المحظورات ترغم نساء عربيات على الهروب إلى المجهول

المرأة العربية عاجزة عن الخروج من سجن العادات البالية وخصوصا أن الإشكالية الأكثر تعقيدا هي هي صعوبة التوفيق بين الأطر التقليدية التي يكون فيها التغيير عسيرا، ورغبتها في تحقيق ذاتها.
الأحد 2020/02/09
انتصار الإرادة على العادة، حياة مستعادة

ليس من السهل على النساء العربيات تجاوز الأعراف المجتمعية، وخصوصا بالنسبة لمن نشأن في بيئات ريفية وقبلية، إلا أن الكثيرات منهن استطعن كسر الجدار المنيع لذلك السجن والهروب بحثا عن متنفس من الحرية في أوطان بديلة تحفظ كرامتهن وتمنحهن هامشا من الحرية والأمان.

تنص قوانين معظم دول العالم ومواثيق الأمم المتحدة على حق كل إنسان في اختيار نمط حياته طالما قام بواجباته، غير أن النظرة لحقوق المرأة يمكن أن تختلف بشكل كبير من مجتمع إلى آخر، وتتباين في المجتمع نفسه حول مدى توافق تلك الحقوق مع الثقافة والتقاليد السائدة.

وتتسم منطقة الخليج بمجتمعاتها المحافظة أكثر من بقية البلدان العربية الأخرى، ولذلك فإن الكثير من النساء الخليجيات قد يجدن أنفسهن أحيانا في بيئات غير متجانسة ومتشعبة على الصعيد الثقافي والديني، إذ يمكن للمرأة التي تعيش في أوساط أسرية ليبرالية أن تدرس وتتمتع بجميع حقوقها الاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن حقوقها المدنية، فيما لا يمكن لامرأة أخرى تعيش في بيئات ريفية وقبلية مغادرة المنزل تماما، بسبب الأعراف والتقاليد التي تحكم الكثير من جوانب حياة النساء، ما يدفع الكثيرات إلى محاولة كسر تلك الأعراف المجتمعية التي يرينها غير منطقية.

الأفكار النمطية

ويرى البعض من خبراء علم الاجتماع أن النظم التقليدية والاجتماعية ما زالت تقيد حرية المرأة وتمنح الرجال الحق المطلق في اتخاذ القرارات نيابة عنها، فضلا عن كونها تكرس الأفكار النمطية التي تغذي النظرة الدونية لجنسها، وتضيق الآفاق أمامها في الحياة العامة.

محمد الحمزة: ولو كانت نسب الهروب بسيطة يجب أن تعالج المشكلة بكل عقلانية حتى تعيش المجتمعات في استقرار وسلام
محمد الحمزة: ولو كانت نسب الهروب بسيطة يجب أن تعالج المشكلة بكل عقلانية حتى تعيش المجتمعات في استقرار وسلام

ودعا محمد الحمزة الأخصائي الاجتماعي السعودي، إلى النظر إلى مشكلة الحجر على حرية وحقوق النساء والفتيات العربيات من عدة زوايا اجتماعية، مشيرا إلى أن الأهالي قد يقومون بذلك بدافع حماية بناتهم، أما الدافع الثاني فهو بسبب الخوف من العار والفضيحة، أما الدافع الثالث فهو الاستغلال المادي للفتيات الموظفات، ومن خلال تلك الأسباب يتم التضييق على المرأة إما بحسن نيّة وإما بقصد وسوء نيّة.

وقال الحمزة لـ”العرب”، “للأسف رغم الانفتاح الذي تشهده الدول العربية إلاّ أن تلك الممارسات ما زالت موجودة، ومع ازدياد الوعي الحقوقي والإنساني للنساء في العالم العربي ظهرت لدينا مشكلة الهروب للغرب بحثا عن ملاذ آمن وحياة مستقرة”. وأضاف “مفهوم الهروب لا يجب أن ننظر إليه فقط من خلال المفهوم السطحي العام؛ لأنه قد يأخذ أيضا طرقا سلمية ونظامية، حيث نجد بعض الفتيات ممن يحملن شهادات علمية أو ممن لديهن رصيد مالي أو لديهن الإمكانيات اللغوية المناسبة، يسافرن طواعية للعمل في البلدان الغربية بشكل سلس ومرتب، ولكن الهدف الأساسي هو الهروب من البيئة والمجتمع. وهناك أيضا من الفتيات من يذهبن للبلدان الغربية بمساعدة المنظمات الحقوقية ويطلبن اللجوء من جراء التعسف الاجتماعي الذي يتعرضن له في مجتمعاتهن الأصلية”.

