"المحكمة الخضراء" تدين محاربي الصحراء في عقر ديارهم

تزايدت الضغوط على مدرب المنتخب الجزائري كريستيان غوركيف، وبات رحيله وشيكا، مما فتح الباب أمام اتحاد كرة القدم للتفكير في قائد جديد لسفينة محاربي الصحراء.
الجمعة 2015/10/16
كريستيان غوركيف على أبواب الرحيل

الجزائر - رغم عدم انعقادها منذ أكثر من عامين بسبب الأشغال التي كانت جارية على ملعب 5 يوليو، إلا أن “المحكمة الخضراء” أدانت محاربي الصحراء والمدرب الفرنسي كريستيان غوركيف، وطالبت برحيله من على رأس العارضة الفنية للخضر، في خطوة تؤكد على وفاء المحكمة لتقاليدها الكروية في الحكم على العروض التي تقدم لها على المستطيل الأخضر، سواء من طرف النوادي أو المنتخبات.

ولم يشفع الفوز الذي حققه محاربو الصحراء على نظرائهم السنغاليين، بهدف يتيم سجله في الدقائق الأخيرة صانع ألعاب نادي بورتو البرتغالي ياسين براهيمي، للمدرب الفرنسي كريستيان غوركيف، لنيل ثقة الجماهير التي حضرت بمدرجات ملعب 5 يوليو، من أجل متابعة المقابلتين الوديتين لمحاربي الصحراء ضد كل من غينيا والسنغال، بعد عامين من الغلق بسبب الأشغال التي جرت عليه.

وبدت ما يعرف بـ”دار الشرع” (المحكمة)، وهي جماهير ملعب الخامس يوليو، صارمة ووفية لتقاليدها الكروية، وعبرت بطريقتها عن استيائها وغضبها على أداء رفاق سفيان فيغولي الذين انهزموا أمام الغينيين، وفازوا بصعوبة على السنغال، ولم يبرزوا الوجه الحقيقي للمنتخب المونديالي، وطالبت برحيل المدرب الفرنسي غوركيف قبل وقوع الكارثة.

وإذ أدت الآلاف التي قدمت إلى مدرجات الملعب واجب التضامن مع الشعب الفلسطيني بحمل كل راية وطنية مع راية فلسطينية، فإن لافتات “غوركيف ارحل” كانت لافتة وبارزة للعيان، مما يعني أن الجماهير المعروفة بتذوقها وعشقها لكرة القدم قد أصدرت حكمها وانتهى الأمر، وعبرت عن موقفها بتشجيع لاعبي المنتخب السنغالي، وتهجمها على رفاق فيغولي، في رسالة تؤشر لعدم الرضا على أداء ونتائج المنتخب منذ قدوم غوركيف في شهر أغسطس 2014. وتكون شعارات “خليلوزيتش” التي رددتها آلاف الحناجر بمجرد دخول اللاعبين إلى أرضية الميدان، رسالة المحكمة الخضراء للمدرب غوركيف الذي أدرك حينها أن مهمته على رأس الخضر انتهت، ودفعه للخروج عن النص تماما خلال الندوة الصحفية التي أعقبت اللقاء، حيث أدلى خلالها بتصريحات غريبة ومثيرة، وبدا عليه الارتباك والضغط.

افتقاد المدرب غوركيف للشخصية والكاريزما اللازمة في التعاطي مع بيت لمحاربين، فتح المجال للتسيب والمشاكل الداخلية

حقبة خليلوزيتش

ولا زالت الجماهير الجزائرية العاشقة لمنتخبها الوطني تحن إلى حقبة المدرب السابق وحيد خليلوزيتش، الذي قاد الخضر إلى مشاركة متميزة في مونديال البرازيل 2014، وفرض فيه نسقا تنظيميا وتكتيكيا متميزا تراجع تدريجيا بقدوم خلفه غوركيف إلى درجة افتقاد المنتخب للانضباط والالتزام خلال الأشهر الأخيرة. وفيما تحدثت مصادر مقربة من الاتحاد الجزائري لكرة القدم، أن الرئيس محمد روراوة يكون قد قرر في أعقاب اللقاء عن إعادة المنتخب لملعب مصطفى تشاكر بمدينة البليدة (50 كلم جنوبي العاصمة) فرارا من ضغط جماهير ملعب 5 يوليو، وعدم انسجام التشكيلة والمدرب مع أجواء الملعب، فإن مغادرة غوركيف للتراب الجزائري بعد المباراة مباشرة إلى بلده، يكون قد أدخل منتخب المحاربين في مرحلة فراغ وضغط مضاعف، شهرا قبل المواجهة المقررة ضد المنتخب التنزاني برسم الإقصائيات المؤدية لتصفيات المجموعات المؤهلة لنهائيات كأس العالم روسيا 2018.

