المحكمة العسكرية في لبنان تضرب مثالا جديدا في الانحياز

شكل قرار إخلاء سبيل ميشال سماحة صدمة للرأي العام اللبناني، خاصة وأن الأخير كان قد أقر بما نسب إليه من محاولة لضرب استقرار لبنان عبر التخطيط لعمليات تفجير واغتيالات، ورأى كثيرون أن ما أقدمت عليه المحكمة العسكرية يكرس حقيقة مفادها أنها تدار من أطراف سياسية معينة.
الجمعة 2016/01/15
قوات الأمن تحاول إخلاء مبنى وزارة البيئة ومحيطه بوسط بيروت من نشطاء "بدنا نحاسب" الذين اقتحموه أمس، تنديدا باستمرار أزمة النفايات

بيروت - أثار قرار المحكمة العسكرية اللبنانية بإخلاء سبيل وزير الإعلام الأسبق ميشال سماحة، المتهم بالتخطيط مع النظام السوري لتنفيذ تفجيرات واغتيالات في لبنان، ردود فعل غاضبة ومستنكرة لدى الأوساط السياسية اللبنانية، وسط شكوك بوقوف حزب الله خلف إطلاق سراحه.

وقررت المحكمة العسكرية المثيرة للجدل، الخميس، إطلاق سراح سماحة، مقابل كفالة مالية قدرها 150 مليون ليرة (100 ألف دولار)، وهو قرار إجرائي حيث أن القضية ستبقى سارية إلى حين الفصل فيها.

ونص قرار المحكمة على منع سماحة من السفر مدة سنة، مع التعهد بحضور كل الجلسات، فضلا عن عدم الإدلاء بأي تصريحات لوسائل الإعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان سماحة اعترف بالتخطيط لتفجيرات وعمليات اغتيال تستهدف شخصيات سياسية ودينية خلال شهر رمضان في شمال لبنان بطلب سوري، وبتنسيق مباشر مع رئيس مكتب الأمن القومي السوري علي مملوك، وذلك إثر توقيفه في 9 أغسطس 2012.

ونشرت وسائل إعلام لبنانية العام الماضي تسجيلات صوتية لسماحة ساهمت في إدانته، إذ يتحدث فيها بوضوح عن مخطط التفجير مع شخص يدعى ميلاد كفوري، وهو الشخص الذي وشى به إلى السلطات. وقال سماحة إن كفوري “المحرض” هو الذي “استدرجه” إلى هذا المخطط.

وحكمت المحكمة العسكرية في 13 مايو 2015 على سماحة الذي كان حتى لحظة توقيفه في العام 2012 مستشارا للرئيس السوري بشار الأسد، بالسجن لمدة أربع سنوات ونصف السنة وتجريده من حقوقه المدنية، بعد إدانته بـ“محاولة القيام بأعمال إرهابية والانتماء إلى مجموعة مسلحة”.

وفي الثاني من يونيو، وافقت محكمة التمييز العسكرية على نقض الحكم وحددت موعدا جديدا لإعادة محاكمته بناء على طلب مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر الذي طالب “بإدانة سماحة وتجريمه (…) وبفرض أقصى العقوبات المنصوص عليها قانونا بحقه” و”بعدم منحه أي أسباب تخفيفية”، بعدما أثار الحكم الأول “المخفف” الصادر في حق سماحة عاصفة من ردود الفعل الغاضبة.

ويرى سياسيون ومسؤولون لبنانيون أن خطوة إخلاء سبيل سماحة، أمس، رغم وجود أدلة محسوسة تدينه تعكس بوضوح حقيقة أن هذه المحكمة هي رهينة لدى أطراف معينة.

وقال منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد “هذا إثبات إضافي أن لبنان لا يزال دولة أمنية مصادرة من قبل حزب الله وحلفائه، حيث يضع الحزب يده على القضاء”.

وشدد سعيد في تصريح لـ“العرب” “على أن مثل هذا القرار لا يجب أن يمر دون أن يتم تكوين ردة فعل تدخل في إطار بلورة اتجاه لدى الرأي العام اللبناني والعربي والدولي، يشكل حجة إضافية عن كون البلد محتلا من قبل الإرادة الإيرانية”.