وشدد الحمزة على أن الاعتراف بوجود هذه المشكلة هو بداية الطريق نحو الحل معللا رأيه بقوله “إن تنامي وازدياد الوعي لدى المجتمعات العربية قد دفع المرأة للبحث عن حقوقها وعن مجتمع وبيئة تعيش فيهما بكل أمان واستقرار، وعلى الحكومات العربية سن القوانين والأنظمة والتشريعات التي تضمن الحقوق العامة والسلامة للجميع، وبالذات للحد من مسألة التدخل المجتمعي باسم الأعراف والتقاليد التي أصبحت ذريعة لفرض التسلط والاستعباد وسلب الحقوق، فهذه أهم خطوة من خطوات الحل حتى لا تعم الفوضى باسم التقاليد والأعراف”. وأشار إلى أن العالم العربي قد فقد الكثير من العقليات والنماذج النسائية المميزة بسبب هذه الظاهرة التي برزت إلى السطح مع وجود وسائل التواصل.

وختم الحمزة حديثه بقوله إن “الحياة في الغرب ربما لا تكون الملاذ الآمن كليّا ولكنها قد تكون أقل ضررا من العيش وسط مجتمع سلب الحقوق، ونحن في أمسّ الحاجة إلى وقف هذا الهدر والتسرب البشري لبناتنا حتى لو كانت نسب الهروب بسيطة فإن المشكلة يجب أن تعالج بكل عقلانية حتى نكوّن مجتمعات واعية وناضجة وقادرة على البناء والعطاء والعيش في استقرار وسلام”.

وشهدت العقود الأخيرة ما أطلق عليه البعض من الخبراء “خطوات نحو تقليص الفجوة بين الجنسين”، إذ أصبحت على سبيل المثال المرأة في الإمارات تتمتع بامتيازات عديدة، تشمل التعليم المجاني وأفضلية الحصول على وظائف مرموقة في القطاع العام، كما تشجع الكثير من الأسر الإماراتية بناتها على مواصلة تعليمهن وممارسة المهن التي يردنها.

 وسمحت السعودية كذلك بأمور كثيرة كانت محظورة على النساء، أبرزها قيادة السيارة وحضور نشاطات فنية ومباريات رياضية وتولي مناصب عسكرية، غير أن ذلك لا يعني أن جميع الفئات الاجتماعية ترحب بانتقال المرأة من عالمها التقليدي الذي يتمتع بخصوصية كبيرة، ليصبح أكثر حداثة وعمومية، إذ لا تزال هناك تحديات أمام المرأة في كل المجتمعات العربية، تحدّ من فرصها في الحياة، وتفرض عليها مجموعة من القيود والضوابط التي تمنعها من التحرك بحرية في الأماكن العامة.

لا يبدو أن أصل المشكلة في العادات الاجتماعية فقط، بقدر ما هو جزئية من توجه تقييدي يفرضه رجال الدين المتشددون والفئات المحافظة على المرأة ودروها في المجتمع، يبدأ من التعليم والعمل والنشاط الاجتماعي والرياضي والحقوق المدنية، وعلى الرغم من ذلك لا تعتبر مثل  هذه القيود جريمة بمقتضى القوانين السائدة في معظم الدول العربية.

أما الإشكالية الأكثر تعقيدا، فهي ما تواجهه النساء من حيرة حول كيفية التوفيق بين السياقات التقليدية التي لا يكون فيها التغيير أمرا يسيرا، ورغبتهن في تحقيق ذواتهن وتلبية احتياجاتهن من دون أن يتهمن بجلب العار والسمعة السيئة لأهلهن ولبلدانهن، وعلاوة على ذلك فإنهن قد يتعرضن لأشكال من العنف الأسري ولا يعرفن كيف يمكن طلب المساعدة ومِن مَن؟

وبما أن الحال كذلك، ليس غريبا أن تظهر البعض من النساء مقاومة داخلية لذلك التقليد الصارم في التعاطي مع حقوقهن الشرعية، فيحاولن الهروب وطلب اللجوء في بعض البلدان الغربية، وقد تنجح البعض منهن في تحقيق ذلك، لكن هناك من ينتهي بهن الحال إلى إعادتهن بالقوة إلى منازلهن، أو يقتدن إلى السجن.

ومؤخرا وجدت البعض من الفتيات القطريات الشجاعة للكشف عن المعاناة التي يعشنها في وسطهن الاجتماعي وأحلامهن التي تحطمت على صخرة العنف الأسري والقبلي، قبل أن يقررن الهروب من بلدهن إلى بريطانيا، وقد كان موقع تويتر بمثابة المنفذ الوحيد الذي تسللن من خلاله إلى الحرية، وليكون لهن صوت مسموع، يعبرن به عن مشاكلهن بأنفسهن.

