المحاصيل المعدلة بين ضرورات الأمن الغذائي والهواجس البيئية

الأربعاء 2014/12/31
المشاكل السياسية والحروب ومواسم الجفاف تعمق مشاكل الأمن الغذائي

القاهرة - ترتفع الأصوات للتنبيه بخطورة انعدام الأمن الغذائي وفي الوقت الذي يرى فيه البعض تكنولوجيا الهندسة الوراثية هي طوق النجاة الأخير من هذه الظاهرة يقول البعض الآخر أن هذه التكنولوجيا ستعمق الإشكاليات القائمة بدل إيجاد حلول لها.

تتزامن إعلانات مراكز الأبحاث العالمية عن ابتكار مُنتجات غذائية جديدة بواسطة تكنولوجيا الهندسة الوراثية، مع ارتفاع أصوات الكثيرين المحـذرة من مخاطر الهندسة الوراثية مُستقبلا.

ويقول مراقبون أن الهندسة الوراثية في المجال الزراعي تمثل حلا حقيقيا لتحقيق الأمن الغذائي على المستوى العالمي.

ويؤكد هؤلاء أن المخاوف المثارة في أوروبا من تداعيات هذه التكنولوجيا على الزراعة لا تستند إلى حقائق علمية مؤكدة.

من جهتهم يتمسك دعاة حماية البيئة بأن المحاصيل الزراعية التي تدخلت تكنولوجيا الهندسة الوراثية في زراعتها تؤدي إلى الإخلال بالتوازن البيئي نظرا لأن الجينات التي يتم حقن بذور المحاصيل المعدلة بها، تؤدي إلى تكاثُر أنواع مُعيّنة من البكتيريا غير المفيدة، كما تسهم في إضعاف تأثير المضادات الحيوية الصناعية أو الطبيعية للأشخاص الذين يتناولون هذه المحاصيل.

وفي الولايات المتحدة الأميركية هناك ضجة كبرى في أوساط الرأي العام حول المنتجات الزراعية المعدلة وراثيا حيث تدور مطالبات للشركات بتمييز المُنتجات المعدلة في الأسواق عن غيرها من المنتجات الطبيعية.

وذلك بهدف تسهيل عملية التمييز بينها في ظل حملات شعبية قوية تطالب بضرورة العودة إلى المنتجات، بعيداً عن استخدام الكيماويات والمُبيدات وغيرها.

وأخذت هذه القضية منعرجا حاسما في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بعد رفض هذا الأخير قبول المحاصيل الزراعية الأميركية المعدلة جينياً.

وفي إحصائية حديثة لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو”، فإن 37 دولة من دول العالم ومن بينها 20 دولة أفريقية، تُعاني نقصاً خطيراً في المواد الغذائية، وتحتاج إلى مُساعدات غذائية فورية.

ومن هذه الدول 33 دولة لديها مساحات من الأراضي، والموارد المائية التي تكفي لتوفير الاحتياجات الغذائية لسكانها وللتصدير، منها “السودان وأوغندا وزامبيا والكونغو برازفيل وأفغانستان”.

37 دولة من بينها 20 دولة أفريقية تُعاني نقصاً خطيراً في المواد الغذائية

وعطلت الصراعات الداخلية والحروب وغياب الإرادة السياسية الاستخدام الأمثل لمواردها. كما وقفت العراقيل السياسية لدول أخرى مثل العراق وكوبا، سدا أمامها لاستيراد الوسائل الحديثة للري و الزراعة، وبالتالي أصبحت تُعاني من مشاكل زراعية، بالإضافة إلى أن تعرُّض بعض البلدان إلى مواسم الجفاف مثل كوريا الشمالية مما أدى إلى نقص خطير في الأغذية بها هذا إضافة إلى النمو الديمغرافي الكبير في هذه البلدان ما يجعل مسألة توفير الغذاء أياً كانت طريقة مُعالجته هي التحدي الأكبر لحكوماتها.

