المحتفلون بالنصر في "حرب المدن" خففوا الوطء

شعارات كبيرة بالنصر في معركة الموصل ضد تنظيم الدولة الإسلامية يرفعها الجيش العراقي ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وقوات الحشد الشعبي. شعارات لا تبعث على الطمأنينة لأنها ترفع في سياقات خاصة، فالجيش يسعى إلى محو مرارة تلك الصورة عندما فر من الموصل بشكل مفاجئ وغريب، والعبادي يضخم من النصر في سياق التنافس مع خصومه السياسيين، أما قوات الحشد الشعبي فالنصر يعني لها ترسيخ قدمها وقدم إيران أساسا في ثاني أكبر مدن العراق. في هذه الأجواء تبدو شعارات النصر جوفاء، فصدى صوتها لا يبعث على الفرح بل على المزيد من القلق، فداعش وجه من أوجه الأزمة، وانهياره يعني الانتقال إلى مرحلة المواجهة المباشرة مع إيران.
السبت 2017/07/08
فرقة مكافحة إرهاب داعش، هل تتحول إلى مكافحة إرهاب إيران

ما يسمى بتحرير الموصل يجب ألا يكون نصرا مذهبيا شيعيا جديدا، أو أن يؤدي إلى منح إيران فرصة لبسط المزيد من نفوذها.

المعسكر العربي بقيادة السعودية يوشك على الاحتكاك بالمعسكر الشيعي بقيادة إيران. في حسابات السياسة فإن السنة في حالة تراجع. وأعتقد أن تحالف واشنطن مع الحكومة العراقية الشيعية وميليشيات إيران كان من تركة الرئيس أوباما. لم يكن أمام الرئيس ترامب سوى الانتظار حتى يتمّ سحق الدواعش، ولو بهدم الموصل ومصرع المدنيين.

لم يكن بوسع الإدارة الجديدة فعل شيء، فمخطط الإدارة السابقة كان يهدف إلى بسط نفوذ إيران وحصار السعودية. نحن كعرب التزمنا حتى الآن ببنود قمة الرياض التي نشرها البيت الأبيض، حيث طلبت الولايات المتحدة دعم القوات العراقية حتى القضاء على داعش نهائيا، ولكن هذا البند فيه اشتراط آخر وهو الحد من نفوذ طهران في العراق.

الوضع تغير الآن وعلى الرغم من أن الشيعة يحاولون الاحتفال بنصر “وطني” في الموصل، فهو في الحقيقة نصر “شيعي” لا شأن للعرب به، فهو ليس نصر المشير حفتر في ليبيا، ولا نصر الرئيس عبدالفتاح السيسي بسيناء، بل نصر حكومة عنصرية متحالفة مع إيران، لها مشروع لا يقل خطرا عن داعش.

وإذا كانت الموصل قد تحررت من يد المغول فإنها قد وقعت بيد الصفويين. هذا الوضع سيتغير وأعتقد بأن عند العرب اليوم مشروعا متكاملا، وهناك المال والقوة والتصميم. ربما ستواجه المدن الشيعية مصيرا مشابها للموصل والفلوجة إذا استمر الحال على هذا الشكل. في النهاية إيران بدأت منذ الحرب العراقية الإيرانية معركة أطلقت عليها “حرب المدن”.

بدأ الموقف العربي الحازم بالتصدي لمشروع الدوحة. قطر أبدعت هذا التحريض المذهبي وتوريط السنة في التطرف لإدارة مواجهة دون طائرات ولا موافقة أميركية. نظام إخواني مسموم يستحق العزل فقد دعا الهنود الحمر ومعهم الطائرات الحديثة التي تحلق من قاعدة العديد القطرية ومن تركيا الأردوغانية الإخوانية مع استشارات عسكرية أميركية متقدمة إلى هدم مدننا الواحدة بعد الأخرى. هدية الإخوان المسلمين إلى إيران.

بدأت الحقائق تتكشف فأحد شيوخ الأنبار قال على قناة العربية إن الأنبار عازمة على تقديم شكوى دولية للتعويضات بمبلغ 100 مليار دولار من قطر. فقد حرضت على التطرف بسبب وجود حقل عكاز الغني بالغاز في الأنبار.

يقول الشيخ ما إن شرعت الشركات الأجنبية بالتنقيب فيه حتى اتفقت كل من قطر ثالث دولة في العالم بالغاز الطبيعي وإيران ثاني دولة في العالم بالغاز الطبيعي على تخريب الأنبار وهدم المدن السنية العراقية لوقف هذا التهديد لاستثماراتهما الضخمة بالاعتماد على الإخوان المسلمين وعملاء إيران.

