"المجهول" عالم سوداوي تمتزج فيه الجريمة بالخيال العلمي

فيلم للمخرج النيوزيلندي أندرو نيكول يقدم مدينة مجهولة المعالم، تعج بأناس مكشوفي الخصوصية، عدا امرأة واحدة من دون سجل ولا هوية.
الاثنين 2018/05/14
الكل تحت السيطرة

يثير فيلم “المجهول” للمخرج النيوزيلندي أندرو نيكول، الذي يعرض حاليا في العديد من صالات العرض السينمائي حول العالم، قضية الخصوصيات الشخصية المخترقة على منصات التواصل الاجتماعي.

ويمكن أن نصنّف العمل على أنه فيلم خيال علمي وتحرّ وإثارة ذات طابع سوداوي، حيث تقع الأحداث بمدينة مجهولة وزمن مستقبلي غير محدد، الناس تسير في فضاء رمادي اللون يغلب على ملابسهم اللون الأسود، والميزة الأساسية لهم جميعا أنهم مكشوفون رقميا.

والأشخاص السائرون في تلك الجغرافيا المكانية المجهولة سرعان ما تنفتح مع ظهورهم على الشاشة نافذة تكشف المعلومات الخاصة بكل منهم، أسماؤهم، أماكن عملهم وغير ذلك، لكن ماذا لو كان من بين كل تلك الحشود امرأة من دون سجل ولا تظهر معلوماتها إطلاقا؟

 

لطالما أثيرت قضية الخصوصية والمعلومات والتاريخ الشخصي باعتبارها إحدى إشكاليات زمننا الحاضر، ولطالما سمعنا عن منصات التواصل الاجتماعي وما يقع فيها من اختراق للخصوصية وللمعلومات الشخصية، لكن السؤال ماذا لو وصلنا إلى زمن لا تبقى فيه أي خصوصية تذكر ويصبح الكائن البشري مكشوفا بجميع المعلومات التي تخص حياته الخاصة والعامة على السواء؟

الناس في هذه المشاهد القاتمة تحوّلت رؤوسهم إلى كمبيوترات متنقلة، يتخاطرون في ما بينهم بالنظر ويقرأون أرشيف بعضهم البعض بسهولة، والوحيدة في كل هذا، هي تلك المرأة المجهولة (الممثلة أماندا سايفرايد) التي تمر من أمام المخبر والمحقق سال (الممثل كليف أوين) بالصدفة فلا يجد لها سجلا.

وتتفشى في المدينة جرائم قتل غريبة، حيث يتمكن هاكر مجهول من دخول منظومة الضحايا الرقمية متمتعا بخوارزمية متطوّرة، وبذلك الاختراق يدخل إلى الضحية ويسدّد لها رصاصة واحدة في الجبين، لتكرّر القصة بهذا الشكل، والفاعل هو تلك المرأة المجهولة.

ومن هناك، تستنفر قوات الشرطة، بعد أن كان كل منهم ببدلته الأنيقة وجلوسه الصامت يتأمل في الأفق، والحال أن كل فرد فيهم قد ولج المنظومة مُتصفحا الأماكن التي يريد تصفح معلوماتها، فضلا عن تبادل الملفات عبر النظر لاقتفاء أثر الفاعل.

ويتولى سال مهمة التحري ويوهم تلك المرأة المجهولة بأنه يريد استئجارها لقتل امرأة ما، منتحلا صفة محاسب في أحد البنوك، وللوهلة الأولى تنطلي الخدعة على المرأة المجهولة، لكنها تتمكن لاحقا من معرفة حقيقة أن سال، ما هو إلاّ محقق يتعقبها فتعاقبه بسلسلة من عمليات الإيهام التي تقلب حياته رأسا على عقب بمشاهدته أمورا غير حقيقية، فالهاكر، المرأة المجهولة محترفة في هذه اللعبة الخطرة.

واستند المخرج في المعالجة الفيلمية إلى المزج بين الشكل البوليسي والخيال العلمي، ولا شك أنه برع في كليهما لتقديم قصة سينمائية متماسكة دراميا وبناء سردي متقن.

وعلى مستوى الشكل الفيلمي، بدت الغرائبية هي السمة الغالبة على تلك الجغرافيا المكانية القاتمة، حيث ارتكزت المشاهد على معطيات بصرية كثيفة ومؤثرة احتشدت جميعها لتنقل المشاهد إلى بيئة لا يشعر أمامها سوى بإحساس عميق بالاغتراب وكآبة المنظر.

وأتقن سال في أدائه لدور المحقق بأقل ما يمكن من الحوارات، بمعية رئيسه في العمل الأمني، تشارلز (الممثل كولم فيور)، إذ يخوضان معا في تلك المتاهة التي لا قرار لها.

واستند الفيلم إلى خطين سرديين أساسيين، هما خط التحري المرتبط بسال والمرأة المجهولة وخط العالم السوداوي الذي تحتشد فيه باقي الشخصيات وفي مقدّمتها المرأة نفسها باعتبارها صارت قاسما مشتركا في المسارين.

وعلى صعيد البناء المكاني، بني المكان بحرفية عالية، كل شيء يظهر على الشاشة منتم بالكامل للبيئة البصرية القاتمة والسوداوية التي بني عليها الفيلم بصريا، ووظفت من أجل ذلك المؤثرات البصرية والغرافيك، وهنا برزت براعة مدير التصوير أمير موكري، وهو من أصل إيراني (مواليد 1956 في إيران) ويعيش في الولايات المتحدة منذ الثمانينات وعمل مدير تصوير للعديد من الأفلام قبل “المجهول”.

كما أن الميزة الملحوظة مكانيا أيضا، هي ضخامة المكان في مقابل تضاؤل الشخصيات، حيث الممرات والشوارع المقفرة يتكرّر ظهورها، فيما الشخصيات تسير متبوعة بنوافذ المعلومات الشخصية عنها.

وفي المقابل هناك إحساس بعدم الانتماء للمكان يزيد بالنسبة لسال على الأقل إحساسا مريرا بالألم بسبب فقدان طفله الوحيد في حادث، وهو مشهد ظل يتكرّر فيما هو يحاول استرجاع تلك الذكرى مع طليقته التي يجدها منصرفة لحياتها الخاصة، فيزيدها ذلك حزنا.

وعلى صعيد الصوت والموسيقى التصويرية، بدت براعة كريستوف بيك في صنع الجمل الموسيقية بشكل يتطابق كليا مع المشاهد الأكثر أهمية في الفيلم، فضلا عن نوع الموسيقى والآلات المستخدمة باقتصاد شديد ووعي تام بضرورتها من دون ضجيج يذكر.

وحظي فيلم “المجهول” باهتمام نقدي ملحوظ، إذ كتب عنه عدد من النقاد السينمائيين المعروفين في “الغارديان” البريطانية و”هوليوود ريبورتر” و”ذي إمباير”، كما خصه الناقد الفني روجر إيبيرت بمقال في موقعه الشخصي، وكلها أجمعت على أن العمل مليء بالمتعة البصرية الخالصة علاوة على جمالية المعالجة والبناء الدرامي المتقن.

16