المجلس الوطني الفلسطيني بين الفراغ والامتلاء

فشلت اتفاقات ما سمي "المصالحة الفلسطينية" علما بأن الواقع، يقول إنها اتفاقات مصالحة بين كيانين، يجثم كل منهما على أرض فلسطينية محتلة أو محاصرة، وقد ضاق الشعب الفلسطيني بممارسات كليهما، وظل موحدا في وجدانه وأمنياته.
الأربعاء 2018/04/25
حدث يلخص المشهد الفلسطيني بكل علاماته وتصدعاته

بعد أسبوع واحد، يُفترض أن تشهد مدينة رام الله المحتلة حدثا يلخص المشهد الفلسطيني بكل علاماته وتصدعاته، وبكل ما يتبدى من انقسامات النخب الفلسطينية فيه. إنه الاجتماع الذي ينعقد تحت لافتة الدورة الثالثة والعشرين للمجلس الوطني الفلسطيني، برلمان المنفى الذي أضيف إليه أعضاء المجلس التشريعي للسلطة، الذين انتخبوا في يناير 2006.

 ويختزل هذا الانعقاد المزمع حقيقة بائسة أضنت الشعب الفلسطيني، وهي احتدام الخلافات الداخلية بين الكيانات الفلسطينية بدل حلها واستعادة اللحمة، على الرغم من توصل أطرافها إلى العديد من الاتفاقات التي وُقعت، واختلق لها الموقعون عليها، في كل مرة، بهجة زائفة. فالاتفاقات لا تُنفذ وتنجح، بنصوصها وحسب؛ وإنما بالاختبار الحقيقي وبصدق النوايا والرغبات، ولهذا الاختبار سياقاته.

أول هذه السياقات، يتعلق بطبيعة المشكلة التي يتصدى الاتفاق لحلها، وما إذا كانت واضحة تماما لدى أطراف الاتفاق أنفسهم قبل سواهم، بحيث يتأكد لهم أنهم يتحدثون عن الشيء نفسه، على أساس توصيف مشترك لمسار الخط التاريخي العام وتفصيلاته، فعندئذ يتحققون مما إذا كانوا يملكون بالفعل عقد اتفاق نافذ في موضوعه أم لا يملكون.

ثم تأتي في السياق نوعية العناصر المؤثرة سلبا في المشكلة أو المأزق. تركيبتها، قوتها، قدرتها على الحركة المستقلة، بعيدا عن الأطراف الراغبة في إدامة المأزق وتعميقه. وهناك سياق ثالث لاختبار نوايا الأطراف الفلسطينية، يتعلق برؤية العناصر المؤثرة إلى مطالبها، على أصعدة الأمن والقراءات السياسية والمصالح، وتبيان ما إذا كانت تساعد، أو لا تساعد، على إنجاح الاتفاق.

ويمكن أن تشكل البيئة العامة، وتفاعلات المرحلة والمواريث السياسية والفكرية والقناعات المُسبقة؛ سياقات أخرى لاختبار نوايا الطرفين الأصليين، فتح وحماس، أو غيرهما من العناصر المؤثرة فيهما. بالمحصلة، فشلت اتفاقات ما سُمي مجازا “المصالحة الفلسطينية” علما بأن الواقع، يقول إنها اتفاقات مصالحة بين كيانين، يجثم كل منهما على أرض فلسطينية محتلة أو محاصرة، وقد ضاق الشعب الفلسطيني بممارسات كليهما، وظل موحدا في وجدانه وأمنياته.

غير أن محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، الداعي إلى اجتماع تحت لافتة المجلس الوطني الفلسطيني، أهدى خصومه الحمساويين الكثير من المزايا والمساندين والشركاء في الموقف الرافض للانعقاد بهذه الشاكلة وفي المكان المُقرر. كان الإهداء العباسي للطرف الحمساوي، من خلال قراراته الخارجة عن كل منطق وعن كل عاطفة وكل إحساس بالمسؤولية، وبلغته السياسية التي تأنفها الذائقة الفلسطينية وذائقة المتعاطفين مع فلسطين، وحتى ذائقة من يختبرون جودة الكلام وصواب التفوهات في الحياة السياسية العامة.