وقال عالم الهندسة الوراثية أحمد مستجير في أبحاثه المتخصصة في المحاصيل الزراعية “إننا لا نستطيع أن ننكر أن الهندسة الوراثية هي العلم الذي يُساهم في حل مُشكلة الغذاء في العالم، من خلال تقليل الفاقد من المحاصيل الزراعية بسبب الآفات والفيروسات والبكتيريا، وكذلك رفع القيمة الغذائية وتقليل الفاقد في التخزين والنقل وزيادة كمية المحاصيل، ولابد من الاعتماد على هذا العلم لحل أزمة الغذاء في العالم”.

كما أن الشركات مُتعددة الجنسية، والتي تسعى إلى الحصول على أكبر قدر من الربح تعتمد فيما تقدّمه من تقنيات على استخدام محاصيل العالم الثالث، الذي يمتلك أكثر من 95 بالمئة من المحاصيل في العالم.

وتحصل هذه الشركات على المحاصيل المحسنة بسلالاتها، وتضع فيها جيناً لمقاومة الحشائش، ثم يصبح على مُزارعي العالم الثالث أن يدفعوا لتلك الشركات، إذا رغبوا في استخدام البذور، للحصول على مُنتجات بشكل أسرع وأكبر حجماً، فمثلاً 50 بالمئة من إنتاج الخضروات والفواكه في مصر يتعرّض للتلف بسبب الآفات، وبواسطة هذا الجين يستطيع المزارع زيادة الإنتاج القومي، وأيضاً اكتساب مناعة للجسم ضد الالتهاب الكبدي الوبائي، وإنتاج أنواع من البطاطس، تحتوي على نسبة ضئيلة من النشا للرجيم، وأخرى مقاومة للبرد، وموز يعالج الالتهابات، وقطن مقاوم للآفات، وفراولة تفوق حلاوتها أضعاف حلاوة الأصناف التقليدية ضد الحشرات.

أحمد مستجير: "لابد من الاعتماد على هذا العلم لحل أزمة الغذاء في العالم"

ويقول محمد نبيل العوضي أستاذ الهندسة الزراعية بجامعة عين شمس إن “الهندسة الوراثية للمحاصيل ضرورية لإمداد العالم بالغذاء ومواكبة النمو السكاني، ولكن ما يحدث عكس ذلك، فهناك ملايين من البشر في حاجة إلى الغذاء، ويُعانون من الجوع بشكل مُتزايد، خاصةً في دول القرن الأفريقي.

ويشير إلى أن الأغذية المعدلة وراثيا، والتكنولوجيا الحيوية، تساعد على إطعام العالم على كل المستويات. لكنه استدرك قائلا إن التكنولوجيا الجديدة قد كرست سيطرة احتكار الشركات الكبرى وبالتالي أصبح سوق الغذاء الذي يُنتج أكثر تكلفة.

ويؤكد العوضي أن الجوع في العالم وانعدام الأمن الغذائي، هي مُشكلة مُتكررة في معظم أنحاء العالم النامي، والتعديل الوراثي للمحاصيل ربما يمكنها تخفيف النقص العالمي في الغذاء.

من جانبه، يؤكد سمير طايل أستاذ الهندسة الزراعية بجامعة الأزهر، أن التكنولوجيا الحيوية وحدها، لا يمكن أن تحل مُشكلة الجوع في العالم النامي، لكنه أشار إلى المزايا الكبرى التي تمنحها التكنولوجيا الحيوية واسعة التطبيقات في مجال الزراعة وإدارة الثروة الحيوانية، وتخزين المنتجات الزراعية، والحفاظ على المحاصيل الزراعية.

ويوضح طايل أن التكنولوجيا الحيوية تقدم بديلاً واعداً جداً للأطعمة الاصطناعية، وتحسن تقنيات تربية النباتات التقليدية، ووضع حد للجوع العالمي.

ويشير طايل إلى سيطرة كبريات الشركات على المحاصيل المعدلة وراثياً، ما قد يهدد في نهاية المطاف سبل عيش غالبية صغار المزارعين في القارة الأفريقية وأميركا اللاتينية وآسيا، وخاصة أولئك الذين يعتمدون بشكل كبير على البذور الطبيعية.

وتشير أحدث التقارير الصادرة عن مُنظمة الأغذية والزراعة إلى وجود نحو 854 مليون شخص يعُانون من نقص التغذية في جميع أنحاء العالم، بنسبة 12.6 بالمئة من عدد سكان العالم البالغ حوالي 6.6 مليار شخص.

10