أميركا تغيرت الآن وتحررت من عقيدة أوباما والمعركة في بدايتها فقط. بالنتيجة مدننا كلها هُدمت وأهلها تشردوا في بقاع الأرض، وهذا الاحتفاء بالنصر ليس وطنيا. مجرد جولة انتقام إيرانية جديدة وسيأتي يوم تتراجع فيه هذه العاصفة.

انتصار ناقص

تحرير الموصل بهذه الطريقة يشبه تحرير الحوثيين لمدينة يمنية سيطرت عليها القاعدة. وكان يمكن للطائرات الأميركية أن تحلق لدعم قوات الحوثي والحرس الثوري في اليمن للقضاء على القاعدة لولا عاصفة الحزم التي أخذت على عاتقها القضاء على الحوثيين والإرهابيين معا. فهل نحتفل اليوم بانتصار “حوثيي العراق” لمجرد أنهم دحروا الإرهاب؟

بإمكان حوثيي العراق الاحتفال. نحن لا شأن لنا بهذه الحفلة. تحالف أميركا مع حوثيي العراق قضية بحاجة إلى إعادة النظر، فهو دعم أميركي لإيران ومشروعها العنصري. في كل الأحوال الموصل تحررت من داعش، وستتحرر غدا من الحوثيين أيضا.

الموصل قبل داعش كانت تعاني من القمع العنصري، منذ سياسة الجعفري وضباط المالكي والاعتقالات والتعذيب والإعدامات الميدانية والإهانات في الساحات العامة. كان أهلها مكروهين لأنهم بعثيون وقوميون فكيف سيكون حالهم اليوم بعد أن أضافوا لهم صفة “الداعشية”.

داعش كانت مخططا قطريا إيرانيا مشتركا دعمته حتى المخابرات الأميركية السابقة لزعزعة موقف العرب السنة في المنطقة والتشكيك في هويتهم. غير أن السنة لن يستسلموا لإيران إلا إذا استسلمت السعودية.

ثم كيف تعيش ذليلا في دولة عنصرية بحجة أنك بعثي صدامي داعشي أدخلت الشيشان على عرضك وقدمت لهم جهاد النكاح، بينما الهنود الحمر يتبخترون ويدعون لأنفسهم المجد وأنت مجرد ظل وعار وطني. السنة تنقصهم معركة ذكية يقاتل فيها الأميركان إلى جانبهم وتدعمهم فيها الطائرات وهذه أهمية السعودية. أصلا ضرب قطر مهم جدا، فهي ضربة للفخ والطابور الخامس ومعارك السنة الغبية.

المؤسف في العراق لم يكن هناك خيار، فقد كانت أميركا متحالفة سلفا مع حكومة عنصرية طائفية تابعة لإيران. إن الاضطهاد الشيعي للسنة كان السبب في ظهور داعش، أو على الأقل السبب في تقبل مثل هذا التنظيم. ذلك الغضب السني المتطرف والغبي. فكيف نحتفل بأي من هذين المجرمين. أهل الموصل لا علاقة لهم بالنصر فهم في حالة خوف وذعر فقد خلصهم الله من داعش ليقعوا مرة أخرى تحت نفس الحكومة التي سلمتهم لداعش. بإمكان أهل الموصل الآن دفن قتلاهم، فبعض الجثث تعفنت في البيوت، والتقاط أنفاسهم بعد هذا القصف العشوائي والجوع والعطش والسير حاملين أطفالهم على أنقاض البيوت المحترقة.

أما من ناحية رأي الأميركان في الجاهزية القتالية للجيش الذي هرب من الموصل ولم يعد إلا برفقة الأميركان وقاسم سليماني فتقرير رسمي أميركي يقول إنهم اضطروا إلى إرسال 6 آلاف عسكري أميركي رغم رفضهم لإرسال جنود، لأن القوات العراقية لا تمتلك قدرات تكتيكية، وفوقها نبشت الطائرات الأميركية المتطورة قلوب الدواعش وأنفاقهم وقناصيهم نبشا، ومع ذلك استغرق الأمر ثمانية أشهر.