 العادات البالية ما زالت سجنا للمرأة العربية
 العادات البالية ما زالت سجنا للمرأة العربية

وقالت إحدى الفتيات القطريات لـ”العرب”، “اسمي الأول نورة (مستعار) لكن اسم العائلة المري وهو حقيقي ونحن مجموعة من الفتيات هربنا من عائلاتنا ومنا من هن قاصرات، وقد دفعتنا إلى ذلك قبيلتنا المتشددة، وبالنسبة لي شخصيا لقد تخليت عن ديني، لأنه في اعتقادي يعتبر المرأة خادمة ومخلوقة لخدمة الرجل ولأغراض أخرى”.

وأضافت “العادات والتقاليد والدين تسيطر على مجتمعنا، بل تعتبر المرأة مواطنا من الدرجة الثانية، ويستخدم الرجال الدين كأداة للتحكم بمصيرنا، وكل ذلك يتم بمباركة الحكومة”.

وواصلت المري حديثها “لا نستطيع أن نخرج دون عباءة، بل يتم إجبارنا على لبس النقاب، كما لا نستطيع أن نقصد أي مكان إلا بمرافقة أحد ذكور العائلة وهو أمر مرتبط أيضا بعادات وتقاليد العائلة التي تتحكم بجميع شؤون حياتنا بما في ذلك اللباس والخروج من المنزل وحتى اختيار شريك الحياة، ينضاف إلى ذلك أن عائلتي تمنع الإناث من العمل في مكان مختلط”.

وأكدت المري قائلة “نحن نتعرض للعنف المنزلي لأتفه الأسباب ومع الأسف النظام في قطر لا ينصف النساء المعنفات، بل يحمي الجناة وقد سبق وحاولنا التواصل مع الجهات المختصة بهذه المسائل لكننا لم نجد من يتجاوب مع معاناتنا، ما دفعنا إلى انتقاد الحكومة على حساب (سابق) في تويتر يحمل اسما مستعارا لقد اتهمناها بتقييد حركة النساء وتكبيل حريتهن في التنقل والسفر، فالنساء في قطر كما تعلمون لا يستطعن السفر إلا ببلوغهن  الخامسة والعشرين من العمر، كما أنهن لا يستطعن التحرك إلى أي مكان إلا  بموافقة الولي الذكر، ونسمي تصريح السفر (خروجية) لكننا استطعنا التلاعب بجهاز وليّنا الذكر، وإعطاء الخروجية لأنفسنا وساعدنا اللاجئون الخليجيون الموجودون في بريطانيا على فهم إجراءات اللجوء”.

وأضافت المري “عائلتنا لديها علاقات قوية مع الحكومة للأسف لذلك لم يكن هنالك أي مجال لننال حقوقنا في بلدنا ولأنه في الأصل لا يوجد قانون ينصف المرأة، بل حتى بعد هروبنا أصبحت الحكومة تلاحقنا، ويعمل شقيقنا المدعو (ع.م) ومن معه على بذل أقصى جهد للوصول إلينا هنا في بريطانيا وإعادتنا إلى قطر خوفا على (الشرف)، خصوصا بعد أن بدأت قصة هروبنا بالانتشار داخل المجتمع وسمع الناس أيضا بقصص شبيهة أخرى بقصتنا عن فتيات قطريات هربن من عائلاتهن، وأعتقد أنه من الصعب علينا العودة إلى قطر لأننا تمردنا وهربنا من عائلاتنا وقبيلتنا، وهذا يعتبر بالنسبة إليهم عارا ولن يشفي غليلهم إلا قتلنا من أجل غسل شرفهم…”.

رشيد الخيون: المرأة خضعت إلى الأحكام الفقهية والأعراف الاجتماعية القبلية، ومعلوم أن الأعراف تقوم بدور الأحكام في الكثير من الحالات
رشيد الخيون: المرأة خضعت إلى الأحكام الفقهية والأعراف الاجتماعية القبلية، ومعلوم أن الأعراف تقوم بدور الأحكام في الكثير من الحالات

تعيد قصة المري الحديث من جديد عن أسباب هروب النساء من عائلاتهن وأوطانهن وعن خصوصية مشكلتهن، التي تتمثل في مواجهة قيود لا حصر لها تفرضها التقاليد الاجتماعية والاختلافات الطائفية والعرقية وحتى الأنظمة السياسية.

