المحاصصة قانون بقاء المملكة الخضراء

رغم الرفض الشعبي المتصاعد فإن المنضوين تحت مظلة العملية السياسية يتشبثون بالمحاصصة، لأنها قانون بقاء مملكتهم الخضراء وإذا أزيلت فقدوا كل شيء.
الخميس 2018/11/15
الشعب يدفع ثمن هذه السياسات الطائفية

من ينتظر الإصلاح في العراق على يد المنضوين إلى العملية السياسية الحالية كمن زرع بذرة في صخرة وبقي ينتظر أن تصير شجرة وتثمر، والسبب بسيط هو أن العملية السياسية في العراق قائمة على نظام المحاصصة، الذي كان حجر الزاوية في مؤتمرات التمهيد للاحتلال، وهو بمرتبة القانون الراسخ في العملية السياسية، وبغير سلاح الطائفية سيبوء المشروع الأميركي في حماية مصالح الولايات المتحدة وصيانة أمن إسرائيل بالفشل، ولذلك ستبقى المحاصصة أساس الحكم في العراق وهي وحدها الضامن لإضعاف المواطنة وتفكيك قواعد البلاد العلمية والاقتصادية والثقافية.

ومن يلاحظ الأمر بدقة يجد أن قادة العملية السياسية مستوطنون لم يسمحوا لأحد من داخل العراق بأن يتولى رئاسة الحكومة مثلا. والغريب أنهم جميعا أجانب: ثلاثة منهم بريطانيون وهم إياد علاوي وإبراهيم الجعفري وحيدر العبادي، ورابعهم نوري المالكي وولاؤه لإيران، والخامس عادل عبدالمهدي وهو فرنسي الجنسية.

نظام المحاصصة يقسم المناصب وفقا لنسب المكونات الطائفية والإثنية بذريعة تمثيل هذه المكونات في السلطة، ولم يعرف العراق مثل هذا النظام إلا مع مجلس الحكم الانتقالي الذي هو أول تشكيل في النظام السياسي بعد احتلال العراق ينشأ على قاعدة المحاصصة الطائفية، وقسمت من خلاله وزارات الدولة ومؤسساتها على القوى الطائفية، ومنه ورثت الحكومات المتعاقبة هذه المحاصصة، التي أصبحت عرفا لا يحيد عنه أحد في تقسيم المناصب واختيار المسؤولين.

جميع القوى السياسية التي جاءت بعد الاحتلال، لم تتخل عن هذا العرف رغم ما أنتجه من فشل في إدارة الدولة وانعدام الفلسفة السياسية والاقتصادية وضعف الحكومات التي جاءت على أساس هذا العرف، وتولي الانتهازيين وغير الأكفاء المناصب العليا في الدولة وارتفاع مؤشرات الفساد والمحسوبية وانقسام المجتمع بفعل تسخير الجماعات الطائفية العشائر والميليشيات ومنابر المساجد ووسائل الإعلام في صراعاتها، ما أذكى الاحتقان الطائفي الذي رافقه الوضع الأمني المتردي والعنف الطائفي والعصبيات الضيقة.

الجماعات الطائفية وقوى الإسلام السياسي هي المستفيد الأول، إذ هيمنت على الحكم بفعل نظام المحاصصة وتحكمت أحزابها بالقرار السياسي والاقتصادي وأصبحت لها امتيازات ومكاسب كبيرة. تليها في الاستفادة مافيات الفساد المرتبطة بالقوى الطائفية الحاكمة فسيطرت على القطاعات الخدمية واحتكرت المشاريع الكبيرة وكونت شركات احتكرت موارد البلاد. وثالث المستفيدين طبقة الطفيليين المعتاشة على فساد القوى الحاكمة ومافياتها، من دون أن ننسى استفادة دول إقليمية أصبح لها نفوذ في العراق بفعل القوى الطائفية الحاكمة. أما المتضرر الوحيد فهو العراقيون الذين طالما تظاهروا رافضين نظام المحاصصة وقاطعوا الانتخابات الأخيرة، فقوبلوا بقمع من الحكام الطائفيين وميليشياتهم.

الأنكى من ذلك أن تشكيل الحكومة الجديدة خضع لنظام المحاصصة بنحو أشد، فصار الصراع المحاصصاتي ليس بين الطوائف والإثنيات فقط، بل انتقل أيضا إلى داخل الكتلة الواحدة والائتلاف الواحد، منتجا بيع المناصب بملايين الدولارات.

لكن أقسى ما أفرزه نظام المحاصصة ذلك التمزيق المريع للنسيج المجتمعي العراقي، عبر عمليات التهجير، التي تعرض لها مسيحيو الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، على يد تنظيم الدولة الإسلامية، الذي خيرهم بين الدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو الخروج من الموصل تاركين وراءهم كل ما يملكون، كما عملت الميليشيات الشيعية التابعة لطهران على تهجير السنة من البصرة وبغداد وبعض المحافظات الأخرى بهدف تشييع سكانها، بعمليات بدأت سنة 2003، وبلغت ذروتها سنة 2006، وهي عمليات تقف ضد مبادئ الإنسانية والقانون الدولي.

إن ظاهرة التهجير الطائفي موجودة منذ مدة، وتطل برأسها بين حين وآخر، فالدستور العراقي ملغوم باعتراف السياسيين أنفسهم، ومبني على الطائفية المزروعة في نفوس السياسيين، والتي انتقلت منهم إلى الشارع، مع الإشارة إلى أن نظام المحاصصة لا يستند إلى قانون أو دستور في العراق، وقد فرض عن طريق القوة وأصبح مقبرة للكفاءات.

مازال العراقيون يعربون عن رفضهم لنظام المحاصصة عبر التظاهر والاعتصامات، وقد طرحت محطة قناة روسيا اليوم الروسية على مشاهديها استطلاعا يقول “هل من مصلحة العراق اللجوء إلى المحاصصة الطائفية في انتخاب رؤساء السلطات الثلاث؟”، فكانت النتيجة الأولية لهذا الاستفتاء تشير إلى أن أكثر من سبعين في المئة من أصوات المشاركين فيه قد أجابوا بــ”لا”، لتأكيد أن هذا النظام الأميركي للحكم “الجديد” في العراق لا يعدو أن يكون قنبلة خطرة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، وهي بمنزلة البعبع الذي يهدد مستقبل العراق.

ورغم هذا الرفض الشعبي المتصاعد الذي ينذر بطوفان لا يعلم أحد عقباه، فإن المنضوين تحت مظلة العملية السياسية، مصرون على التشبث بنظام المحاصصة، لأن هذه المحاصصة هي قانون بقاء مملكتهم الخضراء وإذا أزيلت فقدوا كل شيء.

8