المحرر الأدبي والقيّم على المَعارض ومهارات التسويق

للمحرر سلطة على الروائي يستمدها من دار النشر يمكن أن يقترح عنونا أدق، ومساحة أجدى وحبكة أكثر تماسكا، وهو موضع ثقة الروائي والناشر على حد سواء.
الأربعاء 2019/06/19
لوحة للفنان موسى عينانا

لا يحتاج الروائي إلى دار نشر فقط ليرى عمله النور، مثلما لا يحتاج الفنان إلى مجرد غاليري ليقدم أعماله الفنية للجمهور، ثمة وسيطان جوهريان في عملية الانتقال من الورشة إلى المنتج المعروض للبيع، محرر يراجع مخطوط الروائي وينقحه ويقترح تعديلات قد تمتد من العنوان إلى المبنى السردي مرورا بالمشاهد والحوارات والفضاءات والشخصيات، وقيّم معارض (كيراتور) يحوّل الأعمال المتراكمة، المتقاطعة والمتنائية، إلى متوالية لوحات ومنحوتات وتنصيبات ينتظمها نسق بصري، يضمر رؤية، تغوي جامعي الأعمال الفنية. الوسيطان معا، منتسبان إلى تقاليد مهنية، لها مهاراتها وحدوسها الفارقة، ليس من شأنها الزيادة في المتن، وإنما الإعلاء من الكيف المتقن، كلاهما متصلان بالصيغة، التي تلتبس بالجوهر، تلك التي تقتضي صرامة مع الذات، وكلاهما أيضا وافدان من عالم برزخ بين المعرفة الجمالية ومهارات التسويق، الأمر الذي يفترض أن يمتلكا معا حساسية خاصة تجاه منطق العرض، بما يصون الروائي والفنان والناشر وصاحب الرواق من أقدار الخيبة والسقوط.

في مقال لامع للناقد الفني الفرنسي لوران بوديي بعنوان: “الكيراتور: المهنة الجديدة بعالم الفن” تحدث عما أسماه بـ”مفهمة المعارض”، وإكسابها عمقا فكريا، في الآن ذاته الذي لم يستبعد هاجس القيمة، في عالم استفحلت فيه الأساليب الاختراقية، أمر له علاقة بالمزاج العام، وبالذوق غير المستقر، الذي يطول البصري، وبالقدر ذاته السرديات اللفظية، حيث المحرر، بمعنى ما، يعيد تركيب صيغة العرض، بناء على مفاهيم غير مستقرة، وذائقة متحولة. في هذا السياق تحديدا لا يمكن تمثل القيّم الفني (الكيراتور) الذي يعود عمره الافتراضي إلى أقل من خمسين سنة، إلا بما هو تنويع على صيغة التحرير المرتبطة بالصحافة، وبأساليب تكييف المعلومات والأخبار، ضمن خط تحريري، ففي النهاية لا يتحقق عمل قيّم المعارض دون تكييف وترتيب وسعي إلى الإقناع، منذ أن ابتدع السويسري هارالد سزيمان صيغة “النيابة عن الفنانين” في تنظيم العروض ومنحها عناوين، وصيغا ورقية مرافقة، تقول ما يتوق المشاهد لفهمه.

ولعل ما يلفت الانتباه لأول وهلة هو أن التداول المهني للمحرر والكيراتور لم يكن تجاوز معنى المساعدة في التعبير عن رؤى أشخاص قاصرين، في حدود معينة، لقد كان الكيراتور منتدبا قضائيا لمساعدة العاجزين، مثلما أن المحرر لم يكن سوى كاتب عمومي، إنها مهارات تتوخى، في المحصلة، تمثيل من لا قدرة لهم “على الدفاع عن مصالحهم”؛ وكأنما ثمة عماء أصيل في الإبداع، مهما ارتفعت قيمته، يستلزم “هداية”، قد تمتد من خطأ في العبارة الروائية إلى تلف في سند اللوحة.

