المحاباة في التعليم: الأسباب والمظاهر

على المدرس لكي ينجح في مهمته التعليمية أن يكون شديد الحرص على التعامل الموضوعي في الفصل لكي لا يشعر المتعلمين بأي نوع من التفرقة أو التمييز.
الأحد 2018/06/10
المحاباة مرفوضة من منطق تربوي يرفض أي نوع من التمييز

مشاغل التعليم كثيرة ومتعددة تبدأ بالعودة المدرسية وما يصاحبها من استنفار في كل العائلات على اختلاف مواقعها الاجتماعية والمادية وتنتهي بالامتحانات الأخيرة التي “يكرم فيها التلميذ أو يهان” بما أنها ستحدد مسيرته المستقبلية وهي أيضا تتويج لمجهودات فردية وجماعية واجتماعية استنزفت فيها المجموعة الوطنية كل طاقتها البشرية والمادية. ويصاحب هذا الموضوع جدال حول مدى مصداقية النجاح والرسوب، حيث تطرح قضية شديدة الأهمية وهي “المحاباة”، التي تختلف حولها الآراء بين متهم ومدافع عن المدرس خاصة في المراحل الابتدائية والإعدادية من التعليم.

لا يمكن أن ننفي العلاقات الإنسانية في أي مجال حياتي كان، ولا وجود لموضوعية مطلقة في أي عمل ينجزه الإنسان، ولكن طرح قضية المحاباة في التعليم بالذات يكسبها خصوصية ناتجة عن أن المربي (المعلم والأستاذ) يتعامل مع أطفال ومراهقين يختلفون في تركيبتهم النفسية ومحيطهم الاجتماعي ومستواهم المادي، وهو أمر يفرض بالتأكيد دراية عميقة بأساليب التواصل الفاعلة في الأوساط المدرسية، ولكنّ للآباء والأمهات رأيا آخر فمنهم من يقرّ بنزاهة وشفافية العلاقة التربوية التي تجمع المدرس بتلميذه، ومنهم من يرى أن هذا المدرس حاد عن المسار الطبيعي لهذه العلاقة التربوية وحرّفها بمحاباته للبعض من تلامذته على حساب الآخرين.

لنحدد أولا مفهوم المحاباة من هذا المنظار، ففي مستوى الامتحانات على سبيل المثال يعمد المدرس لإسناد أعداد مرتفعة لبعض تلامذته لا تعكس مستوياتهم الحقيقية ولا تمثل المقابل الجزائي الحقيقي للمجهود المبذول، أو التساهل في التقييم وإسناد العدد أي عدم تطبيق جدول المعايير بنفس الطريقة على كل فروض التلاميذ.

 أما المظهر الثاني من المحاباة فقد يظهر في الأعداد المسندة للشفاهي والتي قد يتفاوت المدرسون في طريقة إسنادها، فبالإضافة إلى ما يسند نظير استعراض محفوظات أو معلومات بخصوص درس التاريخ أو الجغرافيا أو غيرهما من المواد، هناك منهم من يولون للانضباط وحسن السلوك والمثابرة وحسن الهندام الأهمية القصوى فتكون معيارا من أهم معايير إسناد العدد، وهو أمر لا يقبله الولي عادة لأنه لا يستطيع أن يتمثل مدى معاناة المدرس في الأقسام الابتدائية الدنيا خاصة.

يرى البعض الآخر من الأولياء أن هناك من المدرسين من يمارسون التفرقة بين التلاميذ في مظاهر من المعاملات الأخرى من قبيل التركيز على البعض وتركهم يشاركون باستمرار فيخطئون ويصلحون أخطاءهم وبذلك يستأثرون بالإفادة من التعلّم أكثر من غيرهم أو على حساب الآخرين، أو يعمد المدرس إلى توجيه النصائح إلى تلامذة دون غيرهم مما يحسسهم بأنه يحابي هؤلاء باهتمام زائد، وينقلون المعلومة إلى أهاليهم وهو ما يساهم في توتر العلاقة بين الولي والمدرس والمدرسة عموما.

وفي تقييم لما يسمى بالمحاباة في الوسط المدرسي هناك أسباب عديدة، منها ما يعود إلى المدرس وطريقة معاملته لتلامذته ومنها ما يعود إلى التلميذ نفسه. أما المدرس الذي لا يستطيع أن يعزل عمله في الفصل عن محيطه الاجتماعي فقد يسقط في ممارسة المحاباة بوعي أو من دونه، فعلاقات الجيرة والصداقة والقرابة الدموية كلها عوامل مؤثرة سلبا في الممارسة التعليمية، ففي بعض الأحيان يكون التلميذ من العائلة أو ابن الجار أو ابن الصديق محل اهتمام زائد من طرف المعلم أو الأستاذ وبإيعاز بل بإلحاح مستمر من الولي مما يسبب للمدرس إحراجا في اتجاهين؛ إحراجا مع الولي وإحراجا مع التلاميذ أنفسهم.

السبب الثاني ناتج عن أمور نفسية تتعلق بالميل لبعض التلاميذ لهدوئهم وشدة تعلقهم بالمادة المدرسة وحذقهم في التعامل مع المعلم وانضباطهم في علاقتهم بأقرانهم ومواظبتهم في القيام بأعمالهم المنزلية، وهو ما يعني بالتأكيد أنهم يفرضون أنفسهم على المدرّس عنوة بحيث “يتورط” تلقائيا في المحاباة دون وعي منه بأنه بذلك يميز بين تلاميذه، والسبب في هذا الطبيعة الجريئة والشخصية القيادية التي يتمتع بها بعض التلاميذ بفطرتهم حيث يريدون أن يتبوّؤوا المراتب الأولى بما في ذلك اهتمام مدرسيهم.

لعلوم التربية أيضا رأي في الموضوع، فرغم أن للمحاباة ما يبررها -بالخصوص شخصية التلميذ نفسه- إلا أنها مرفوضة من منطق تربوي يرفض أي نوع من التمييز سواء في إسناد الأعداد الجزائية أو في المعاملة اليومية، لأن الاهتمام يجب أن يكون على قدر المساواة بين الجميع ويجب أن يشمل خاصة التلاميذ أصحاب الشخصيات الانطوائية والذين يخافون المبادرة ويرفضون العلاقات المباشرة ويفضلون ترك مسافة بينهم وبين أقرانهم من ناحية وبينهم وبين مدرسيهم من ناحية ثانية.

على المدرس لكي ينجح في مهمته التعليمية أن يكون شديد الحرص على التعامل الموضوعي في الفصل لكي لا يشعر المتعلمين بأي نوع من التفرقة أو التمييز. كما على الوليّ أيضا أن يفهم طبيعة العملية التربوية ويساهم في إنجاحها دون البحث عما يعكر جوهر العلاقة التي تجمعه مع منظوره بالوسط المدرسي.

21