المحكمة الدولية.. تكفيريون يبحثون عن تفكيريين

الجمعة 2014/01/24

كان انعقاد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حدثا استثنائيا. يكفي الأمران الملفتان اللذان ظهرا في اليومين الأوّلين من جلسات المحكمة التي بدأت أعمالها في إحدى ضواحي لاهاي.

يتمثّل الأمر الأوّل في التفاصيل الدقيقة والمذهلة التي يملكها الإدعاء العام عن المجموعة التي نفّذت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، على رأسهم النائب باسل فليحان.

تبيّن أن هناك إحاطة كاملة بتحرّكات المنفذّين والوسائل التي اعتمدوها لإخفاء جريمتهم، وأخذ الأمور في اتجاه ما يمكن وصفه بـ”التكفيريين”.

بعد تسع سنوات على الجريمة، لم يتغيّر شيء. هناك تكفيريون يبحثون عن تكفيريين. يريد هؤلاء إيجاد تكفيريين، ولو بالقوّة، لتبرير تصرّفاتهم ووجود سلاحهم غير الشرعي الذي ليس سوى امتداد للسلاح الفلسطيني الذي وُجد من يجعل منه شرعيا في العام 1969 لدى توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم. كانت تلك الخطوة الأولى في طريق طويل يستهدف القضاء على الدولة اللبنانية بتشجيع من نظام طائفي في سوريا بدأت تتبلور هويته الحقيقية مع تولي حافظ الأسد، وزير الدفاع منذ 1966، السلطة كلّها في نوفمبر من العام 1970.

يظهر اليوم أن السلاح غير الشرعي الذي فجّر موكب رفيق الحريري، برعايته، والذي ارتكب مزيدا من الجرائم لتغطية الجريمة الأصلية أراد- بكل بساطة- استكمال مهمّة تدمير لبنان.

من قتل رفيق الحريري، إنما أراد قتل لبنان لا أكثر ولا أقلّ. ما قامت به المحكمة الدولية يتمثّل في كشفها لهوية المجرمين وامتداداتهم والوسائل المستخدمة، وذلك من دون الذهاب إلى تسمية الأشياء بأسمائها.

الأهمّ من ذلك كلّه، أنها سمّت المتهمين والدور الذي لعبه كلّ منهم. تعمّدت عدم الربط العلني والمباشر بين الجريمة والجهة التي ينتمي إليها هؤلاء المتهمّون، علما بأن كلّ لبناني يعرف كلّ ما يلزم عن العلاقة بين المنتمين والذين كلّفوهم بتنفيذ الجريمة.

كان ذلك دليلا على أن المحكمة الدولية لا تسعى إلى الإثارة بمقدار ما أنها تسعى إلى العدالة التي يتعطّش إليها اللبنانيون الذين يعرفون جيّدا من قتل رفيق الحريري، ولماذا قتل بالطريقة التي لجأ إليها المجرمون، ولماذا كانت تلك الوسائل التي استخدمت من أجل تغطية الجريمة وجعل التحقيق يسير في اتجاه معيّن، أي في اتجاه “التكفيريين”.

أمّا الأمر الملفت الآخر في ما صدر عن الإدعاء العام، فإنّه يتمثّل في كشف البعد الإقليمي للجريمة التي استهدفت في نهاية المطاف كلّ لبنان وصيغة العيش فيه واقتصاده ونظامه السياسي.. فضلا عن مدينة اسمها بيروت. هل دفع رفيق الحريري ثمن إعادة الحياة إلى بيروت بصفة كونها مدينة لكلّ اللبنانيين؟ هل دفع ثمن الدور الكبير الذي لعبه في التوصّل إلى اتفاق الطائف المطلوب إحلال “المثالثة” مكانه الآن؟

