المحاكاة الساخرة تفجّر موجات ضحك من السينما القديمة

"ليلتكم سعيدة" مسرحية مصرية تتقاطع فيها الخيانة مع السياسة.
الأربعاء 2020/07/29
سخرية من ثقافة السيلفي

وجد العمل المسرحي المصري “ليلتكم سعيدة” المعروض حاليا بالقاهرة في نهاية الأربعينات فترة ثرية لإسقاطها على الواقع الحالي، ورصد تغيرات منظومات القيم والعيب والتقاليد عبر العصور، مع مساحة واسعة للمحاكاة الساخرة للسينما والدراما القديمة وطريقة افتعال الممثلين في أداء أدوارهم خلالها.

القاهرة - يمثل العمل المسرحي “ليلتكم سعيدة” للمخرج والمؤلف خالد جلال، توليفة من المحاكاة الساخرة “بارودي” للدراما والسينما المصرية القديمة بطريقة أدائها المفتعلة، مع مزجها بمقارنات مضحكة للتغيرات العنيفة في ثقافة العيب والعادات والتقاليد بين العصور وتحكماتها في ممارسات البشر.

وتستمد المسرحية، التي تمثل تعاونا بين مسرح المواجهة والتجوال والبيت الفني للمسرح، فكرتها الأساسية من قصة “فتاة الكورس” للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، لكنها قدّمت معالجة مختلفة تتجاوز كثيرا قضية الخيانة الزوجية وإجبار الزوجات على التسامح من أجل أبنائهنّ، إلى تشابكات رمزية مع الفساد السياسي والمالي لطبقة الأثرياء وانغماسهم في الملذات.

وتدور المسرحية حول “فريد” (الفنان محمد أحمد علي) الذي تربطه علاقة عاطفية بالراقصة درية (الفنانة بسنت صيام) لا يتجاوز عمرها الزمني أسبوعا واحدا، ويتعرضان لقدر كبير من الابتزاز المالي لمنع فضح رابطتهما من مخبر سري مزعوم، وصاحبة بيت أزياء عريق، قبل أن يتبيّن في النهاية وقوع الراقصة في براثن عصابة متخصّصة في الاستيلاء على أموال فنانات الاستعراض يتزعّمها عشيقها.

تلميحات مشفرة

محمد أحمد علي أتقن التعبير بلغة الجسد عن الهزات النفسية لمجتمع الرجال
محمد أحمد علي أتقن التعبير بلغة الجسد عن الهزات النفسية لمجتمع الرجال

يحمل العمل الذي تم تقديمه بالتزامن مع الاحتفال بذكرى ثورة يوليو 1952 نوعا من التقريظ للفترة السابقة عليها ومظاهر الفساد الاقتصادي والسياسي، فالراقصة تلتقي عددا من أصحاب السلطة والنفوذ، وتطوف بهم محال الملابس والمجوهرات الفاخرة، وتبتزّ جيوبهم الممتلئة بقدر ضئيل من الدلال واللين اللفظي ومداعبة غرائزهم.

ويعطي العرض تلميحات مشفرة وسريعة عن نهاية عصر طبقة “الباشوات” الذي استمر لقرن كامل تملكوا فيه كل شيء، بدءا من السلطة والمال والسياسة، فلقب “الباشا” كان في الغالب معادلا لوزير سابق أو مرشحا محتملا للوزارة، ولم تمنع المكانة الاجتماعية حامليه من إقامة شبكة علاقات مع راقصات شارع عمادالدين، الشهير بوسط القاهرة، وكشفهم لأسرار الدولة في أسرة المتعة الحرام.

وتمكن مؤلف العمل ومخرجه خالد جلال، من خلق صورة للحياة في نهاية الأربعينات بديكور يجسد المرحلة الزمنية، وأثاث يعبر عن ثراء مجتمع الراقصات في حينه، ومراعاة النشاط الفني المواكب للفترة الزمنية بالتطرق لأعمال الفنان علي الكسار وفرقته، وأغاني “حرج عليّ بابا” لسيد درويش، والفساتين الواسعة المزركشة والقبعات النسائية أوروبية الطراز، والطرابيش الرجالية الحمراء.

