المحكمة الدستورية في تونس في مهب رياح الصراعات السياسية

البرلمان ينظر في رفض قيس سعيد تعديلات على قانون المحكمة.
الأربعاء 2021/04/14
إرساء المحكمة الدستورية أصبح هدفا صعب المنال

يعقد البرلمان التونسي اليوم وغدا جلستين عامتين للنظر في رفض الرئيس قيس سعيد لتعديلات أدخلها البرلمان على قانون المحكمة الدستورية وإعادة التصويت عليها في خطوة غير مضمونة النتائج، حيث من المتوقع أن يمتنع الرئيس سعيد عن إمضاء تلك التعديلات إذا كُتب لمحاولة تمريرها مرة أخرى النجاح ما يحولُ دون دخولها حيز التنفيذ وبالتالي عدم انتخاب أعضاء المحكمة واستكمال تركيزها.

تونس - تقود حركة النهضة الإسلامية وحلفاؤها في تونس داخل البرلمان مساعٍ من أجل إعادة إحياء الجدل حول المحكمة الدستورية المعطلة منذ سنوات حيث من المتوقع أن يلتئم مجلس النواب التونسي (البرلمان) الأربعاء والخميس في جلستين عامتين من أجل النظر في رفض الرئيس قيس سعيد ختم تعديلات أدخلها هؤلاء على قانون المحكمة.

ويرى مراقبون أن رفض الرئيس قيس سعيد لتلك التعديلات التي تشترط 131 صوتا فقط لانتخاب أعضاء المحكمة عوض 145 يضع البرلمان وخاصة حركة النهضة التي تقود جهود تركيز المحكمة أمام خيارين كلاهما مر: إما المضي قدما في تمرير تلك التعديلات في قراءة ثانية والتصعيد مع الرئيس سعيد أو ترقب التغيرات السياسية التي بدأت تلوح في الأفق وإمكانية التوصل لتهدئة مع رئاسة الجمهورية.

واعتبر أستاذ القانون الدستوري، رابح الخرايفي، أنّ “إسقاط مشروع قانون المحكمة الدستورية سيُبقى القانون الأساسي للمحكمة (الحالي) نافذا وعندها ينتهي اللغط”.

محمد صالح العبيدي: المحكمة الدستورية تكاد تكون صفحة طُويت في تونس
محمد صالح العبيدي: المحكمة الدستورية تكاد تكون صفحة طُويت في تونس

وأضاف الخرايفي الثلاثاء أن “مصادقة البرلمان على المشروع (بتعديلاته الجديدة) فيه تصعيد مع رئيس الجمهورية لأن الائتلاف الحكومي والنيابي يعلم أن رئيس الجمهورية لن يمضي المشروع ولن ينشره، وهذا ثابت في رسالة ردّه لمشروع القانون وتصريحه في المنستير”، موضحا أنه “بهذه الخطوة يسعى الائتلاف إلى حشر رئيس الجمهورية في زاوية المعطّل لتركيز المحكمة الدستورية ثم دفعه للمزيد من ارتكاب الأخطاء”.

وبدأت خلال الأيام الماضية تلوح بوادر تغيرات في التحالفات السياسية على ضوء خلافات داخلية هزت حزب قلب تونس (30 نائبا)، وهو أحد أبرز حلفاء حركة النهضة ما سيجعل من تركيز المحكمة الدستورية أمرا صعب المنال خاصة في ظل عدم توصل الفرقاء السياسيين إلى تهدئة حقيقية أو بدء الحوار الوطني.

ويُضاف إلى ذلك، الأجواء التي أشاعتها حركة النهضة وقياداتها في الأيام الأخيرة وهي أجواء مواجهة حقيقية مع الرئيس سعيد على خلفية زيارته إلى مصر واللقاءات التي عقدها مع نظيره عبدالفتاح السيسي ما سيساهم في تعميق حدة الأزمة.

وقالت النائبة البرلمانية عن حركة النهضة جميلة الكسيكسي في تصريحات لصحيفة محلية الثلاثاء إن “المطروح هو مناقشة الجلسة العامة بالبرلمان للتعليل الذي قدمه رئيس الجمهورية في علاقة بتنقيحات قانون المحكمة الدستورية، وإذا رأت الجلسة العامة أنها موجبة لتعديل مشروع قانون تنقيح القانون الأساسي المتعلق بالمحكمة على ضوء رد رئيس الجمهورية لمشروع قانون تنقيح قانون المحكمة الدستورية لقراءة ثانية والتعليلات فسيقع الذهاب في ذلك الاتجاه”.

