المحتالون يفسدون جولات السياح في عاصمة النور والحب

تعد باريس عاصمة يتمنى الجميع زيارتها لاكتشاف جمالها وثقافتها ومعالمها المعمارية، بل كل من يزورها يخطط للعودة إليها، لكن هذه الرغبات والأمنيات بقضاء عطلة بجانب برج إيفل أصبح ممزوجا بالقلق من انتشار ظاهرة السرقة والنشل التي تستهدف السياح الجدد.
الأحد 2015/09/13
سياح مهددون بان يصبحوا مشردين اذا ما نهبت أموالهم

باريس – مشهد دائم التكرار في باريس.. في صباح ساخن بعاصمة النور، تنتظر مجموعة من المراهقين وصول السائحين أمام أبواب قصر غارنييه، مقر دار الأوبرا الفرنسية الشهيرة.. غالبا ما تكون المجموعة مكونة من خمس فتيات من أوروبا الشرقية.. “هل تتحدث الإنكليزية؟ من فضلك وقع هنا”.. العبارة التي تقولها إحداهن وهي تظهر استمارة لجمعية للصم والبكم أو الأطفال الأيتام أو المعاقين، وغالبا في أفضل الحالات يكون الأمر أحد أساليب الاحتيال، وفي أسوئها عذرا مثاليا لتشتيت انتباه الضحية فيما يقوم آخرون بسرقة محفظته والانطلاق فارين.

هذه واحدة من ضمن الحيل الكثيرة التي يستخدمها اللصوص للاحتيال على السائحين أو سرقتهم، خاصة إذا ما كانوا زوارا من الصين وفقا لما أكده رينو غوتييه، رئيس فرقة مكافحة الجريمة بالحي التاسع بباريس “أترى هذه الفتاة هناك؟ إنها تقوم بحيلة الخاتم” يقول الشرطي وهو يشير إلى مراهقة ترتدي بنطالا قصيرا تتظاهر بأنها عثرت على خاتم وتحاول استمالة سائحين بوضعه في أيديهم مقابل نقود. بعد عبور الشارع يحدد قائد الشرطة مكان عدد من الشباب طوال القامة تخصصهم هو تشتيت انتباه الناس أثناء استخدامهم لماكينات الصرف الآلي ليضغط أحدهم زر الحد الأقصى من السحب ويستولي على كل النقود.. غوتييه يعرف المشتبه بهم الأكثر خطورة، والكثير منهم يأتي من خارج باريس للبحث عن فريسته في هذه المنطقة المركزية التي تستقبل من 200 ألف إلى 300 ألف سائح يوميا.

ماريا.. شابة رومانية عمرها 16 عاما من الوجوه المألوفة هناك، تبدو أكبر سنا وهي حامل مثل باقي شريكاتها الثلاث اللاتي يطالبن بالتوقيعات، منزلها ليس سوى كرافان متنقل في حي كورنوف والتبرعات التي تحصل عليها من السائحين غير الواعين تساعدها على دفع تكاليف المعيشة.

تقول ماريا “نتحصل على 10 أو 15 يورو يوميا” دون حساب الأموال التي يكسبونها من السرقات، وحذر شرطي سائحة أميركية من محاولة احتيال قائلا “سيدتي تفحصي جيبك، هؤلاء الفتيات كن يحاولن سرقة سيدة آسيوية منذ قليل”.

وطوال عقود كان مترو باريس مليئا بلافتات تحذر من النشالين وكل أنواع اللصوص، إلا أن المشكلة زادت بشدة في السنوات الأخيرة، حيث أن عصابات الجريمة المنظمة دخلت في اللعبة، لذا فإن العاملين بمتحف اللوفر قاموا بإضراب في أبريل الماضي للاحتجاج على تزايد التصرفات العدوانية من جانب عصابات اللصوص، حيث يقول العاملون إنهم كانوا يتعرضون للاعتداء والسباب من جانب النشالين فضلا عن التهديد بأشياء فظيعة.

قام المتحف بتحسين الأمن ووضع تحذيرات بعدة لغات وأنشأ نقطة أمنية لتقديم الشكاوى والبلاغات، كل هذه الأمور ساهمت في تقليل السرقات في محيط المكان بصورة ملحوظة، ولكن كلما أغلق منفذ فتح آخر
منذ ذلك الحين، قام المتحف بتحسين الأمن ووضع تحذيرات بعدة لغات وأنشأ نقطة أمنية لتقديم الشكاوى والبلاغات، كل هذه الأمور ساهمت في تقليل السرقات في محيط المكان بصورة ملحوظة، ولكن كلما أغلق منفذ فتح آخر كما يقول المثل، لذا فإن العصابات المنظمة بدأت في العمل بعيدا عن وسط المدينة وفي أحياء الضواحي حيث تقيم دائما أفواج السائحين القادمين من الصين.

الحالات الأكثر جذبا للانتباه وقعت على الطريق الذي يؤدي إلى المدينة من مطار شارل دي غول. ففي مرتين على الأقل خلال 2013 قامت جماعة من اللصوص بالهجوم على حافلتين سياحيتين كانتا علقتا في الزحام حيث كسرت عناصرها زجاج النوافذ وقامت بسرقة الركاب المرعوبين. وعلى الرغم من أن هذا النوع من السرقات ليس شائعا لدرجة الظاهرة، إلا أنه أصبح في الصين موضوعا مثيرا للجدل خاصة إذا وجدت مجموعة من الأشخاص لها الرغبة في زيارة “مدينة النور”. الأمر ذهب إلى ما أبعد من هذا لدرجة أن عنوان جريدة (ساوث تشاينا مورنينغ بوست) في إحدى المرات كان “سرقات الأفواج الصينية تتزايد بصورة كبيرة في باريس”.

مثل هذه التعليقات لا يتم تجاهلها في فرنسا، فباريس تدرك أن الصين والأسواق الصاعدة الأخرى هي الحل الأمثل بالنسبة لها لمواجهة مسألة انخفاض أعداد السائحين القادمين من أوروبا التي تضربها الأزمة.واجتمعت شرطة باريس والجهات المسؤولة عن السياحة مع ممثلين عن شركات السفر الآسيوية والمنشآت الفندقية بفرنسا، ومن ضمن القرارات التي تم التوصل إليها توصية العملاء بعدم حمل مبالغ مالية ضخمة في جيوبهم أو حقائبهم وتجنب الأجانب الذين يطلبون منهم القيام باستطلاعات رأي. يأتي هذا في الوقت الذي زادت خلاله دوريات الأمن في المناطق السياحية الرئيسية والأحياء التي يقيم بها الزوار، وحول الأوبرا يسير شرطيان طوال الوقت بين المتاجر الكبرى، في الوقت الذي يتواجد فيه خمسة رجال أمن بزي مدني تابعين لفريق غوتييه في المنطقة للقبض على اللصوص متلبسين.

كل هذا إلى جانب وضع 10 كاميرات لمراقبة المنطقة. ولكن المشكلة الكبرى أنه حتى في حالة إلقاء القبض على البعض، فإن أغلبهم يتم الإفراج عنهم دون توجيه تهم، لسبب من اثنين إما لكونهم قصر أو لعدم وجود هوية معهم وهو الأمر الذي يقول عنه غوتييه “نحن نلقي القبض على نفس الأشخاص، الأمر ليس مشكلة خاصة بالشرطة، بل أكبر من ذلك بكثير”.

17