من جانبه اعتبر مصطفى علوش القيادي في تيار المستقبل أنها “فضيحة جديدة تضاف إلى الفضائح القائمة في البلد. حين يتم التعامل مع جريمة مثل جريمة ميشال سماحة التي تنطبق عليها قوانين عقوبات تقضي بالسجن لـ15عاما في أقل تقدير بمثل هذه الطريقة ويتم إطلاق سراحه بهذا الشكل وكأن ما قام به ليس سوى جنحة بسيطة، وهذا يعني شيئا واحدا وهو أن لا قضاء في البلد”.

ورأى علوش في تصريحات لـ“العرب” “أن لبنان محتل من قبل إيران عبر حزب الله، والقضاء هو جزء من العناصر الخاضعة لهذا الاحتلال، وحتى القضاة الذين يمتلكون قدرا معينا من النزاهة يمكن لهم أن يستنسبوا بناء على ضغوطات تطالهم على قاعدة “ما متت بس شفت مين مات”.

أشرف ريفي: مرة جديدة، أجد نفسي مضطرا لأن أنعى المحكمة العسكرية

وأشار إلى أن تيار المستقبل وفي حال اتخذ قرارا بالاحتجاج ورفض هذه الخطوة، فإن تأثيرها على مسار الأمور سيكون ضئيلا جدا، لأن حزب الله تعدى مرحلة التفاهم مع المكونات الأخرى، وهو ينتظر ما يحدث في سوريا كي يقرر ماذا سيفعل في لبنان، وعلى الأرجح ستكون هناك تغيرات ستؤدي إلى تغيير المنظومة القائمة من أساسها.

ولطالما أثار القضاء العسكري اللبناني جدلا كبيرا، بسبب قراراته، التي عادة ما تنتصر لمقربين من النظام السوري أو حزب الله، حتى في وجود كم من الإثباتات التي لا تقبل الدحض، وهناك العديد من الأمثلة في هذا الإطار أقلها في ما يتعلق بقضية فايز كرم.

وفايز كرم هو عميد متقاعد من الجيش، وقيادي في التيار الوطني الحر حليف حزب الله، اتهم في سبتمبر 2011 بالتخابر لصالح إسرائيل، واعترف كرم بذلك، كما أن هناك تسجيلات تدينه، بيد أن القضاء العسكري قضى بسجنه عامين في حكم أثار آنذاك ردود فعل مستنكرة وخاصة من طرف 14 آذار.

ويرى مسؤولون لبنانيون ومتابعون أن هفوات القضاء العسكري اللبناني المستمرة تضفي مزيدا من عدم الثقة لدى المواطن اللبناني في نزاهة أجهزة الدولة ومؤسساتها.

ويضيف هؤلاء أن خطوة إطلاق سماحة “غير المنطقية” ستزيد من حالة الاحتقان الطائفي في لبنان، خاصة وأن هذا القضاء يكيل بمكيالين إزاء التعامل مع المحسوبين على السنة، ولعل قضية “أحمد الأسير” والتشدد القضائي تجاهه من الأمثلة البارزة للعيان.

ويرى مسؤولون لبنانيون أن الوضع الذي عليه القضاء العسكري في لبنان، لم يعد من المقبول الاستمرار به، وبات من الضروري تغييره وإرساء منظومة قضائية تكرس فعليا مفهوم العدالة، بعيدا عن أي ضغوط أو مزايدات سياسية.

وقال وزير العدل اللواء أشرف ريفي ‏‎الذي لطالما انتقد المنظومة القضائية “مرة جديدة، أجد نفسي مضطراً لأن أنعى المحكمة العسكرية. مرة جديدة، أجد نفسي مضطراً لأن أنعى للشعب اللبناني هذه المنظومة القضائية الاستثنائية بكافة درجاتها”.

وأضاف “يبدو أن هذه المنظومة تميز بين متفجرات من هنا ومتفجرات من هناك. يبدو أنها تميز بين إجرام تعتبره صديقا وإجرام تعتبره عدوا. إنها بذلك تضرب عرض الحائط بالأمن الوطني اللبناني وأمن اللبنانيين”.

ودعا ريفي اللبنانيين للعمل على دعم وإقرار مشروع القضاء المتخصص البديل الذي يتماشى مع العصر ويعامل اللبنانيين بمعيار واحد دون تفرقة أو تمييز. وريفي كان من أشرف رفقة اللواء وسام الحسن (رئيس شعبة المعلومات اغتيل بحادث تفجير في بيروت في أكتوبر 2012) على عملية اعتقال ميشال سماحة، حين كان مديرا عاما لقوى الأمن الداخلي اللبناني.

2