الجواب نعم كبيرة. هناك من يريد الانتقام من رفيق الحريري لأنه أعاد الحياة إلى بيروت. فالحياة في بيروت هي بداية الحياة في كلّ لبنان. في الإمكان جعل تجربة بيروت تعم كلّ الوطن الصغير. ولذلك، واجه رفيق الحريري كلّ تلك “المقاومة” لمنع النجاح الذي كان اسمه بيروت يتمدّد في كلّ الاتجاهات. كان رفيق الحريري لا يزال حيّا عندما مُنعت الدولة اللبنانية، بقوة السلاح، من تطوير الضاحية الجنوبية عبر مشروع “اليسار”. كان مطلوبا، ولا يزال مطلوبا، أن يعمّ البؤس كل منطقة من لبنان. كلّ ما هو مطلوب أن يكون لبنان “مربّعات أمنية” تابعة لهذه الفئة المذهبية المتعصّبة أو تلك. مطلوب أن يكون الحوار الوطني في لبنان بين “مربّع أمني” وآخر. أكثر من ذلك، ممنوع على اللبنانيين التلاقي في ما بينهم. ممنوع أن تكون لديهم دولة تهتمّ ببقاء اللبنانيين في لبنان وبالتنمية والاقتصاد والصحة والثقافة والتعليم وإيجاد وظائف لخريجي الجامعات.

ليس صدفة، بعد تسع سنوات من اغتيال رفيق الحريري أن يكون العرب، بفضل حكومة “حزب الله” التي يرأسها نجيب ميقاتي، ممنوعون من المجيء إلى لبنان. كان الاغتيال فصلا من فصول جريمة لم تكتمل فصولها بعد. في أساس هذه الجريمة القضاء على بيروت وضرب الاقتصاد اللبناني ونشر البؤس في كلّ بقعة من لبنان.

جاءت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لتكشف المستور. لم تعد هناك أسرار في لبنان. معروف من نفّذ الجريمة، ومعروف من غطاها، ومعروف من سعى إلى أخذ التحقيق في اتجاه التكفيريين عن طريق “أبو عدس” ومن شابه “أبو عدس” وصولا إلى “فتح الإسلام” في مخيّم نهر البارد، ثمّ غزوة بيروت في مايو من العام 2008 وما رافقها من سعي إلى إخضاع الجبل ومن خلاله الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. المؤسف أن من أخذ الجريمة في اتجاه معيّن ما زال يستثمر في المشروع نفسه. تكمن أهمّية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في أنها كشفت هذا المشروع. فالمتهمون ينتمون إلى “حزب الله”، و”حزب الله” ليس سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني. لم يكن ممكنا تنفيذ جريمة تفجير موكب رفيق الحريري في مرحلة معيّنة من تاريخ لبنان، أي في الرابع عشر من فبراير 2005، من دون موافقة النظام السوري ومباركته، حتى لا نقول أكثر من ذلك بكثير. لم يكن في الإمكان إرسال شاحنة محمّلة بطنين من المتفجّرات، كي تصطدم بسيارات موكب رفيق الحريري، من دون الرعاية السورية في وقت كان النظام في دمشق يعرف كلّ شاردة وواردة في مساحة ألـ 10452 كيلومترا مربّعا التي يتشكّل منها لبنان.

ما كشفته المحكمة الدولية يتلخّص بكلّ بساطة بأن اغتيال رفيق الحريري كان يستهدف اغتيال لبنان. ما فاجأ المجرمين هو قدرة اللبنانيين على المقاومة. ما يعكس مقاومة اللبنانيين وجود سعدالدين رفيق الحريري في قاعة المحكمة يستمع مع ذوي الضحايا والمتضررين إلى ما لدى المدعي العام يقوله عن الجريمة. كان وجود سعد الحريري في ضاحية لاهاي، حيث مقر المحكمة، ثم كلامه عن العدالة ورفض الثأر، فعل إيمان بلبنان. كان ذلك دليلا على أن ثقافة الحياة لا يمكن إلا أن تنتصر على ثقافة الموت، وعلى أنّ لبنان ليس تلك اللقمة السائغة التي تستطيع إيران وأدواتها.. وأدوات أدواتها من المسيحيين اللبنانيين، ابتلاعها بسهولة. لن تستطيع ذلك مهما استثمرت في الاغتيالات والتفجيرات ومهما ذهبت بعيدا في لعب ورقة “التكفيريين”.


إعلامي لبناني

9