المحرق.. بيوت في الطريق إلى الخلود

مدينة ليست كباقي مدن البحرين تُشعر المرء حين يسير بين دروبها القصيرة والضيقة كما لو أنه يعود إلى بيته.
الأحد 2019/12/01
بيوت محلقة في فضاء الشعر والموسيقى والرسم والكتابة

لا تزال المحرق كما هي، بهويتها الثقافية التي هي مزيج من اللقى النفيسة التي يلقيها البحر على سواحلها. تلك مفاجأتها في بلد غارق في حداثته العمرانية بكل أنواعها. فالبحرين تتغير كل لحظة كما لو أنها تود أن تصبح بلدا آخر، بلدا لا يشبه نفسه. ذلك ليس مجازا شعريا بل هو كلام واقعي يعتمد على حقائق أرضية لا يمكن للعين سوى أن تعترف بعجزها عن اختزالها في مشهد بصري واحد.

المحرق ليست مدينة فرجة أو سياحة. إنها مدينة عيش ممعن في حميميته. يشعر المرء وهو يسير بين دروبها القصيرة والضيقة كما لو أنه يعود إلى بيته. هناك علاقة قرابة تفصح عنها العيون التي لا تنظر إلى الغريب من جهة كونه ضيفا عابرا يُحاط بعاطفة مؤقته. قالت لي سيدة ترتدي العباءة التقليدية التي ذكّرتني بأمي “أنت في بيتك. الغداء جاهز”.

البيوت المتاحف

هناك هدف ثقافي يتخطى إحياء الماضي الذي يستحق أن تتعرف عليه الأجيال
هناك هدف ثقافي يتخطى إحياء الماضي الذي يستحق أن تتعرف عليه الأجيال

كان عليّ أن أبحث عن بيتي في المحرق التي استحقت الشيخة مي بنت محمد آل خليفة جائزة الأغا خان من أجل بيوتها التراثية. فالبيوت التي أعادت الشيخة مي إحياء خيالها صارت بمثابة محور للتفكير في محرق المستقبل. تلك البيوت التي أعادت الشيخة مي ترميمها من أجل أن تكون جزءا من مركز الشيخ إبراهيم الثقافي هي بيوت مستقبلية. ذلك لأنها بالرغم من إخلاصها للأصل الذي لا تزال تحافظ على الجزء الأكبر منه فإنها اكتسبت من الشيخة مي عادة التحليق بين الأزمنة.

إنها بيوت محلقة في فضاء الشعر والموسيقى والرسم والكتابة بكل أنواعها. سيُقال إنها مشروع لإقامة مدينة مثقفين معزولة عن محيطها الذي يحتضن حياة الناس العاديين. ذلك ليس صحيحا ولا يمت إلى الواقع بصلة.

فالبيوت المتخيلة التي صارت جزءا من مشروع أرضي مارست سحرها على أحياء بكاملها بحيث صارت تلك الأحياء تتمتع بنعمة الجيرة الحسنة. لقد صار السكان العاديون جيرانا للشعر والموسيقى والرسم والكتابة.

لقد تغير الهواء في جزء بارز من مدينة المحرق. هناك أصوات مختلفة يحملها ذلك الهواء الذي لم يعد معبَّأ بالضجر والذكريات العائلية.

غرفة الشيخ إبراهيم

نظرية الشيخة مي في التغيير ليست معقدة ولا صعبة. فهي توحي كما لو أنها ممكنة بيسر وتفاؤل. غير أن ذلك ليس صحيحا أيضا. فالمدينة ليست جحرا. إنها البشر وهم ملائكتها. ذلك ما يهب الشيخة مي صفة لم تكن تتوقعها.

“هل رأيت البيوت هناك؟” يسألني صديق بحريني بعد أن أخبرته أنني ذهبت إلى المحرق كما لو أنه يشير إلى متاحف.      

في عام 2002 افتتح مركز الشيخ إبراهيم الثقافي في المكان نفسه الذي كان يقع فيه مجلس الشيخ إبراهيم الأدبي بمدينة المحرق. بني المركز بطراز معماري جديد ليحتضن محاضرات وندوات ثقافية متنوعة ضمن مواسمه السنوية التي تكون غالبا غاصة بأسماء مبدعين عرب، حرص المركز على أن يزين جدرانه بصورهم.

التراث المعماري الذي تشيد من أجله تلك البيوت يمثل حاضنة محايدة تلتقي فيها الأفكار والتجارب الإبداعية وتتلاقح الثقافات المعاصرة في ظل أجواء منفتحة على التسامح والتعددية

والشيخ إبراهيم لمَن لا يعرفه هو الشاعر البحريني إبراهيم بن محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة الذي ولد في المحرق منتصف القرن التاسع عشر وتوفي عام 1933. درس على أيدي علماء نجد ثم ذهب إلى موبي بالهند لإكمال دراسته. تجول بين مدن الجزيرة العربية وصولا إلى زنجبار من أجل البحث والمعرفة. حوّل مجلسه إلى مركز بحثي ومعرفي حيث كانت تُقام فيه الندوات الفكرية والشعرية ولأنه كان ميالا إلى نشر المعرفة فقد ساهم في تأسيس مدرسة الهداية الخليفية ونادي المحرق الأدبي ومكتبة المحرق.

تكشف الرسائل المتبادلة بينه وبين شعراء وأدباء عصره ومن بينهم أمين الريحاني عن حس وطني متقدم على زمانه، ذلك لأن ذلك الحس كان مرتبطا برغبة عارمة في تحرير المجتمع من قيود الماضي وتقاليده البالية. مركز الشيخ إبراهيم هو استحضار معاصر للمجلس القديم.