عشرون ضربة جوية في اليوم على منطقة مساحتها 0.6 ميل مربع. يقول التقرير إذا رأت القوات العراقية إرهابيين اثنين أو ثلاثة فإنها تطلب ضربة جوية في منطقة سكانية ذات كثافة عالية بالمدنيين. وتقرير أميركي آخر يضع رقما متواضعا للخسائر بين المدنيين يُقدر بـ1200 إنسان فقط، والمتوقع عشرة أضعاف هذا الرقم. هذا غير الأبرياء الذين تعدمهم القوات العراقية ميدانيا بدوافع طائفية.

عنصرية طائفية

داعش تنظيم إرهابي قذر والنظام العراقي طائفي عنصري. هذه نماذج لا تستحق الذكر ومعروفة في التاريخ المظلم للبشرية، على الأقل كان صدام حسين مجرد دكتاتور، قضية مفهومة وأقل قذارة من هذه النماذج. أعتقد أن العنصرية مفهومة أكثر من الطائفية لدى العالم لأن “الطائفية” توحي بوجود قوتين متكافئتين، وهذا غير صحيح. في العراق السلطة عند طائفة والعزل تتحمله طائفة أخرى، لهذا نرى أن مصطلح العنصرية أكثر دقة فهو يكشف حالة عدم التكافؤ بالقوة، والطبيعة الوحشية للنموذج السياسي في العراق.

حزب الدعوة الحاكم يعمل على كسب شباب الموصل، ويشاع عنه تركيزه على النخبة، والموصل فيها نخبة وحملة شهادات ومتحضرون ينفعون كوادر حزب الدعوة، بينما تم الاتفاق على ترك الأنبار لفيلق بدر الإيراني الذي يبحث عن محاربين، وسمعة الأنبار بأنهم أهل حرب. كل هذا يتم بمباركة الإخوان المسلمين والحزب الإسلامي فهم الوسيط الذي يساعد إيران على تنفيذ مشروعها.

وفي هذا الخصوص وصلتني رسالة تقول “أستاذ أسعد تعقيبا على منشورك بخصوص الأنبار وبدر ما شاء الله بعض البوعلوان والحلابسة والجميلة فضحونا. كل شاب سني محارب أصبح يتبختر بهوية منظمة بدر الإيرانية. أصبحت الفلوجة مليئة بالشباب المنتسبين إلى فيلق بدر. أغلب منتسبي بدر من أهل الأنبار هم من عشيرة البوعلوان، وحاليا هناك موقع لمنظمة بدر بمنطقة النساف”.

أهل الموصل لا علاقة لهم بالنصر فهم في حالة خوف وذعر فقد تخلصوا من داعش ليقعوا مرة أخرى تحت نفس الحكومة التي سلمتهم لذلك التنظيم

على الجانب الآخر قامت عناصر في ميليشيات حزب الله العراقي ببسط نفوذها على سيطرة الصقور، وتقوم بإغلاق بغداد في وجه الأنباريين. يأتي الأنباري تحت الشمس الحارقة وينتظر على باب الصفويين دخول عاصمته وبيته طوال النهار. تراهم يتوسلون ثم يعودون للانتظار في اليوم التالي دون جدوى. الصفويون قرروا الاحتفال بالعيد دون منغصات العرق الأنباري ورائحته العروبية.

لا أعتقد بأن المنصور بنى بغداد لحزب الله بل اتخذ من الأنبار معسكرا له حتى بناء المدينة المدورة. وجهاء الأنبار هددوا بإعلان المحافظة إقليما وفتح الحدود مع المملكة الأردنية الهاشمية. وللأنباريين نفوذ وتقدير خاص في العاصمة عمّان.

إذا كانوا يعاملونكم بهذا الاحتقار ويغلقون العاصمة العباسية وبلادكم في وجوهكم كيف تحتفلون بانتصارهم على داعش؟ خصوصا بعد أن كشف المصور والصحافي علي أركادي حقيقة هؤلاء الجنود في المجلات والصحف العالمية. حيث نشر وثائق تثبت القتل العشوائي لأهل الموصل وحالات الاغتصاب من قبل الجنود المعبئين بالحقد الطائفي.

