المحافظون في إيران ينافسون أنفسهم في السباق نحو البرلمان

انعدام الثقة بين الشعب ونظامه ينفّر الناخبين من صناديق الاقتراع.
السبت 2020/02/15
انتخابات لا تثير اهتمام الشارع الإيراني

تنفّس النظام الإيراني الصعداء بمرور الذكرى الواحدة والأربعين للثورة دون أي احتجاجات كتلك التي شهدتها البلاد السنة الماضية، حيث رفع الإيرانيون صورا للشاه رضا بهلوي تعبيرا عن غضبهم من نظام الولي الفقيه. لكن، هذا “الهدوء” الذي ساد لم يكن سببه تراجع الغضب الشعبي، بل عكس موقفا شعبيا إيرانيا قاطع الاحتفالات بذكرى الثورة مثلما يهدد بمقاطعة الانتخابات البرلمانية التي انطلقت حملاتها وسط إقصاء تام للإصلاحيين، وفي سياق تصاعد حملة الضغط القصوى الأميركية. لا يتوقع حدوث مفاجآت كبرى في انتخابات تبدو منضبطة داخل السياق الذي يهيمن عليه النظام السياسي، لاسيما الدوائر القريبة من المرشد الأعلى.

طهران - يتطلع المحافظون في إيران إلى السيطرة على أغلبية مقاعد البرلمان، إن لم يكن كلها بعد أن تم إقصاء أبرز المرشحين الإصلاحين والعتدلين، للتحكم في الأجندة البرلمانية بالطريقة التي اتبعوها بعد انتخابات 2008 و2012.

خلال الانتخابات التي تزامنت مع مفاوضات الاتفاق النووي، كانت إيران تحتاج لأن تجمّل صورتها في الداخل والخارج، لذلك وافق مجلس صيانة الدستور، الذي يهيمن عليه المحافظون، على معظم المرشحين الإصلاحيين لأول مرة في العديد من الدورات الانتخابية. وقد أدت الانتخابات إلى تهميش المتشدّدين الإيرانيين في البرلمان.

اليوم، تغيرت الصورة، ويحتاج النظام، الذي يواجه ضغوطا متصاعدة في الداخل والخارج إلى إحكام قبضته على كل مفاصل الدولة، ومن بينها البرلمان الذي يدار بعناية من قبل مجلس صيانة الدستور الذي يجب أن يوافق أيضا على المرشحين قبل أن يتمكنوا من الترشح للمناصب. ويجب أن يقر التشريع قبل أن يصبح قانونا مصادقا عليه في البرلمان.

ويراقب متابعون للشؤون الإيرانية التحولات الطارئة على أداء إيران السياسي المقبل من خلال دراسة تفصيلية لمجريات الحملات المتعلقة بالانتخابات التي ستجرى يوم 21 فبراير 2020، والتي تقرر إجراؤها بعد ثلاثة أشهر فقط من اندلاع احتجاجات تنديدا بارتفاع أسعار البنزين في جميع أنحاء إيران في نوفمبر 2019.

وتمثل الحملات الانتخابية مناسبة ومنصة للكشف عن نوعية النقاش الداخلي في إيران على خلفية ما تعانيه جراء العقوبات الاقتصادية التي تفرضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي ما تلقّته من ضربات عسكرية مباشرة، سواء من خلال تصفية واشنطن لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، أو من خلال الضربات التي توجهها إسرائيل والولايات المتحدة ضد مواقع إيرانية في سوريا والعراق، أو من خلال تضعضع ميادين النفوذ الإيراني في المنطقة.

وكشف استطلاع للرأي أجرته محطة إخبارية رسمية عزوف 82 في المئة من الإيرانيين عن المشاركة في الانتخابات. وسرعان ما حذفت محطة خبر المحلية التابعة للتلفزيون الإيراني الرسمي نتائج الاستطلاع الذي أجرته عبر قناتها على موقع تلغرام، وشارك به ما يزيد على 673 ألف شخص من متابعيها.

وبررت محطة خبر قرارها بحذف استطلاع الرأي من قناتها بأن الاستطلاع لم يكن مكتملا ووعدت بتقديم استطلاع جديد لاحقا بعد استكماله. ويقول مراقبون إن قصر مدة الحملة الانتخابية، كما العمليات القانونية المكثفة لإقصاء المرشحين المعتدلين والإصلاحيين عن خوض السباق الانتخابي، أثار تساؤلات حول الهوية الحقيقية لمن سمح لهم بخوض الانتخابات ووفق أي تقسيمات سياسية وعلى أساس أي ولاءات لاختيار البرلمان الجديد.

واجهة فرعية

فقدت المؤسسة البرلمانية في إيران الكثير من سلطاتها وصلاحياتها خلال العقود الأخيرة. وبات البرلمان واجهة فرعية لا تمثل حقيقة الصراع السياسي وتوازناته، حيث يتخذ قرار الحكم والتشريع الحقيقي في دوائر أخرى ووفق آليات موازية لا تترك للمؤسسة التشريعية إلا التصديق على ما يقرر خارج جدرانها وأصول عملها.