وتخلق المفارقات قدرا من استدرار الضحك في العمل، كتأكيد المخبر السري على امتلاكه لمجموعة صور لعلاقة العشيقين التقطها خلسة بفضل آخر صيحات التكنولوجيا ونتاج العلم الحديث الذي يتيح له تصوير العملاء دون معرفتهم ليفصح عن كاميرا ضخمة يضعها في حقيبة للسفر، أو تأكيد البطل على تأخّر الوقت ورغبته في العودة للمنزل بعدما أصبحت الساعة السادسة والنصف مساءً.

خالد جلال تمكن بالديكور والملابس من تجسيد مرحلة الأربعينات جيدا
خالد جلال تمكن بالديكور والملابس من تجسيد مرحلة الأربعينات جيدا

يشعر المشاهد أنه أمام تقليد ساخر لطريقة تمثيل الفنانين يوسف وهبي ومحمد عبدالوهاب بطريقة الحديث التي تتضمّن قدرا من الألفاظ الصعبة وشجن على مواقف تبدو بسيطة للغاية، وطريقة الحوار بين العشيقين بعبارات محفوظة في التراث السينمائي المصري القديم على غرار: “ارحم عذابي”، “أتوسل إليك”، “تكاد الأفكار تقتلني”، “اعذري اندفاعي لأني أمام جمالك.. أفقد صوابي”.

وتتضمّن المسرحية “مورالا” أخلاقيا يتعلق بالطمع الذي كان الغشاوة التي أعمت عيون الجميع، فالراقصة التي تحيطها هدايا الأغنياء من كل صوب أعمتها ادعاءات زوجة البطل شكرية (الفنانة مريم السكري) ببيعه أطيانا زراعية لوضعها تحت أقدامها وغامرت بثروة كبيرة من أجل اصطياده، والعصابة ذاتها رفضت نصيحة قائدها بالاختفاء عن الأنظار فترة حتى تهدأ نار العملية الأولى، واتقاء شرّ العلاقات التي تربط مجتمع الراقصات ببعضهنّ، فكان مصير الأشقياء السجن المشدّد 15 عاما.

ونجحت المسرحية في توظيف الموسيقى لصالح إثارة الضحك في المفارقات المستمرة بالعمل، بالاعتماد على إعداد موسيقي مستوحى من الموسيقار المصري ـ اليوناني آندريه رايدر في فيلم “الرجل الثاني” لرشدي أباظة، والتي جاءت مع بعض المواقف البسيطة لتعطي إحساسا بالمفارقة بين سخونة أحداث العمل الأصلي وتوظيفها في أحداث بسيطة مثل تلقي الزوج اتصالا هاتفيا من زوجته وهو في بيت العشيقة، فيخرّ صاعقا من الرعب.

ويعتبر الكذب الخطيئة الكبرى التي لا يمكن غفرانها، فالعشيقة التي تبيع الهوى تتلعثم حينما تطالبها زوجة العشيق أن تقسم بالله على عدم وجود علاقة بينهما وتحذّرها من عقوبة الحنث باليمين يوم الدين، والزوج ينتفضّ بعد وصفه بالكاذب ولم يتخذّ الموقف ذاته حين وصف بالخائن، وهو الدائم التردّد على أماكن العاهرات وبائعات الهوى.

واعتمدت المسرحية على التناقضات بين الفضيلة والخيانة، بتقسيم المسرح إلى جزأين أحدهما في اليمين لمنزل الزواج الطاهر المليء بدفء الحب ورائحة الطعام، وفي اليسار بيت الخيانة ببرودته ووحشته حتى لو كان عامرا بأفخم الأثاث وزجاجات النبيذ والفاكهة المستوردة، وبين الصورة الذهنية للزوجة الوفية التي تصحو فجرا لخدمة أسرتها ورعايتها، وفي المقابل العشيقة التي تسهر للفجر لبيع الهوى لمن يمنح أكثر من الهدايا والأموال والألماس.

