلاقا لباب “الراعي والرعية”، وإطلاق أحلام وطاقات من يرون في أنفسهم جدارة بمنصب الرئاسة، فتُنزع القداسة عن المنصب، ويخضع صاحبه للمحاسبة، فلا هو “الراعي”، ولا الشعب “الرعية”، وإنما الجميع “مواطنون” يقتسمون مهامّ مؤقتة يحكمها الدستور.

مفهوم “الراعي والرعية” اختفى من الخطاب السياسي، وبقي في الخطاب الديني التقليدي، ولكن حقيقة الأمر تدل على تقاطعات بينهما تبلغ درجة التطابق، والارتقاء بهذا الراعي إلى منزلة الإمام المعصوم، وهي عصمة يغذيها مشاهير رجال الدين تطوعا أو تواطؤا. وليس أشهر من الشيخ متولي الشعراوي بين عصرين، في أولهما كان يتقلد منصبا سياسيا، وفي الثاني كان يتمتع بما يشبه القداسة الشعبية التي تضعه في مكانة دينية فوق سياسية. ففي عام 1977 كان وزيرا للأوقاف وشؤون الأزهر، ورفض أن يُنتقد السادات بعد زيارة القدس، وقال “لو أن الأمر بيدي لجعلت الرئيس المؤمن محمد أنور السادت في مقام الذي لا يسأل عما يفعل”.

حريّة مقيدة
حريّة مقيدة

وفي عام 1995 نجا حسني مبارك من الموت في محاولة اغتيال بإثيوبيا، وكانت فرصة لإعادة النظر السياسية والدينية في عصمة “الراعي”، والنظر إلى الرئاسة كمنصب سياسي، وليست “قميصا ألبسنيه الله” كما قال عثمان بن عفان في محنته. وذهب وفد من رجال الدينين الإسلامي والمسيحي لتهنئة مبارك بالنجاة، وخاطبه الشعراوي كأمير للمؤمنين لا رئيس لدولة محكومة بالدستور وليس بكتاب “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية” لابن تيمية. وردد خطابا يقول كل شيء ولا يقول شيئا: “الملك كله بيد الله، يؤتيه من يشاء، يُنزله الله.. لن يحكم أحد في ملك الله إلا بمراد الله”. (تكبير وتصفيق)، وكأن السفاحين حكموا بغير مراد الله.

باستثناء تهنئة موضوعية عاقلة من شيخ الأزهر جادالحق علي جادالحق، حمل الوفد خطابه الديني إلى القصر، فقال البابا شنودة “نحن نؤمن بيد الله في الأحداث.. مشيئة الله هي التي نفذَت”. وابتهج الشيخ محمد الغزالي واستعان ببيت من بردة البوصيري “عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأُطم”، وأمام الجمْع هنأه الغزالي “بيد الله التي انبسطت عليه بالرعاية والحماية”. أما الشعراوي فبدأ كلمته بثنائية الراعي والرعية، “أذن الراعي قلّما تتهيأ للسان الرعية”، واستعار قول المتنبي لسيف الدولة، واضعا كلمة “منجى” مكان «بُرء»، فيطرب مبارك للبيت: «ولا أخصّك في منجى بتهنئة/ إذا سلمت فكل الناس قد سلموا” (تكبير وتصفيق).

الجريمة سياسية مهما تكن دوافع منفذيها، ولكن الشعراوي فسرها على نحو آخر: “أقول للقوم جميعا: إننا والحمد لله قد تأكد لنا صدق الله في كلامه، بما جاء من الأحداث، فكيف كنا نفسر قول الله ‘ويمكرون ويمكر الله’؟ (تكبير)، وكيف كنا نفسر ‘إنهم يكيدون كيدا ونكيد كيدا’؟ (‘نكيد’ بدلا من ‘أكيد’ الواردة في الآية). الله يريد أن يثبت قيوميته على خلقه.. يا سيادة الرئيس (ووضع كفه على كتف مبارك): إذا كنت قدَرنا فليوفقك الله، وإذا كنا قدَرك فليعنك الله على أن تتحمل”. وبعد كلمة مبارك، كاد اللقاء ينتهي لولا نداء الشعراوي “أيها الشعب، أيتها الرعية، قدر الله لا يأتي إلا بخير”.

طالت الاقتباسات، وأعادتنا إلى ماض يلحّ دائما بمنغصاته. وهي عودة هدفها الاعتبار لا الحنين والإحياء. وبعد ثورة استهدفت تأسيس دولة دينها القانون، وعمادها المواطنة، كنا نرجو قراءة التراث الفقهي كتراث بشري من ثمار زمنه، في حدود مدارك مجتهدين أثيبوا بأجر أو أجرين، ولا يصح أن يهيمن بمفرداته علينا، فيجعل الشعب رعايا.

وبدلا من هذا الحلم، أفقنا على كابوس، خطاب سياسي يقتبس أسوأ ما في الخطاب الديني، فيهان المواطن بالوصاية عليه، ويحرم من شرف المشاركة في رسم مستقبله، وإذا حاولت الصحافة ممارسة دورها الرقابي والمعرفي، سارعت الجهة المنوط بها دستوريا “حماية حرية الصحافة” إلى فرض قيود بعضها ورد في الفقرة الأولى.

18