المحللون النفسيون مدينون للشعراء والأدباء

الناقد جان بيلمان نويل يؤكد أنَّ الكتابة الأدبية ليست هي "الواقع" بل هو الواقع المموّه، حسب ما رتبه الكاتب أو الشاعر بترتيب أدواته وأفكاره. وقضاياه.
الخميس 2018/03/22
لولا الأدب لما كان فرويد

طرح الناقد جان بيلمان نويل في كتابه النقدي المهم “التحليل النفسي والأدب” الكثير من الأسئلة الجوهرية، بعد أن وجد أنَّ التحليل النفسي للأدب لم يضف للأدب جديداً، بقدر ما أضاف الأدب للتحليل النفسي الكثير. وقد ترجم الناقد المغربي حسن المودن الكتاب ليصدر مؤخراً في طبعة منقّحة عن دار كنوز المعرفة بالعاصمة الأردنية عمان.

ووجد أنَّه لولا الشخوص الأدبية لما تمكن طبيب الأعصاب النمساوي سيغموند فرويد الذي غدا في ما بعد عالم النفس الشهير من وضع نظرياته المهمة في علم النفس، كعقدة أوديب، التي استنتجها من المسرحية اليونانية القديمة “أوديب ملكاً” لسوفوكليس، وعقدة إليكترا من المسرحية “إليكترا” ليوربيدس. والعقدة النرجسية، التي استمدها من أسطورة الصياد اليوناني “نركسيس” الذي اشتهر بوسامته، فعشق شكله من خلال النظر إلى نفسه من خلال مرآة صفحة ماء النبع.

وراح فرويد يطبق بعد ذلك نظرياته النفسية على شخوص الأدب كشخصية الأمير “ميشيكن” في رواية الأبله لفيدور دوستيوفسكي، و”دون كيشوت” لسرفانتس، وشخصيات “الكلمات” لجان بول سارتر، و”مدام بوفاري” لغوستاف فلوبير، وغيرها.

 

ماذا سنقول عن الابتسامة؟ وخاصة عندما تشبه ابتسامة القطّ المفقود في “ألِيس في بلاد العجائب”؟ سؤال يطرحه الناقد جان بيلمان نويل في كتابه “التحليل النفسي والأدب” ويستفيض في مقارناته بين الأدب والإبداع وعلم النفس، وهو ما بات مفقودا في الدراسات الأدبية والعلمية اليوم

الشعراء والكتاب

اضمحلَّ في التسعينات من القرن الماضي التحليل النفسي كوسيلة بحث في أغلب المباحث النقدية الجامعية، وكذلك في كتابات النقاد العرب عند تحليل النصوص الروائية والقصصية. وكان من النادر أن تنشر مجلة أدبية راسخة كالآداب البيروتية في زمن رئيس تحريرها سهيل إدريس في هذه الفترة نقداً من هذا النوع. لكنك تجده فيها، خلال فترة الخمسينات والستينات. وتجده كذلك في الكثير من المجلات الأدبية الرصينة الأخرى في مصر وسوريا والعراق.

كما تجد كتاباً عرباً كتبوا بهذا الاتجاه، كجورج طرابيشي، كما في كتابته عن عقدة أوديب في الرواية العربية، ومحمود عباس العقاد في كتابته عن النرجسية لدى الشاعر أبونواس، والقراءة النفسية للنص الأدبي العربي للدكتور محمد عيسى، والقراءة النفسانية في عقدة الأخوة بدل عقدة أوديب في “قصة النبي يوسف” للناقد حسن المودن وغيرهم. وفي قصة التسعينات تغيرت وسائل البحث، فأصبح للمناهج البنيوية دور مهم حتى أنَّ صاحب الكتاب الذي بين أيدينا أشار في أحد فصوله، إلى تحول المحلل النفسي جاك لاكان الذي “أعاد قراءة فرويد في ضوء لسانيات دوسوسير”.

وضمَّ الكتاب ستة فصول مع مقدمة للمترجم وضح فيها سبب اختياره لترجمة الكتاب للقارئ العربي. اعتبر فيها أنَّ مشروع نويل في النقد النفسي المعاصر من المشروعات الأكثر أهمية في الربع الأخير من القرن العشرين، وبداية الألفية الجديدة.

في الفصل الذي عنونه الكاتب بـ”القراءة مع فرويد” الذي قسمه إلى ثلاثة مباحث، الأول كان إجابة على سؤال، ماذا يعني تطبيق التحليل النفسي؟ والثاني “درس في القراءة” والثالث عن “الكتابات الفرويدية”.