ويعكس عدم حسم مكتب البرلمان في إمكانية إدخال تغييرات على تعديلات قانون المحكمة ترددا من حركة النهضة وفقا لمراقبين خاصة أن المشهد السياسي بدا متقلبا في الساعات الماضية حيث خرجت أصوات من داخل حليفها البارز حزب قلب تونس تطالب بتقييم التحالف مع النهضة ما قد يعمق عزلتها التي تفاقمت على وقع الخلافات مع الرئيس سعيد.

Thumbnail

وكان قلب تونس وراء عدم الحسم في هذه النقطة حيث لم يتردد رئيس كتلة الحزب في البرلمان أسامة الخليفي، في القول قبل أيام إن “قلب تونس ضد انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية بالقوة”.

وجاء تصريح الخليفي بعد تصويت مكتب البرلمان لصالح تأجيل جلسة كانت مقررة في الثامن من أبريل الجاري لاستكمال انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية.

وقال المحلل السياسي محمد صالح العبيدي إن “المحكمة الدستورية تكاد تكون صفحة وطُويت في تونس لعدة أسباب أبرزها فشل الأحزاب المشكلة لحزام رئيس الحكومة في المرور بقوة من خلال إدخال تعديلات يرفضها الرئيس قيس سعيد على قانون المحكمة”.

رابح الخرايفي: مصادقة البرلمان على المشروع تصعيد مع الرئيس الذي لن يمضيه
رابح الخرايفي: مصادقة البرلمان على المشروع تصعيد مع الرئيس الذي لن يمضيه

وأضاف العبيدي في تصريح لـ”العرب” أن “الإشكال واضح اليوم، الأزمة سياسية بامتياز ولا يمكن حلها بآليات قانونية أو دستورية، هناك من يريد المضي قدما في ذلك أي محاولة حل الأزمة بآليات قانونية ودستورية وهذا تصعيد لا مبرر له، على جميع الأطراف الجلوس على طاولة الحوار من أجل استكمال المؤسسات الدستورية وخفض التصعيد بينها”.

وأفصح الرئيس سعيد مؤخرا عن موقف أبعد أكثر إمكانية تركيز المحكمة الدستورية حيث شدد على أن العملية تجاوزت الآجال الدستورية حيث ينص قانون المحكمة على ضرورة إنشائها في أجل لا يتجاوز سنة لكنه ترك الباب مفتوحا أمام تفاهمات قد تفضي إلى تركيزها.

وقال الرئيس سعيد في كلمة له الأسبوع الماضي في ذكرى وفاة الرئيس الحبيب بورقيبة (أول رئيس للجمهورية التونسية) “هم خرقوا الدستور.. لكن الحل ممكن إذا كانت النية صافية” في إشارة صريحة إلى نوايا النهضة وحلفائها بشأن تركيز محكمة على المقاس من أجل عزله.

ويعود حرص كل من حركة النهضة وحلفائها على الإسراع في تشكيل المحكمة الدستورية إلى محاولة حسم الخلاف حول التعديل الوزاري المثير للجدل الذي أجراه رئيس الحكومة هشام المشيشي قبل أشهر ورفضه الرئيس سعيد.

وكانت أوساط سياسية في تونس قد حذرت في وقت سابق من محاولات تركيز محكمة دستورية على مقاس الأحزاب المشكلة للحزام السياسي الداعم لرئيس الحكومة هشام المشيشي خاصة أن تلك الأحزاب لا تزال تصعد مع الرئيس سعيد وتهدد بعزله في حال تم إنشاء المحكمة.

والمحكمة الدستورية هي هيئة قضائية وقع إقرارها بموجب دستور 2014، وتضم 12 عضوا، 4 ينتخبهم البرلمان، و4 يختارهم المجلس الأعلى للقضاء (مؤسسة دستورية مستقلة)، و4 يعيّنهم رئيس الجمهورية.

وتراقب المحكمة مشاريع تعديل الدستور والمعاهدات ومشاريع القوانين والقوانين والنظام الداخلي للبرلمان، وتبت في استمرار حالات الطوارئ والنزاعات المتعلقة بها، ويمكن للمحكمة النظر في لائحة برلمانية لسحب الثقة من رئيس الجمهورية وإقرار فراغ منصبه، والنظر في النزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

4