المحور الجزائري السعودي.. دبلوماسية نشطة تبدد التباينات السياسية

حركية كبيرة تشهدها الدبلوماسية الجزائرية والسعودية في الآونة الأخيرة رآها محللون محاولات لإذابة الجليد بين البلدين عقب مواقف الجزائر من ناتو إسلامي ضد الحوثيين في اليمن التي لم تدعمه رغم تهديداتها للأمن القومي الخليجي والعربي، مما فسر بانحياز للمحور الإيراني دعمته مواقفها من الأزمة السورية. لكن تسارع التغييرات الدولية وحجم التحديات الأمنية على عاتق الأنظمة العربية بخطر داعش وصعود اليمين المتطرف في أوروبا، يبرر التقارب السعودي الجزائري، خاصة وأن السعودية لاعب إقليمي عربي له ثقل استراتيجي ويستطيع بخبرته تجاوز أزمات وتباينات المنطقة.
الثلاثاء 2017/01/17
التقارب وارد

الجزائر - تشهد العلاقات على المحور الجزائري- السعودي خلال الأشهر الأخيرة حركية كبيرة تجلت في تبادل للزيارات على أعلى مستوى رغم تباين مواقف البلدين من عدة ملفات إقليمية أبرزها السوري واليمني، وهي تطورات فرضتها التغيرات المتسارعة في المنطقة والعالم، وفق خبراء ومتابعين.

واتسمت العلاقات الجزائرية مع الدول العربية بالشرق الأوسط بحالة من الفتور وفق ما وصفه المتابعون خاصة مع أهم لاعب إقليمي عربي وهو السعودية، نتيجة اختلاف الرؤى والمواقف بين البلدين في أكثر من ساحة؛ سواء كانت سياسية أو اقتصادية، بدءاً بالأزمة السورية، حيث لا تزال الجزائر تعترف بنظام الأسد في تدعيم الرياض المعارضة السورية، لتأتي الأزمة اليمنية لتعقد العلاقات وذلك بإصرار السعودية على المضي في تحالف عربي تحت قيادتها لتحجيم الحوثيين والخطر الإيراني المستشري بالمنطقة، في حين تقدمت الجزائر بمبادرة دبلوماسية وأعلنت استعدادها لاستضافة أطراف الأزمة، إلا أن الحل العسكري كان هو الأسرع، بالإضافة إلى عدم امتلاك الجزائر لأوراق ضاغطة على طرفي الأزمة اليمنية، وسرعة تحرك السعودية في الموضوع اليمني مقارنة بتدخلها المتأخر في سوريا؛ وذلك لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي السعودي وكل دول الخليج العربي.

وضاعف تحفظ الجزائر على قرار مجلس وزراء الداخلية العرب، بشأن إدراج حزب الله اللبناني كمنظمة إرهابية، من حدة الأزمة الدبلوماسية غير المعلنة بينها وبين السعودية.

وجاء هذا الموقف امتدادا لمواقف سابقة ابتعدت فيها الجزائر عن السعودية واقتربت فيها أكثر من إيران، حيث امتنعت عن دعم موقف الرياض في اليمن وسوريا، وقابلت مبادرتها لإنشاء “ناتو إسلامي” ببرود ما اعتبره دبلوماسيون ومحللون انحيازا لإيران ورغبة في التقرب منها.

كما لم تحتج الجزائر، التي تقول دائما إنها تعارض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، على تدخل إيران وميليشيات تابعة لها في سوريا، ولا على التدخل الروسي لإسناد الأسد، أو على القصف التركي لمواقع في سوريا باستمرار.

ورغم التباينات في المواقف من قضايا المنطقة ظهرت تحركات حثيثة بين الجانبين في الآونة الأخيرة تدعو إلى مواقف موحدة في أكثر من جبهة وكان الرئيس الجزائري، عبدالعزيز بوتفليقة، استقبل الأسبوع الماضي، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز في زيارة خاطفة وصفت من قبل وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية بـ”الأخوية”.

فتح سفير الرياض للموضوع في هذا الوقت بالذات، يعكس تبديد الخلافات السعودية الجزائرية في أعقد الملفات الإقليمية

وفيما لم تقدم الوكالة تفاصيل أكثر حول الملفات التي تناولها اللقاء، ذكرت وسائل إعلام سعودية أن الجانبين بحثا مجمل الأحداث التي تعرفها الساحات العربية والإسلامية والدولية وواقع التعاون الثنائي وسبل دعمه.