في اجتماع المعارضة الإيرانية بباريس الذي انعقد قبل أيام قال ستراون ستيفنسون، الرئيس السابق لبعثة الاتحاد الأوروبي في العراق، إن “الميليشيات العراقية التابعة للنظام الإيراني قامت بمجزرة في الموصل وقتل أبناء السنة في العراق”. فكيف ينتمي بعض شباب الأنبار إلى منظمة بدر؟

أي زمان أغبر هذا؟ عملاء إيران يمنعون الأنباريين من دخول بغداد! لو أخبرني عراف بهذا عام 1989 لضحكت منه. الأنبار العربية أهل الخير والكرم ومعسكر العراق القومي. كانت تحملهم عيون بغداد وقلوب بناتها بين الرصافة والجسر وتتشرف بهم أكبر البيوتات البغدادية الأصيلة. الأنبار حماة الديار. كيف صاروا يقفون طوابير بانتظار موافقة الهنود الحمر وحوثيي العراق.

أسوأ شيء في سياسة الهنود الحمر أنهم يقسمون أنفسهم ألف فصيل، وعندما يرتكبون جريمة يقولون ليس نحن بل حزب الله، ليس نحن بل عصائب الحق، ليس نحن بل النجباء، ليس نحن بل فيلق العباس، ليس نحن بل جيش المهدي، ليس نحن بل الشرطة الاتحادية، ليس نحن بل مكافحة الإرهاب، ليس نحن بل فرق الموت، ليس نحن بل فيلق بدر. هذه طريقتهم القذرة. يقومون بتدويخ الخصم وستكتشف من أول صاروخ سعودي -قادم لا محالة- على رأس أي عنوان من هذه العناوين الملوثة بدماء سنة العراق أنهم جميعا قلب واحد وجريمة واحدة.

في كلمته في اجتماع المعارضة الإيرانية أكد الأمير تركي الفيصل على التعايش بين الشعوب، وأن الصراع العربي هو مع ولاية الفقيه وليس مع الإيرانيين. المشكلة أنه عرض وجهات نظر مراجع شيعة ضد فكرة الخميني حول “ولاية الفقيه” مثل شريعة مداري والخوئي لكنني غير متأكد من جدوى ذلك.

فما جدوى اختلاف مراجع شيعة مثلا؟ نحن لا نرى خلافات ولا مشاكل في المعسكر الشيعي. أقصد صراعات حقيقية تؤدي إلى ضعف نفوذ إيران. على العكس ما رأيناه في العراق أن التماسك بلغ درجة تقسيم الأدوار. واحد مع ولاية الفقيه، وواحد مع شورى الفقهاء، وواحد ملحد، وواحد مع زواج المثليين، وواحد مع لبس البرقع، وواحد مع الرقص الإسباني، وواحد يدّعي أنه ضد المرجعية، وواحد يجاهر بشتم إيران. حتى الاعتصامات والثورات على حكومتهم يقومون بها ويقتحمون منطقتهم الخضراء.

المعركة الحقيقية تبدأ الآن

دفاعا عن النفس وليس إرهابا

المهم تدويخ الخصم وبالنتيجة لا توجد نتيجة كلهم يحيطون بالمشروع الإيراني ويصلّون خلفه. معسكرهم متماسك بل يتسع حتى لاستيعاب الشيوعيين، لا نرى تمردا شيوعيا مثلا ضد الإسلام السياسي الشيعي في العراق. صحيح هناك فساد وتراجع في الخدمات وحالات تذمر لكن ما قيمة كل ذلك أمام هذه الإنجازات التاريخية المبهجة المتمثّلة في هدم المدن السنية وتشريدهم وسحقهم.

ليست هناك مشكلة في منع شعب الأنبار من دخول بغداد في العيد. يبدو أن الهنود الحمر يحبون الاحتفال دون منغصات، بعيدا عن رائحة أهل الأنبار العربية الكريهة في أنوفهم. لا مشكلة في سيطرة حزب الله على سيطرة الصقور ومنع المريض وصاحب المعاملة والمقاول وسائق الشاحنة المحملة بالخضار من دخول عاصمته التي بناها وشيّدها أجداده. لا مشكلة في منع العوائل الأنبارية الكريمة من زيارة أقاربهم ببغداد. لا مشكلة على الإطلاق فهم مجرد مليوني أنباري بعثي صدامي داعشي كريه. المشكلة تستحق الاهتمام فقط حين يأتي أنباري غاضب ويفجر شاحنته بسيطرة الصقور.

نحن نريد من الرئيس دونالد ترامب شيئا واحدا؛ ألّا يعتبر أن قتال عملاء إيران والدفاع عن النفس “إرهابا”، نريد معركة عربية عادلة وشاملة يشارك فيها كل العرب.

فقلْ للشامتينَ بنا أفيقوا/ سيلقى الشامتون كما لقينا (الفرزدق)

كاتب عراقي

7