المحرومون من الحظ

الاثنين 2015/04/06

لا أذكر في من أعرف من الكتاب العرب كاتبا يعيش بقلمه، فالأدب لديهم ليس حرفة، بل نشاط ثانوي يمارسونه في أوقات مختلسة من فسح الترويح عن النفس، لأنهم لو قنعوا بالأدب لأصابتهم الفاقة، واضطروا إلى التطفل على موائد اللئام.

والسبب أن كتبهم التي يفنون أعواما لإنجازها لا تجد من ينشرها، وإن وجدت كان مردودها المالي زهيدا. بل إن منهم من يسمع عن حقوق التأليف ولا يراها، ومنهم من يتلقاها في شكل نسخ محدودة، يهديها لأصحابه أو بعض من المحسوبين على الصحافة الثقافية يشترطون للتعريف بها مكافأة.

والأدهى من ذلك نزوع بعض الناشرين إلى اشتراط مساهمة مالية من الكاتب نفسه، لتغطية النفقات كما يقولون. وهو ما دفع كثيرا من الكتاب إلى النشر على الحساب الخاص، ظنا منهم أنه الحل الأسلم، فإذا هم يكتشفون أن التسول أقل مذلة من التردد في أرجاء المدن، وهم يحملون نسخا في سلال أو أكياس كالباعة الجوالة، يعرضونها لمن يدفع.

الاستثناءات موجودة في هذا القطر أو ذاك دون ريب، ولكن السواد الأعظم من الكتاب لا يجني من مؤلفاته إلا نوعا من النخوة، حينما يثني عليها النقاد، أو يصطفيها طلبة الجامعات لنيل شهادة.

ما من بلد يمكن أن يستغني عن الكِتاب، ولكنّ وراء كل كِتاب كاتبا، فمن أين تأتي الكتب إذن إذا تواصل غمط حقوق الأدباء؟

ذلك كان عنوان البيان الذي رفعه جمع من الكتاب الفرنسيين، على هامش معرض باريس للكِتاب في دورته الأخيرة، كدفيد فينكينوس وفيليب دجيان وآنّي إرنو، وبعض الفائزين بجائزة غونكور في الأعوام الأخيرة كجيروم فيراري وماري ندياي وبيير لوميتر.

هؤلاء الذين كنا نغبطهم على حظوة مزعومة في بلد متقدم، اتضح أنهم يعيشون عيشة كفاف، إلا قلة قليلة تحيا حياة مرفهة لأن كتبها تباع بمئات الآلاف. ورغم غضب المحتجين، يظلون أحسن حالا من أدبائنا، لأن مجتمعاتنا تقر بأن لكل عمل أجرا إلا الاشتغال بالأدب، فهو في نظرها تزجية للوقت، تماما كلعب الورق في المقاهي، ولا يعقل أن يجازى اللاهي عن لهوه، وكأن حظهم من الدنيا لا ينبغي أن يتجاوز الكتابة.

وفي هذا يقول ابن خلدون “اشتهر بين الناس أن الكامل في المعرفة محروم من الحظ، وأنه قد حوسب بما رُزق من المعرفة واقتُطع له ذلك من الحظ”، أي أن نصيب الكتاب من الرزق في نظر المجتمع حازوه بحصولهم على المعرفة، سواء درّت عليهم ذهبا أم حصى.

كاتب من تونس

15