والحق أنه قد يستطيع روائيون راسخون أن يكتبوا أعمالهم ويراجعوها ويعرضوها على قراء من مقامات شتى، وقد يأخذوا برأيهم، أحيانا، وقد يخالفونهم الرأي، أحيانا عديدة، وقد يمضون إلى أقرب ناشر، مقتنع بعدم التدخل في المعروض عليه لنشره، وقد تنجح الرواية، وتحقق الأثر المرغوب، كما قد لا يكون لها أي صدى، شيء شبيه بالآلاف من المعارض التي هي مجرد محلات لبيع الأعمال الفنية، يرتجلها فنانون برغبة في التخلص من مجهود استمر زمنا طويلا، تتداخل فيها الأعمال وتبدو متنابذة ودونما حاجة لمجاورة ملفقة، لهذا لا تتطلب نصوصا هادية. إن علاقة الروائي والرسام بأعمالهما تنطوي على عواطف وانحيازات وأوهام، تجعل المكتوب والبصري عرضة لأي قدر بعد خروجه، وتطوع كليهما للقيام بدور الوساطة، تجاوز مخل إلى ما لا يفترض أن يقوما به، فهما معا ليسا متلقيين محايدين، وغالبا ما تكون لديهما حساسية شديدة تجاه الحذف، أو الإضافة.

في أمثلة عديدة على امتداد مسار الرواية العربية، يمكن أن نقف عند اسم شخصية يتغير في نص، أو حوار خاطئ، أو انقلاب في وقائع لا منطق لها، أو تحول في صيغة السرد من وجهة نظر إلى أخرى لا يتحمله المبنى السردي، فضلا عن العشرات من المشـاهد الزائدة والشخصيات التي لا وظائف لها. والآلاف من الأخطاء المتعلقة باللغة والتاريخ والحقائق الجغرافية والإثنية والاجتماعية. هي تفاصيل قد تتوه في ثنايا المتن الممتد، وأحيانا يلتقطها النقاد، بينما هي من صميم عمل المحرر الذي يقدم الصيغة المشذبة والمراجعة للنشر. للمحرر سلطة على الروائي يستمدها من دار النشر يمكن أن يقترح عنونا أدق، ومساحة أجدى وحبكة أكثر تماسكا، وهو موضع ثقة الروائي والناشر على حد سواء، لأن هدفه هو تحويل العمل التخييلي إلى منتج رابح. لهذا يمكن أن نستعرض عددا كبيرا من قصص الأخذ والرد، بين روائيين ومحررين في قائمة طويلة تشمل نجوما من فيليب روث إلى لوكليزيو من توماس مان إلى دوريس ليسينغ.

لكن إذا كان المحرر وسيطا أساسيا في عالم النشر الروائي فإنه مع ذلك لم يتحول يوما إلى اسم علم له شهرة وصيت يضاهي اسم الروائي، بينما تحول الكيراتور في أروقة الفن عبر العالم إلى سلطة فنية عاتية، تصنع الأسماء وتبرز الأهواء والأساليب، وتقترح على المشهد الفني وعلى أسواق الفن علامات جديدة، دون أن يعني ذلك أنه قد لا يتحول بحكم وظيفته إلى مجرد مساعد للفنان، ففي تصريح لا يخلو من تذمر، أورده الباحث الفرنسي إيمانويل أوكو عن “مهنة الكيراتور الأكثر حداثة في عالم اليوم”، ترى قيّمة المعارض الفرنسية غاييل شاغبو، أن “حوارنا مع الفنان ينتقل غالبا من الجمالي إلى الأسئلة الأكثر جوهرية. لكي تكون قيما للمعارض، من الأفضل معرفة كيفية الرد على رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالفنان في منتصف الليل ووضع جدول بيانات ممتاز، بدلاً من التشدق فقط بمعرفتك بتاريخ الفن”.

15