المحافظ الجديد للمركزي الجزائري في مهمة شبه مستحيلة

السلطات الجزائرية في سباق مع الزمن من أجل تعديل أوتار التوازنات المالية للبلاد.
السبت 2019/11/16
أسرار خلف أبواب الصندوق الأسود

تجمع الأوساط الاقتصادية الجزائرية على أن المحافظ الجديد للبنك المركزي سيكون في مهمة شبه مستحيلة لإعادة ضبط أوتار السياسة النقدية للدولة النفطية، التي تعاني من أزمة حادة في ظل الحراك الشعبي، وسط محاولات حكومية مضنية لوقف إهدار أموال عوائد الطاقة بعد تعيين شخصية جديدة ستقود شركة سوناطراك في الفترة المقبلة.

الجزائر - تعطي التحركات المتأخرة للسلطات الجزائرية لتعيين من يقود أهم مؤسستين في البلاد دلالات عن مدى الارتباك في تسيير دواليب الدولة وتظهر حجم القلق من تردّي الأوضاع المعيشية والانعكاسات السلبية على أداء الاقتصاد.

وأعلنت الرئاسة المؤقتة عن حركة على رأس مؤسستين حساستين في الاقتصاد المحلي، ويتعلق الأمر بالبنك المركزي وبشركة سوناطراك النفطية المملوكة للدولة.

ويأتي التحرك بموازاة الغموض، الذي يلفّ مستقبل اقتصاد الدولة العضو في منظمة أوبك إثر مصادقة البرلمان على قانون المحروقات المثير للجدل.

وتم اختيار أيمن بن عبدالرحمن، محافظا جديدا للبنك المركزي، بعدما بقي المنصب شاغرا، غداة تعيين المحافظ السابق محمد لوكال وزيرا للمالية في حكومة تصريف الأعمال بقيادة نورالدين بدوي، بعد اندلاع احتجاجات الحراك الشعبي.

ولن تكون خطوة ملء الفراغ على رأس المركزي في حد ذاتها مسألة ذات أبعاد سياسية بالأساس، لكن التعيين الجديد سيفتح خفايا الصندوق الأسود لهذه المؤسسة النقدية لأنها جاءت في خضم عدم انسجام بين القطاع المصرفي والحكومة.

وهناك أسباب كثيرة لا يمكن اختصارها في تعيين محافظ جديد أو وضع معضلة الاقتصاد على مشجب إدارة السياسات المالية من قبل المركزي فترة حكم الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

ويربط متابعون التغيير في هرم المركزي، بالمأزق المالي الذي تتخبط فيه البلاد، حيث وجدت الحكومة نفسها في مواجهة خيارات مؤلمة.

أيمن بن عبدالرحمن المحافظ الجديد لبنك الجزائر المركزي تنتظره ملفات حارقة تحتاج إلى إصلاحات جذرية وعاجلة

وبينما تقول أوساط مالية إن القرار جاء على خلفية انخفاض مقلق في سعر الدينار في السوقين الرسمية والسوداء، فإن شقا آخر يربطه بتصريحات المسؤولين حول تسارع تبخر احتياطات المركزي من العملة الصعبة.

وفقد الدينار منذ بداية الأزمة النفطية في عام 2014 نحو 40 بالمئة من قيمته مقابل الدولار ونحو 15 بالمئة مقابل اليورو، بإيقاع لا يزال مستمرا، وهو أمر يضغط بشكل حاد على القوة الشرائية للمواطنين.

ويبدو أن السلطات ستكون مرغمة على الاستمرار في خيار التمويل غير التقليدي بطبع كتلة جديدة من الورق النقدي، أو اللجوء الى تخفيض قيمة الدينار أمام العملات الصعبة لتغطية العجز الذي تعاني منه الخزينة العامة.

وقد وجد لوكال، نفسه محرجا أمام نواب البرلمان في وقت سابق بشأن عدم الرد على طلب مدراء البنوك التجارية تبرير مصدر الأموال المتحركة في حسابات العملة الصعبة إذا تجاوزت سقف الألف يورو.

ورجح لوكال خلال جلسة في البرلمان لمناقشة موازنة 2020 استمرار تراجع احتياطات النقد الأجنبي حتى نهاية العام المقبل لتصل إلى مستوى 51.6 مليار دولار بعد أن كانت في حدود 197 مليار دولار قبل 5 سنوات.

ويعكس عدم الانسجام لدى القطاع المصرفي والحكومة حالة الارتباك التي تعاني منها المالية العامة للبلاد، خاصة منذ نهاية العام 2014.

واضطرت الحكومة في ذلك الوقت إلى انتهاج أساليب مرنة في استقطاب العملة المحلية والصعبة من السوق الموازية لمواجهة شح السيولة غداة الأزمة النفطية التي نسفت أكثر من نصف مداخيل الدولة، حيث نزلت في 2016 من سقف 70 مليار دولار إلى أقل من 30 مليار
دولار.

Thumbnail

لكن المسألة طرحت عدة معوقات تتصل بمصدر الأموال المستهدفة، خاصة المتأتية من تبييض الأموال والتجارة المحظورة ونشاط الجماعات الجهادية، ووصلت في الأخير إلى الأموال المنهوبة من طرف لوبيات الفساد.

وتظهر الأرقام الرسمية أن المركزي طبع نحو 56 مليار دولار من العملة المحلية، وأن العجز بلغ سقف العشرين مليار دولار، وهو ما يعكس حجم التحديات المعقدة التي تواجهها الحكومة.

وربط مراقبون تعيين مدير جديد لسوناطراك، التي تعد المصدر الأساسي للعوائد من العملة الصعبة بمصادقة البرلمان على قانون المحروقات الخميس الماضي، وبدء تجسيد التوجهات الجديدة للحكومة في المجال النفطي.

وينتظر أن يسمح التعيين الجديد على رأس سوناطراك بإعداد الأرضية البشرية والتشريعية لمباشرة تجسيد القانون الجديد للمحروقات وفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط والغاز.

وعكس عدم الاستقرار في هرم الشركة ارتباك السياسات الحكومية، خاصة في السنوات الأخيرة، حيث تداول عليها 3 مديرين في ظرف عام واحد، رغم أن الإجماع كان قائما على ضرورة مراجعة قانون المحروقات للسماح للشركة بتطوير نفسها، وبتلبية الحاجيات المحلية من الطاقة ومداخيل العملة الصعبة.

وكان مصدر مسؤول في الشركة قد كشف عن حاجة سوناطراك إلى استثمارات مالية تقدر بثمانية مليارات دولار من أجل تطوير امكانياتها التقنية والبشرية وتجاوز نتائج العزلة التي فرضها القانون القديم.

11