المحتوى المتواضع العنوان العريض لأزمة الإعلام التونسي

توسعت أزمة القنوات الفضائية التونسية في الآونة الأخيرة، وبات ضعف المحتوى الإعلامي المقدم العنوان الأبرز لمختلف برامجها، حيث اضطر بعضها لإغلاق أبوابه وتسريح الصحفيين والعاملين، بينما تبادلت أطراف متعددة متدخلة في القطاع الإعلامي الاتهامات بشأن المسؤولية الكامنة وراء هذا التردي.
الاثنين 2015/09/28
الصحفيون هم أول من يتحمل النتائج السلبية لأزمة القنوات الفضائية

تونس - شهد الوسط الإعلامي في تونس طفرة في عدد القنوات التلفزيونية إثر الانفتاح الإعلامي الذي شهدته البلاد بعد الثورة، لينتقل الجدل من مساحة الحريات المتاحة إلى أداء وسائل الإعلام وطبيعة المحتوى الذي تقدمه وجودته، ثم تحول إلى أزمة أصبحت العنوان العريض الملحوظ في وسائل الإعلام التونسية حاليا.

ويعتبر الإعلاميون أن تنوع المشهد الإعلامي السمعي البصري، لم يسعف الفضائيات، العامة منها والخاصة، في شدّ المشاهد وبقي أداؤها ضعيفا ودون المأمول ولم تنجح في خلق مادة إعلامية ثرية ومتنوعة، وفي خلق مادة إخبارية تعتمد السبق الصحفي وتثير ضجة إعلامية.

ضعف الأداء الإعلامي بدوره خلق مشاكل أخرى أبرزها الأزمات المالية التي باتت تعصف بالقنوات الفضائية التونسية وانعكست بشكل مباشر على الصحفيين والعاملين فيها. واشتد الخلاف بين الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري “الهايكا” المسؤولة عن منح التراخيص للفضائيات، وأصحاب رؤوس الأموال الذين دخلوا المجال لأهداف متعددة، لا تتعلق في أحيان كثيرة بالرغبة في الاستثمار بالميدان الإعلامي، لتتجاوزه إلى المصالح السياسية.

وتقول وسائل الإعلام المحلية إنه مع انطلاق الحملات الانتخابية، حاول بعض رجال الأعمال استغلال المنابر الإعلامية والترويج لأنفسهم في هذه القنوات، التي لم تصمد طويلا لأسباب عدة: أولا لسحب أصحابها أموالهم منها وهو ما أدى بالضرورة إلى إفلاسها وتسبب في غياب إنتاجها، في ما بعضها الآخر اختار الانسحاب من المشهد، والبقية لازالت تحاول الصمود مع محتوى يتراوح بين المتوسط والمتواضع.

وفي هذا الصدد أكد الناقد خميس الخياطي، “أن بعض التلفزيونات أقيمت لأغراض حزبية حتى أن هناك من استعمل شعار قناته كشعار لحملته الانتخابية، وبعد أن خسروا سياسيا لم يعد يهمهم الإعلام ففرطوا في تلك الفضائيات ونفس الشيء لبعض الصحف أيضا”.

هشام سنوسي: تلفزيونات وقعت في دائرة التقليد فأصبح هناك استنساخ لنفس التصورات

بعض المتابعين الإعلاميين برأوا الهايكا من إفلاس القنوات الفضائية، في ما حمّلها عدد آخر المسؤولية لأسباب عدة أولها أن الهيئة تسند التراخيص دون دراسة كافية لهذه الملفات، ويرى البعض الآخر أن المسؤولية يتحملها أصحاب هذه المؤسسات الذين استغلوا تلك الفضائيات في فترة ما ثم هجروا القطاع.