بات البرلمان ظلا وليس أصلا لإنتاج السياسة في البلاد، وهو عاجز عن فرض خيارات الدولة لإدارة السياسة الداخلية أو وضع العناوين الكبرى التي يتم وفقها تقرير السياسات الخارجية. ويقول مراقبون إن العملية الانتخابية تجري للاستعانة بشكل اصطناعي بالاقتراع الشعبي للتصديق على ما يقرره الولي الفقيه ومؤسسات الحرس الثوري ودوائر السلطة التابعة والموالية لخط المرشد علي خامنئي وخياراته.

وتجمع التقارير في إيران على انعدام وجود معركة انتخابية تواكب استحقاق 21 فبراير، وأن أمر عدم الاهتمام الشعبي بهذه الانتخابات يعود منطقيا إلى عدم وجود تيارات مناكفة للتيار المهيمن داخل آلية السلطة في البلاد، وبالتالي غياب نقاش حقيقي بين تيارات فكرية وشخصيات قيادية تستقطب توجهات شعبية متعددة.

82 في المئة من الإيرانيين يمتنعون عن المشاركة في التصويت بالانتخابات

وترصد التقارير حالة عدم ثقة بين الشعب في إيران ونظامه الحاكم. وقد أوجدت الاحتجاجات التي اندلعت منذ عام 2018 حتى الآن، والتي تعددت أسبابها وحوافزها وحيثيات تحركها وجغرافية انطلاقها، هوة كبيرة بين النظام والشعب، خصوصا أن المواطن بات لا يجد في هذا النظام إلا سلطة قمع، أي واجهة نقيضة وليست راعية وحاضنة للبلد وأهله. وعليه فإن برودة الناخبين تعود إلى عدم رغبتهم بالمساهمة في شهادة زور تشرّع لنظام الجمهورية الإسلامية برلمانا جديدا.

ويجد الناخب الإيراني نفسه أمام مشهد ضبابي في قراءة لوائح المرشحين، خصوصا أن لا أحزاب سياسية في البلد على غرار الدول الأخرى، حتى تلك في بلدان العالم الثالث، على نحو يجعل من عملية اختيار المرشح عملية ضبابية لا تخضع للمعايير التقليدية وفق البرامج الانتخابية أو وفق التوجهات المعروفة أو المستحدثة لتلك التيارات والأحزاب.

ويقول الخبراء إن غياب التنافس السياسي الواضح يجعل مسألة اختيار المرشح تجري وفق مواصفات لا تخضع لاعتبارات المصلحة العامة والسياسة الأصلح، بل لاعتبارات التسليم بالأمر الواقع الذي تقرره سلطة اختيار المرشحين وإقصاء غيرهم، بما يقدم للناخبين مشهدا من المرشحين تم انتخابهم من قبل السلطة الحقيقية للبلاد قبل إخضاعهم للاقتراع العام.

وتتحرك لوائح المرشحين وفق هامش يناقش ما يمكن لهم تقديمه من إضافات ومساهمات داخل البرلمان لمقاربة معضلات البلد في السياسة الاقتصادية. وتدور الحملات حول ما يمكن لهذا البرلمان أن يفعل لإحداث تحول يطال شؤون الميزانية والنظام المصرفي والسياسة التجارية والإسكان والطاقة والتلوث.

عملية تطهير

تعتبر مسألة التركيز على ما هو إنمائي معيشي أمرا مهما بالنسبة للإيرانيين، غير أنه لن يكون حافزا كافيا لدفع الناخبين نحو صناديق الاقتراع أو حتى تحريك همم الكتل الناخبة في الحملات الانتخابية قبل ذلك، رغم أن البلد يعيش أزمة خانقة سببها خيارات النظام السياسي، وبالتالي فإن أي معالجة جدية وناجعة لأزمات البلد وجب أن تمر من خلال تغيير سياسي يطال توجهات النظام برمتها، وإحداث انقلاب في آليات اتخاذ القرار، وغياب هذا النقاش عن برامج المرشحين يفقد البرلمان، المفترض أنه أساس النظام وجاهة وجوده.

وكانت تقارير غربية تحدثت عن عملية “تطهير” تجري في إيران ضد الإصلاحيين، ما قد يقضي على الاتفاق النووي. وكشفت هذه التقارير أن المحافظين المتشددين والحرس الثوري عازمون على التلاعب بالانتخابات البرلمانية بغية تأمين فوز كاسح داخل البرلمان، وهو ما من شأنه الإطاحة باتفاق فيينا الموقع عام 2015.

وتسلط التقارير الضوء على عملية استبعاد الكثير من المرشحين الإصلاحيين من قوائم الانتخابات، وبشكل ممنهج، من قبل مجلس صيانة الدستور، وهو كيان قوي مؤلف من 12 شخصا من رجال القضاء والدين، الذين يعينهم المرشد الأعلى للثورة شخصيا. وقد جرى، وفق ما أعلن رسميا، إقصاء أكثر من 90 مرشحا من قوائم المرشحين الإصلاحيين، التي تضم 290 مرشحا. وتقول بعض المعلومات إن حوافز الإقصاء استندت على أسباب اعتباطية يصعب التيقن منها من ارتكاب مخالفات مالية وتنتهي بعدم الإيمان بالإسلام.

6