 فبهذه الهدايا أصبح الانعقاد، في حال الإصرار عليه، يقتصر على فئتين: واحدة غالبة، وإن كانت ستصبح الغالبية في القاعة لا في المجتمع، تنوي تكريس الحال المزرية ومفاقمتها، والثانية ضئيلة وغير تمثيلية تشارك تحاشيا لأن تتعرض لعقوبات تطال قدرتها على استئجار مكاتبها، لكنها تُغلّف موقفها بالزعم أنها ستشارك لكي تطرح بعض المواقف في بعض قضايا الحال، بينما هي تعرف أن القرارات، كما نصوص الاتفاقات، شيء، والالتزام بها وتنفيذها شيء آخر.

نعلم من خلال نظرة سريعة على المشهد الإقليمي العام، أن منظومة الدول العربية، منشغلة بمشكلاتها أو بالتحسب لمخاطر تتربص لها، ولم تعد معنية بتفصيلات الأحوال في فلسطين، لا سيما وأن مصر، الدولة الأكثر وزنا في الإقليم، فعلت على مر عقد وأكثر، ولا تزال، المستحيل لكي يتصالح الطرفان المتخاصمان، ولم تصل إلى نتيجة. وطوال سنوات الفعل، نبهت إلى الآتي الخطير، وحذرت من مآلات الخصومة وتأثيراتها على الورقة السياسية الفلسطينية التي لم يعد يملك الشعب الفلسطيني سواها. فقد أحبط عدوهم المحتل، المقاومة بالنيران وأحبط المقاومة بالسياسة، وفي المقاومتين، كانت لطرفي الخصومة إسهامات جوهرية ساعدت إسرائيل على إنجاز الإحباط.

ففي المقاومة، سادت العاطفة وكانت ردود الأفعال من الجانب الفلسطيني غير محسوبة في حجمها، وكأن الحرب تمر كما الخطبة العصماء من فوق المنبر. وفي سياقها، كان الطرف الذي ينصح بالتأني، أو يريد أن يحسب ونبه إلى مخاطر الاندفاع فورا إلى الحرب، انطلاقا من بنية اقتصادية واجتماعية موجوعة،، يتعرض لسهام الخطيب كخائن.

أما في السياسة فكان الرهان على الأميركيين بالدرجة الأساس، وكان الطرف الذي يتقصّى التسوية لا يعرف دروبها، ولا يدرك أن البعد الاجتماعي للسياسة، هو الذي يؤمن حضور الكتلة الشعبية معه وعندئذ يمكن أن يؤثر إقليميا ودوليا. ففي هذا البعد يضبط السلوك وينصرف صاحب خيار السياسة إلى إرضاء شعبه لا الاستعلاء عليه وملاحقة أبنائه المقاومين الذين خرجوا من كل جوانب الفراغ المؤسساتي والبذخ السلطوي والشقاء في الحياة، وغياب اللغة الرصينة التي تتحدث عن تسوية لا بد منها دون أن تفارق الثقافة الوطنية.

فكيف لواحد، يُفترض أنه وليّ الأمر في مرحلة صعبة، أن يزعم القداسة للتنسيق الأمني مع الاحتلال، وأن يتظارف ويتحدث عن كون شعبه خادما وتحت حذاء هذا الاحتلال، فيما هو يتوسل التسوية، علما بأن الذين يحاول إقناعهم بأنه يستحق التسوية المتوازنة، مقتنعون أصلا، ويتمنون في قرارة أنفسهم أن يربح القائل الكتلة الشعبية الفلسطينية، لكي يؤثر في مجرى الأحداث.

يحتدم الشقاق بين النخب السياسية الفلسطينية، من خلال العناد والانعقاد المشوه لاجتماع ينتحل تمثيل الفلسطينيين. فالداعي يدعو الضيوف، كمن يرش على الموت سُكّرا. والضيوف بدورهم، يسجلون محاولة للمساعدة على أن تبقى الرمزيات الفلسطينية حاضرة، حتى ولو كان حضورها بلا حيثيات. فرئيس السلطة والمنظمة، يذهب إلى الاجتماع الذي دعا إليه، قادما من فراغ مؤسساتي، وكان الأجدر، أن يذهب قادما من امتلاء.

9