واعتبر الخياطي أن الهايكا، لا تتحمل مسؤولية إفلاس بعض القنوات، وقال إن الهايكا عندما تسند إجازة بث فهي تعتمد على دراسة اقتصادية وشهادات مالية ولا تتدخل في مصدر تلك الأموال، فالتلفزيونات هي مؤسسة اقتصادية لذلك لا بد أن يدرس صاحبها سوق الإشهار منذ البداية لأنها تعيش فقط من الإعلانات.

وأبدى الناقد استغرابه من بعض القنوات التي مازالت تبث لكن لا يوجد فيها أي إعلان وهو ما يطرح أكثر من استفهام”.

وأكد الخياطي أن الهايكا هي هيئة تعديلية لا يخول لها التدخل في البرامج أو في طرد الصحفيين أو في غلق قناة من طرف صاحبها.

من جهة أخرى يقول الخياطي “هناك نوع من الإهمال وضعف إنتاج على الفضائيات التونسية التي تفتقد إلى مديري برامج وإن تواجدوا فمهامهم لا تتعدى الحضور فحسب”.

هذا الواقع خلّف أزمة لدى الصحفيين تجلت في تسريح البعض وإيقاف البعض الآخر عن العمل بما من شأنه التأثير على استقلالية العمل الصحفي كدعامة لحرية التعبير والتأثير على جودة الرسالة الإعلامية، وتجلى بشكل واضح في قضية الصحفيين المسرحين من قناة حنبعل. وهو ما دفع نقيب الصحفيين التونسيين ناجي البغوري إلى الطلب من الهايكا بعدم تجديد ترخيص قناة حنبعل.

وقال البغوري إن النقابة ستقاضي القناة باسم الصحفيين الذين تم طردهم، كما تعتزم الاتصال بالشركات الكبرى المعلنة لمطالبتها بوقف التعامل مع هذه القناة.

خميس الخياطي: هناك نوع من الإهمال وضعف إنتاج على الفضائيات التونسية

واعتبر أنّ القناة الخاصة حنبعل لا تحترم عقود تشغيل الصحفيين وأنّها بصدد انتهاك حقوقهم المادية والمس من كرامتهم عبر تسريحهم بشكل جماعي وهو ما يعتبر، وفق تقديره، شكلا جديدا من ضرب حرية الصحافة. وأشار إلى أنّ رئاسة الحكومة لها دور في مراقبة تطبيق القوانين.

بدوره يرى هشام السنوسي، عضو الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، أن هناك أزمة عامة في القطاع مرتبطة خاصة بضيق سوق الإشهار (الإعلان)، إضافة إلى أن الإشهار العمومي غير منظم، هذا دون الحديث عن أن هذه التلفزيونات وقعت في دائرة التقليد فأصبح هناك استنساخ لنفس التصورات.

ويقول السنوسي إن الهايكا كانت أمام تحد وهو إرساء التعددية، معتبرا أنها نجحت في هذا التحدي.

وأضاف أما بالنسبة إلى التلفزيونات التي تفشل ولا تستطيع مواصلة الإشهار فلدى الهايكا الحلول لتجاوز الأزمة باعتبار أن هناك تصاعدا في الطرد التعسفي للصحفيين وهناك عدم التزام بالأحكام الواردة في كراسات الشروط وهناك من قدم معطيات أظهر الواقع فيما بعد أنها غير صحيحة.. وفي مثل هذه الحالات وإذا ما تفاقم الوضع أكثر من ذلك بكثير يحق للهيئة سحب الإجازات ويحق لها أيضا إعادة عرضها للعموم في شكل طلب عروض ووفق شروط خاصة من بينها استيعاب العاملين والموظفين والصحفيين في المنشأة وحل مشاكلهم المادية.

وأشار عضو الهايكا إلى أن الهيئة تتمنى عدم الوصول إلى مثل هذه الحلول ولكنها تظل مطروحة كحل أقصى في مثل هذه الحالات.

ودعت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري المؤسسات السمعية والبصرية إلى احترام كراسات الشروط وخاصة في ما يتعلق بحقوق العاملين فيها بما يحفظ كرامتهم.

18