وتتداول مصادر إعلامية محلية متخصصة أخبارا، عن مباشرة رئيس الاتحاد محمد روراوة لاتصالات سرية مع المدرب الفرنسي هيرفي رينار، الذي يشرف الآن على العارضة الفنية لنادي ليل، من أجل تعيينه مديرا فنيا لـلمنتخب الجزائري، خلفا لمواطنه كريستيان غوركيف. وتقول نفس المصادر إن روراوة يكون قد توصل إلى قناعة، بارتكابه خطأ فادحا باستقدامه للمدرب المذكور، نظرا لافتقاده التجربة اللازمة، بحيث لم يسبق لغوركيف خوض تجارب سابقة في تدريب المنتخبات، أو خوض منافسات في القارة السمراء، علاوة على عدم تعامله مع نجوم أو أسماء كبيرة في الكرة المستديرة.

وأوضحت تقارير إعلامية أن المدرب الفرنسي يعتزم الاستقالة نهاية الشهر المقبل، في ظل الضغوط الكبيرة الواقعة عليه منذ الخسارة 1-2 أمام غينيا وديا يوم الجمعة الماضي، وموجة الانتقادات التي طالته من طرف الشارع الرياضي ووسائل الإعلام، التي أعابت عليه طمس معالم المنتخب المونديالي، بسبب تعصبه لفكره الكروي. ويقول الإعلامي المختص في شؤون كرة القدم رياض بن مهدي في تصريح لـ”العرب”، بأن المنتخب الوطني الذي تشكل على مدار ثلاث سنوات بفكر وانضباط المدرب السابق وحيد خليلوزيتش، وأن افتقاد المدرب غوركيف للشخصية و”الكاريزما” اللازمة في التعاطي مع بيت لمحاربين، فتح المجال للتسيب والمشاكل الداخلية، علاوة على تمسكه بفكر كروي لا يتلاءم مع مكونات التشكيلة الوطنية.
كريستيان غوركيف قد استشاط غضبا في نهاية المباراة أمام السنغال، بسبب مطالبة الجماهير برحيله، وصافرات الاستهجان التي طالت اللاعبين من البداية

وأضاف “كريستيان غوركيف رغم فلسفته الكروية الاستعراضية، إلا أنه يبقى مدربا صغيرا مقارنة بالأسماء التي يعج بها المنتخب الجزائري، وكل منتخب يتكون من نجوم في نوادي كبيرة، يتطلب مدربا صارما وحازما وقادرا على فرض الانضباط، وخلق المنافسة بين اللاعبين على المناصب في المستطيل الأخضر، وليس في دكة الاحتياط أو غرف تغيير الملابس، وأمور المنتخب باتت في انحدار تدريجي منذ أشهر، وعلى الاتحاد التكفل بالوضعية قبل تعقد المسألة أكثر”. ويحظى هيرفي رينار المدير الفني الحالي لفريق ليل الفرنسي، بعلاقة جيدة مع الكرة الجزائرية حيث سبق له تدريب نادي اتحاد الجزائر عام 2011، ومؤهل لمنصب العارضة الفنية للخضر، بالنظر لخبرته الواسعة في الكرة بالقارة الأفريقية بعدما قاد منتخبي زامبيا وكوت ديفوار للتتويج بلقب كأس الأمم الأفريقية.

قرار الرحيل جاهز

وكان كريستيان غوركيف قد أسر لمساعديه، بعد نهاية المباراة الودية ضد المنتخب السنغالي، “لقد قررت الرحيل، وسأغادر العارضة بعد المواجهة المقررة أمام تنزانيا منتصف شهر نوفمبر القادم، إلا أن أحد مسؤولي الاتحاد تدخل سريعا بعد علمه برغبة غوركيف وطلب منه التريث وعدم إبلاغ اللاعبين بما يعتزم القيام به حفاظا على استقرار المجموعة. وأثارت تصريحات غوركيف في الندوة الصحفية المقتضبة، استغرابا لدى الرأي العام المحلي، خاصة مع قوله للصحفيين “الآن اكتشفت حقيقة هذه البلاد”، واتهم وسائل الإعلام بتحريض الجماهير عليه، وأشاد بأداء أشباله وبردة فعل اللاعبين، رغم إجماع المتتبعين والمشجعين على الأداء الكارثي والتفكك والانسياب.

وكان كريستيان غوركيف قد استشاط غضبا في نهاية المباراة أمام السنغال، بسبب مطالبة الجماهير برحيله، وصافرات الاستهجان التي طالت اللاعبين من البداية والانتقادات اللاذعة الموجهة له من قبل وسائل الإعلام، والإشادة بالمدرب السابق وحيد خليلوزيتش، وهو ما يكون سبب دخوله في مشادات كلامية حادة مع سكرتير اتحاد الكرة ثم مع أحد الصحفيين، وقطعه للندوة الصحفية، في موقف مفاجئ للغاية من مدرب يتميز بالهدوء.

22