ورفضت المسرحية الالتزام كثيرا بالنص الأصلي الذي يجعل المرأة المتزوجة كيانا ضعيفا يركع تحت أقدام راقصة استعطافا لها لترك زوجها لأسرته وأبنائه، لكنه حافظ على جعل العشيقة المتضرّرة الأولى من العلاقات الآثمة، فتظل دائما عرضة للمقارنة بينها وبين الزوجة الأصلية في الطهر والعفة والتضحية.

ويسخر العرض بشكل غير مباشر من انتشار ثقافة التقاط صور “السيلفي” في جميع تفاصيل الحياة اليومية للأجيال الجديدة وما تتضمنه من مخاطر، فزعيم العصابة، الذي يهرب من الراقصات في كل مرة بادعاء تعرّضه للقتل على يد زوجته يرفض مزاولة عملية نصب على راقصة جديدة دون التقاط صورة جماعية مع عائلته، والتي كانت سببا في دخولهم جميعا السجن بعدما رأتها إحدى ضحاياه في محل لتحميض الصور في وسط القاهرة، ووشت لصديقها من أصحاب النفوذ فكلّف الأمن بضبطه.

تهييج الذكريات

مريم السكري جذبت الأنظار بطريقتها التلقائية في العمل الشبيه بأسلوبها المعتاد في أعمال السيتكوم التي تخصّصت فيها منذ انطلاقتها الفنية
مريم السكري جذبت الأنظار بطريقتها التلقائية في العمل الشبيه بأسلوبها المعتاد في أعمال السيتكوم التي تخصّصت فيها منذ انطلاقتها الفنية

لا يخلو عرض “ليلتكم سعيدة” من تهييج ذكريات الماضي بذكر تفاصيل انزوت في حياتهم منذ عقود بطريقة تغليف الملابس القديمة، وأسماء عطور أجنبية اندثرت مثل “أنوثة”، وسلاسل تجارية لا يزال بعضها موجودا مثل “عمر أفندي”، وفتح المجال للتندّر بين الماضي حينما كانت ملتقى لصفوة المجتمع، وحاضرها الذي لا تواجه فيه شبح التصفية وتعجز عن جذب الزبائن لتصريف منتجاتها المعروضة.

وتمتد السخرية من فكرة الأسماء وتوصيفاتها، كاسم فريد الذي ظل مفضلا لأبطال أعمال الأربعينات مثل أنور وجدي، ومحسن سرحان، واعتبرته اسما حديثا ومستحدثا يجذب الفتيات ويوقعهم في حبال صاحبه من الوهلة الأولى، كذلك الحال بالنسبة لـ”شوشات” الذي ظل ملازما للسينما المصرية لعقود كماركة مسجلة لأصحاب بيوت الأزياء أو الملاهي الليلية ومعناه في اللغة أعلى رأس الببغاء.

وتعتبر المسرحية مباراة تمثيلية بين الفنان محمد أحمد علي الذي عبّر بلغة الجسد عن الهزات النفسية لمجتمع الرجال حينما يتعرضون لخطر الابتزاز والتهديد بالفضيحة، ومريم السكري التي جذبت الأنظار بطريقتها التلقائية في العمل الشبيه بأسلوبها المعتاد في أعمال “السيتكوم” التي تخصّصت فيها منذ انطلاقتها الفنية.

ويرى العمل أن المرأة في أي عصر وفي كل مكان، تذوب عشقا في الكلام المعسول عن الحب، فالراقصة نسيت خسارتها 800 جنيه مصري (تعادل قيمتها في حينه ثلاثة كيلوغرامات من الذهب الخالص) في ساعات قليلة أمام عبارات “أنا أحبك.. قلبي يهواك.. أصبحت أسيرا لحبك منذ أن رأيتك”.

15