وفي نهاية نوفمبر الماضي، زار رئيس الوزراء الجزائري، عبدالمالك سلال، السعودية، برفقة وفد ضم وزراء ورجال أعمال.

كما زار الجزائر رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة السعودية، الفريق أول الركن عبدالرحمن بن صالح البنيان في أكتوبر الماضي. واكتفى بيان لوزارة الدفاع الجزائرية آنذاك بالتأكيد على أن مباحثات الضيف السعودي مع القيادة العسكرية الجزائرية “ركزت على التعاون العسكري الثنائي وسبل تنويعه، فضلا عن تبادل وجهات النظر بشأن أهم القضايا الراهنة”.

كما علق رئيس الوزراء الجزائري على وضع العلاقات مع الرياض بقوله، في تصريحات صحافية، إن “هذه العلاقات رغم ما يظهر عليها من تناقض في المواقف، إلا أنها جيدة”.

الأزمة اليمنية

من الرياض، أطلق سلال تصريحات قالت وسائل إعلام محلية إنها تحول في الموقف الجزائري من الأزمة اليمنية، حيث أكد أن “الجزائر تقف إلى جانب السعودية في مواجهة الإرهاب وأن الجزائريين سيقفون وقفة رجل واحد ضد أي تهديد للأماكن المقدسة في المملكة”.

ويعزز فرضية التحول في الموقف الجزائري للأزمة اليمنية قول المسؤول الجزائري بخصوص إعلان “التحالف العربي” اعتراض وتدمير صاروخ “باليستي”، على بعد 65 كلم من مكة المكرمة، بأن جماعة “أنصار الله” (الحوثي) أطلقته من محافظة صعدة، شمالي اليمن نهاية أكتوبر الماضي.

وكانت الجزائر من الدول العربية التي لم تنخرط في التحالف العربي في اليمن، بقيادة السعودية، والذي أطلق في 26 مارس 2015 عملية عسكرية ضد مسلحي جماعة الحوثي وحلفائها من المسلحين الموالين للرئيس السابق، علي عبدالله صالح؛ ردا على سيطرتهم على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، إضافة إلى محافظات يمنية أخرى.

رئيس الوزراء الجزائري يعلق على وضع العلاقات مع الرياض بقوله، إن "هذه العلاقات رغم ما يظهر عليها من تناقض في المواقف، إلا أنها جيدة"

ومؤخرا، رددت تقارير إعلامية أنباء حول وساطة جزائرية في الأزمة اليمنية لكن دون تأكيدها رسميا من الطرفين.

واكتفى وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، بالقول إن “الدبلوماسية الجزائرية معروفة بأنها قائمة على مبدأ خدمة الغير والتضامن دون استعمال دبلوماسية مكبر الصوت، وأن الجزائر تعمل في أكثر من مكان دون الحاجة إلى الاحتفاء بأي مجهود نقوم به تجاه أي دولة”.

وأعلن الدبلوماسي الجزائري عن انعقاد اللجنة العليا للتعاون بين بلاده والسعودية نهاية شهر فبراير المقبل.

ومن جهته، رفض السفير السعودي بالجزائر، سامي بن عبدالله الصالح، في حوار للصحافة الجزائرية تأكيد أو نفي وجود هذه الوساطة.

وقال إن “مكانة الجزائر في المجتمع الدولي وموقعها الجيوسياسي يجعلانها قادرة على حلحلة الأزمات في اليمن أو في غيره”.

وإضافة إلى الملف اليمني، تحافظ الجزائر على علاقات رسمية مع نظام بشار الأسد في سوريا، ويتبادل الجانبان الزيارات الرسمية، بينما تدعم أغلب دول الخليج- وفي مقدمتها السعودية- المعارضة السورية المسلحة، وتدعو إلى رحيل الأسد.

وفي أكثر من مناسبة، برر مسؤولون جزائريون هذه المواقف برفض الجزائر التدخل في الشأن الداخلي للدول الأخرى، وتفضيل طريق الحوار والتفاوض لحل أزمات المنطقة.