غير أن الدهشة تقع حين يرتقي المرء سلّما يقع خلف المركز ليقوده إلى غرفة الشيخ إبراهيم الشخصية التي لا تزال كما هي. هناك تبدو الأمور مختلفة. فالزمن يشف عن إيقاع مختلف، كما لو أن الرجل المحتفى به لا يزال يحكم السيطرة على ما يرغب في أن يراه حاضرا بين يديه. لقد تحققت نبوءته. فمجلسه الذي لا يزال عامرا تديره امرأة هي حفيدته التي صارت مؤرخة. ذلك يعني أن الجزء الأكبر من رسالته قد تحقق. فالمرأة التي تعلمت صارت ضليعة في الشأن الثقافي باعتباره فعلا جدليا يقع داخل المجتمع لا خارجه. على غرار مجلسه فقد تم إعمار عدد من البيوت التي صارت أشبه بالكواكب الصغيرة التي تدور في محيطه، بالرغم من أنها مستقلة بأساليبها.

 بيوت خفيفة مثل فكرة

Thumbnail

فكرة ترميم البيوت التراثية لا تنحصر في استعادة إرث معماري وماض عريق من المحاولة في أنسنة البحر ومغامرة الغوص بحثا عن اللؤلؤ. هناك هدف ثقافي يتخطى إحياء الماضي الذي يستحق أن تتعرف عليه الأجيال. ذلك الهدف يكمن في العثور على الخيط الرفيع الذي يربط ما بين الماضي الذي تجسد البيوت واحدة من صيغ حضوره في المكان وبين الحاضر الذي يتموج مثل مياه البحر بين مرجعيات فكرية وفنية متنوعة ومتعددة الوجوه.

التراث المعماري الذي شيد من أجله أحد تلك البيوت يمثل حاضنة محايدة تلتقي فيها الأفكار والتجارب الإبداعية وتتلاقح الثقافات المعاصرة في ظل أجواء منفتحة على التسامح والتعددية في كل ما يتعلق بآليات وتقنيات وطرق التفكير والإبداع الثقافي. 

كل ذلك انعكس على الخدمات الثقافية التي تقدمها البيوت بعد أن صارت جزءا من مركز الشيخ إبراهيم الثقافي.

ما يراه زوار بيوت المحرق ينقلهم مباشرة لعالم الحقيقة الذي انطوت عليه محاولة التحديث في بلد احتضن واحدة من أقدم الحضارات
ما يراه زوار بيوت المحرق ينقلهم مباشرة لعالم الحقيقة الذي انطوت عليه محاولة التحديث في بلد احتضن واحدة من أقدم الحضارات

حين تذهب إلى بيت محمد بن فارس لفن الصوت، وهو بيت الموسيقى، تجد نفسك محاطا بأرشيف رائد فن الصوت الخليجي. متحف للموسيقى يحتوي على الأسطوانات والآلات الموسيقية القديمة والكتب التي تم تأليفها عن ذلك الرائد والنصوص الشعرية التي غناها وصور عن حياته.

في بيت الكورار تنتقل إلى عالم آخر هو في طريقه إلى أن يختفي، هو فن الحياكة والخياطة اليدوية الذي تنتج العاملات فيه أنواعا بعينها من الثياب التي صارت نادرة.

في بيت الصحافة، وهو بيت عبدالله الزايد، يتعرف المرء على تاريخ الصحافة من خلال واحد من أهم روادها. أما في عمارة بن مطر، وهو البيت الذي يعود إلى عام 1902، فهناك عروض تشكيلية متحركة. كان المعرض الذي تمتعت بزيارته معرضا استعاديا لفنان البحرين الكبير راشد العريفي الذي عُرف بأسلوبه التجريبي الذي سمح له بالتنقل بين المدارس الفنية.

“أقرأ” هو الشعار الذي يحث الأطفال على الذهاب إلى بيت القراءة. من خلال ذلك البيت الذي يتميز بخفة ظله تكتمل الدائرة الثقافية.

على الطريق إلى خلودها

الشيخة مي بنت محمد آل خليفة تستحق جائزة الأغا خان من أجل بيوتها التراثية التي أعادت إحياء خيالها فصارت بمثابة محور للتفكير بمحرق المستقبل
الشيخة مي بنت محمد آل خليفة تستحق جائزة الأغا خان من أجل بيوتها التراثية التي أعادت إحياء خيالها فصارت بمثابة محور للتفكير بمحرق المستقبل

إن لم تزر تلك البيوت فكأنك لم تزر جزيرة المحرق. فما تراه هناك ينقلك مباشرة إلى عالم الحقيقة الذي انطوت عليه محاولة التحديث في بلد احتضن واحدة من أقدم الحضارات وكان دائما وسيطا بين الحضارات الكبرى.

المحرق التي كانت لزمن طويل عاصمة للبحرين تستعيد مجدها من خلال تلك البيوت التي تذكّر بعبقريات أصحابها وقوة الحلم الذي أحاط بها ونافس البحر بعصفه. كانت المحرق مدينةَ ثقافةٍ وها هي اليوم تستعيد تلك الصفة.

الاحتفال الذي أقامته مؤسسة الأغا خان من أجل تسليم جائزتها للشيخة مي آل خليفة يؤكد أن المحرق صارت حدثا عالميا بفضل بيوتها التي مر بها الأدباء والمفكرون والفنانون العرب وأصيبوا بعدوى حبها.

كانت المحرق أرض الخلود في الميثولوجيا الرافدية وهي اليوم أرض الثقافة المعاصرة.  

9