وربط الباحث في التاريخ الإسلامي رشيد الخيون، من خلال قراءته لبعض المفاهيم في القرآن والسنة بين أحوال النساء والتفسيرات الخاطئة للتعاليم الإسلامية التي تقف عائقا أمام مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

وقال الخيون لـ”العرب”، “المرأة العربية المسلمة خضعت إلى الأحكام الفقهية والأعراف الاجتماعية القبلية، ومعلوم أن الأعراف الاجتماعية تقوم بدور الأحكام في الكثير من الحالات، لكن في القرون الماضية، وحتى بدايات القرن العشرين، تواصل خضوع النساء لأعباء تلك الأحكام، وحتى في ظل مستوى التطور الاجتماعي آنذاك بقيت المرأة بعيدة عن التعليم والمساهمة في الحياة العامة، وصنع القرار السياسي”. وأضاف “لا ننسى أن دخول الأعراف القبلية على الدين قد مورست من أول ظهور الإسلام، وهناك آيات جعلت المرأة أقل من الرجل مكانة، ومنها آية القوامة، والضرب في المضاجع، وحُكم النشوز والطلاق والإرث، وكلها تقريبا تعلق أسباب نزولها بموقف القبلية، وكان هذا اضطرارا لمسايرة رجال القبائل”.

وتابع الخيون “بعد تعليم المرأة وتمدنها، أصبح من الصعب عليها تقبل وتحمل تلك الأعباء، وفي حالة تعذر تعايشها مع بيئتها الدينية والثقافية لا مناص من محاولتها التخلي عما يُقيدها كإنسانة حرة، بهروبها من بلدها لاعتقادها بأنها ستجد حريتها في المناخ غير المسلم في البلدان الأوروبية على وجه الخصوص وقد يدفعها ذلك إلى التخلي عن ديانة الأب والأم، التي تراها عائقا أمام حريتها وتقدمها، فهي تشعر في حالة احتفاظها بدينها أنها ستبقى مكبلة بتلك التقاليد والأحكام التي هربت منها، فلابد أن تهرب مما بداخلها، أي ما بقى يُعيق حريتها”.

صورة قاتمة

ويني عمر: تحالف التيارات الاجتماعية المحافظة مع السلطة يجعل الوضع أكثر صعوبة، ويضفي طابع القدسية على العادات والتقاليد
ويني عمر: تحالف التيارات الاجتماعية المحافظة مع السلطة يجعل الوضع أكثر صعوبة، ويضفي طابع القدسية على العادات والتقاليد

ترى ناشطات عربيات أن النجاح الذي أحرزته نسبة ضئيلة من النساء العربيات لا يجب أن ينظر إليه منعزلا، في مقابل تلك الصورة المشرقة هناك صورة أخرى قاتمة لمعاناة هائلة تكابدها الملايين من النساء، المجتمعات الريفية والقبلية، حيث ينتشر الجهل والأمية ومشكلات عميقة الجذور تتحكم في حياتهن من المهد إلى اللحد.

وقالت الناشطة الحقوقية السودانية ويني عمر لـ”العرب”، “عادة ما تعمل التقاليد الثقافية بشكل منحاز ضد المرأة ومميز ضدها، وتمارس تنميطا مُضرا ومنتهكا لإنسانية وكرامة النساء”.

وأضافت “تعمل الثقافة على إخضاع الأفراد المنضوين تحتها، وعبر آليات ضبط اجتماعي صارمة للمحافظة على خضوع الجميع، وعلى إخضاع النساء لمعايير أكثر صرامة، كما أن تحالف التيارات الاجتماعية المحافظة مع السلطة السياسية قد يجعل الوضع أكثر صعوبة، ويضفي طابع القدسية على الأعراف والتقاليد، ويمنع أي نقد أو محاولة للتغيير”.

واعتبرت عمر أن “النساء يتعاملن بازدواجية مع هذه المسألة، إما بالتماهي مع القهر واستبطان وعي ما يسمى بـ’سيكولوجيا الإنسان المقهور’، بحيث تصبح المرأة ذاتها أحد الحراس الأوفياء لهذا النظام القاهر، وإما أن تختار حريتها وتقاوم وتتمرد، وهي داخل بلادها أو تحاول الخروج جغرافيا بعيدا عن نطاق هذه المعايير الصارمة”.

وختمت عمر بقولها “المجتمعات العربية التي تمثل حواضن للثقافة المحافظة، تعتبر بمثابة المأزق للنساء اللواتي يحاولن الانعتاق من سجن العادات والتقاليد المنكرة لحرياتهن ولكرامتهن، وعادة ما تكون المجتمعات الغربية هي الملجأ”.

لكن برغم الصعوبات والمشاكل التي تواجهها المرأة العربية، وتدفعها إلى محاولة إعادة غرس جذورها في بلد غير بلدها الأصلي، فإن المجمعات الذكورية تمارس حالة من الإنكار والتزيين لواقع المرأة المرير.

Thumbnail
20