المحررون في موسم الراحة

الثلاثاء 2017/10/03

لا يكاد مرجل غرفة الأخبار في عموم الصحف ووكالات الأنباء والمحطات الفضائية الكبرى يهدأ، فالأخبار لا يتوقف تدفقها على مدار الساعة وذلك “الرول” العجيب الذي يدور لا يعرف الكلل ولا الملل محمّلا بالجديد من أخبار الكوكب الأرضي وما عليه ومن عليه.

غرفة الأخبار التي تشهد اجتماع المحررين بلحاهم غير الحليقة وأربطة العنق المرخاة لا يعرف سوى سجالا يتعلق بكيفية تمرير الخبر، تلك الكيفية التي في ضوئها سوف يتفاعل الجمهور مع الحدث، لا تقل قيمة الكيف هذه عن قيمة الخبر نفسه فليس كلّ ما يُسمَع يُقال أو يتم تصديقه وترويجه، ذلك هو الشرط غير المعلن لغرف الأخبار قاطبة.

لكن ماذا عن ذلك الجيش من محرّري غرف الأخبار الذين تقدّم صور الأرشيف نشاطهم اليومي وهم بكامل طاقتهم منهمكون بسيل الأخبار تدقيقا وفرزا وتمحيصا، كان ذلك في أزمنة خلت وهي في كل الأحوال صور تشاهدها على جدران الصحف ووكالات الأنباء الكبرى، تريك حقيقة ما كان من أجواء غرفة الأخبار.

أما القصة اليوم فهناك محرّرون وهم في الطائرة أو هم يتناولون إفطارهم أو هم في السرير أو في المقهى أو في قارعة الطريق بإمكانهم أن يحرروا ما شاؤوا من أخبار ويرسلونها عبر أجهزتهم الإلكترونية اللوحيّة وحتى هواتفهم النقّالة. سيطير الخبر بجناحين كاملين إلى كل أصقاع العالم وسيترجم فورا إلى العشرات من اللغات بينما المحرر لم يكمل قهوته بعد.

أيّ محرّر مدلّل هذا الذي وظفت التكنولوجيا الرقمية الحديثة أدوارا جديدة له لم يكن متصوّرا أن تصل إلى هذه الدرجة، إنهم المحررون الذين غادروا غرفة الأخبار واجتماعاتها الصارمة وتحوّلوا إلى موسم الرّاحة عندما يتحوّل كل ما حولهم من أماكن إلى غُرف أخبار افتراضية ومن هناك يمكن أن يفعلوا الكثير، لكنّ متاعب المهنة سوف تكتسب شكلا آخر، إنها راحة ظاهرية وإلا فالمحرر في حالة عمل مستمرة ما عدا ساعات النوم القليلة التي يتمتع بها.

ربما سمع بهذه القصة أحد الوزراء العراقيين من محدثي النعمة فقال متبجحا في لقاء تلفزيوني معه إنه يدير الوزارة من هاتفه النقال، حتى يتخيّل السامع أن وزارته هي وزارة إلكترونية لكن من يتوغل في متاهاتها سيجد نظاما إداريّا بليدا متخلفا إذ مازال الموظفون يستخدمون سجلّات ورقيّة ودمغات حبر وورق كربون وغيره من بقايا أزمنة خلت.

واقعيّا نحن أمام تقاليد عمل جديدة واستراتيجيات ترسم العمل الإعلامي وتغيّر ملامحه كليّا وصولا إلى الدور التفاعلي للجمهور المتلقي، فالمحرر الذي لا أرض ولا سماء تحدّان وجوده وتنقّله يريد شهود عيان أيضا يمنحهم كامل الخصوصية لتعميق قصّته الفريدة وبذلك تكاملت الأدوار وصرنا أمام ذلك النوع من الأخبار التفاعلية، فبينما كانت نشرات الأخبار تملى علي المواطن الصامت أمام جهاز المذياع صار المتلقي طرفا أساسيا في صياغة الخبر وبذلك صرنا أمام ظاهرة تعدّت إقناع المتلقّي بالخبر إلى امتلاك الخبر.

كاتب عراقي

18