الملف السوري

رغم أن السفير السعودي بالجزائر، سامي بن عبدالله الصالح، كشف في السابق عن خلاف حاد بين البلدين إزاء قضايا عربية جوهرية، تحديدا الملف السوري، الا أن النقاشات الجديدة التي جمعت مسؤولين من الجزائر والرياض قد تؤشر على أن هذه القضية قد تعرف تطورات جديدة في الفترة المقبلة.

ويرى مراقبون أن هذه المرة الأولى التي يَقر فيها مسؤول رفيع بخلافات سياسية بين بلدين وازنين في مشرق العالم العربي ومغربه، إذ ظلت حكومتا الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة والملك سلمان بن عبدالعزيز تنفيان وجود أزمة بينهما بسبب الملف اليمني والأزمة السورية وقضية القوة العربية المشتركة وغيرها. وعلى الأرجح فإن فتح سفير الرياض للموضوع في هذا الوقت بالذات، يعكس تبديد الخلافات السعودية الجزائرية على أعقد الملفات الإقليمية بالنظر إلى كثافة التحركات الدبلوماسية على محور الرياض والجزائر في الآونة الأخيرة.

السفير الجزائري في السعودية أكد في تصريحات إعلامية بالجزائر على أن العلاقات بين البلدين ستشهد ديناميكية كبيرة في المستقبل القريب

وشدد السفير سامي بن عبدالله الصالح، في تصريحات إعلامية بالجزائر على أن العلاقات بين البلدين ستشهد ديناميكية كبيرة في المستقبل القريب، مبرزًا أنهما “يشعران بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقيهما وبأهمية القيام بالدور التاريخي المطلوب منهما”.

وفسر عامر مصباح، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الجزائر الحراك على خط الجزائر- الرياض بتبعات التغيرات المتسارعة سواء إقليميا وبالتحديد في المنطقة العربية أو دوليا بوصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة.

وأوضح في تصريحات صحافية أن “السعودية أضحت تدرك أن طريقها نحو سوريا يجب أن يمر عبر الجزائر وذلك بفعل تسارع الأحداث هناك بإعلان 23 يناير تاريخا لانطلاق مفاوضات كازاخستان بين النظام والمعارضة”. كما أن “الجزائر حافظت على علاقاتها الجيدة مع نظام الأسد وحتى مع المعارضة بشكل يجعلها قادرة على لعب أي دور باسم الدول العربية في الملف السوري”.

ويرى الباحث المتخصص في العلاقات الجزائرية السعودية أن “ما يتم تداوله من حديث عن وساطة جزائرية في الأزمة اليمنية له ما يبرره في الواقع بحكم أن الجزائر لم تتحيز إلى أي طرف في هذه الأزمة، كما تملك علاقات جيدة مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح حيث استقبلت طلبة يمنيين في عهده في جامعاتها وكوادر كثيرة من حزبه أيضا”.

ووفق المتحدث فإن “ما هو مطلوب من الجزائر ليس الوساطة في الأزمة اليمنية لأنها شديدة التعقيد ولكن لعب دور المسهل في إطلاق حوار بين مختلف الأطياف”.

وعلى صعيد آخر، اعتبر الخبير أن “وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة وتشدده في القضية المسماة قانون جاستا الأميركي يحفز الرياض على بحثها عن موقف عربي موحد للرد عليه ومواجهته، وللجزائر التي تحافظ على علاقات جيدة مع أغلب الدول العربية دور كبير تلعبه لتحقيق ذلك”.

وقانون “جاستا”، أقره الكونغرس، في سبتمبر 2016، رغم النقض (الفيتو) الرئاسي، ويسمح لعائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، بمقاضاة دول ينتمي إليها منفذو هذه الهجمات، وغالبيتهم من السعودية.

وانتقدت السعودية هذا القانون، محذرة من عواقب وخيمة وتداعيات على علاقتها مع واشنطن، حيث ترفض المملكة تحميلها مسؤولية اشتراك عدد من مواطنيها (15 من أصل 19) في هجمات 11 سبتمبر.

ولفت مصباح الى أهمية البعد الاقتصادي في إحياء العلاقات بين البلدين وأنه يعد محورا هاما في هذا التقارب “كون البلدان يعتمدان بشكل كبير على عائدات النفط”.

7