وضّح المؤلف أساسيات فكر فرويد بفقرة استقاها من رواية “غراديفا” لجينس، التي أخذت اهتماما استثنائيا من الكاتب لتوصيل أفكاره. وجاء فيها أنَّ “الشعراء والكتاب هم أعزُّ الحلفاء، للمحللين النفسيين، وينبغي عليهم أن يقدروا شهاداتهم أحسن تقدير”، وعزا ذلك “لأنَّهم يعرفون أشياء بين السماء والأرض، لم تتمكن حكمتنا المدرسية من الحلم بها”.

ويكمل “فَهُمْ، في معرفة النفسِ، شيوخنا، نحن الناس العاديين، لأنَّهم يغرفون من منابع لم ينجح العلم بعد في الوصول إليها”. فالمحلل النفسي هنا يستمد من الشاعر والروائي والمؤلف المسرحي ما يسند عمله العلمي، ولكن ليس العكس، الذي يقول بضرورة أن نستمد من مناهج علم النفس تفسيرا لقصيدة أو تحليل شخصية روائية أو قصصية أو مسرحية.

علاقات وثيقة بين الفن والأدب وعلم النفس
علاقات وثيقة بين الفن والأدب وعلم النفس

وهكذا درس فرويد أعمالا شعرية وروائية قديمة ومعاصرة له، كبوكاس، سرفانتس، ديدرو، جوته، هميروس، هوارس، لوتاس، ميلتون، موليير، شيلر، شكسبير، سوفوكليس، وغيرهم. ومن الأدباء المعاصرين له الذين درس أعمالهم ناتول فرناس، إبسن، كيبلينج، توماس مان، نيتشه، شوبنهاور، برنارد شو، مارك توين، أوسكار وايلد، زولا، استيفان زويج وغيرهم.

الإثارة الجنسية

في فصل آخر، يصل نويل في تحليله لمعنى المتعة من الأدب، فيقول عنها “المتعة الحقيقية أمام العمل الأدبي، هي التي تصدر عن نفسياتنا التي تتحرر من بعض التوترات”. وليس صحيحا أننا نجد جديدا في “التحليل النفسي” لتوضيح فكرة أدبية لها علاقة بالجمال. فمثلاً، يصف الكاتب امرأة جميلة، ويشيد بجمالها في نصه الأدبي، فالأديب هنا يقدم إثارة جنسية لقارئه، فجمال الجسد مرتبط بكل ما يثير جنسيا. ولا تشير عباراته أصلاً إلى شيء آخر غير ما يثير القارئ جنسيا”. أما كيف نستخدم أدوات علم النفس لتحليل ذلك نقديا، فذلك يجعلنا ندور في حلقة مفرغة لها أول ولا آخر لها، ولا نصل إلى جديد فيها.

ويؤكد الكاتب في فصول كتابه الباقية، أنَّ الكتابة الأدبية ليست هي “الواقع” بل هو الواقع المموّه، حسب ما رتبه الكاتب أو الشاعر بترتيب أدواته وأفكاره وقضاياه. كما يفعل الطفل حين يمارس لعبة من ألعابه، لتمثيل فكرة تملأ عليه وجدانه وخياله ليستمتع بما جمع حوله من أجزاء اللعبة. معتبرا أنَّ القصة والفن والشعر أنواع من أشكال اللعب، الذي يمارسه الكاتب والشاعر لاستعادة ألعاب طفولته، تلك الألعاب الطفولية التي لم يعد من المجدي اللعب بها عند الكبر إلا بهذه الطريقة.

وتناول نويل فقرة من فرويد قارن فيها بين العُصابيّ والفنان وذكر فيها “أنَّ الفنان مثل العُصابيّ، فهو ينصرف بعيدا عن هذا الواقع الذي لم يعد كافيا نحو عالم من الخيال، ولكن على خلاف العُصابيّ، فهو يعرف كيف يهتدي مرة أخرى إلى طريق الواقع الراسخ”. ليوضح الفرق في نصوص أدبية عالمية، ورسومات فنانين كبار في العالم بين الفن والأدب وعلم التحليل النفسي.

كتاب “التحليل النفسي والأدب” لجان بيلمان نويل أحد الكتب النقدية المهمة التي تفيد الناقد والروائي والقاص العربي في فهم آلية التكوين النصي، وما قبل النص، ولاوعي النص، ويحيلهم على مقاربات منهجية جديدة في فهم آليات الكتابة الإبداعية بالاستفادة من طروحات التحليل النفسي  لإغناء النصوص.