المخاض العراقي دخل طريق اللاعودة

الخميس 2016/04/21

رغم التناقضات التي تحملها التطورات السريعة في اعتصام نواب البرلمـان العراقي، يبدو أنه يمكن أن يسرع المخاض العسير لخروج البلد من مستنقع الطائفية، ويؤدي إلى نهاية عهد الإسلام السياسي.

المخاوف من الاعتصام في البداية، كانت بسبب انضمام بعض الكتل، المسؤولة عن خراب البلد للاعتصام، وخاصة جماعة نوري المالكي، الذين حاولوا ركوب الموجة واختطافها.

لكن النظرة المتفحصة تؤكد أن زخم الاعتصام وضغط الشارع، أخرج ذلك من أيديهم، وأصبح منيعا أمام تلك المحاولات.

متابعة تفاصيل المواقف، تؤكد أن خطر المالكي انتهى تقريبا، ولم يعد بإمكانه حرف مسار المخاض العراقي، الذي سيؤدي حتما في نهاية المطاف إلى نهاية عهد الأحزاب الدينية.

إذا تمت إذابة النواب المشبوهين، في زخم أهداف القضاء على المحاصصة، فإن الاعتصام يمكن أن يكون خطوة إلى الأمام.

المؤشرات الدولية تؤكد أن المخاض العراقي سيواصل الغليان دون نتائج كبيرة، إلا بعد تحرير الموصل وطرد تنظيم داعش، وهو ما قاله حرفيا وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر قبل أيام.

ويبدو أنه من أكثر التصريحات دقة ومقصود تماما، لأنه لا يمكن أن يصدر عفويا عن وزير دفاع، في حين يتحفظ الرئيس الأميركي ووزير خارجيته على الاقتراب من أوحال الأزمة السياسية في العراق.

أهمية التصريح، أنـه يتزامن مع استعداد واشنطن لإرسال المزيد من القوات لتحرير الموصل، وهو تطور نوعي يؤكد أن أوباما عازم على طرد داعش من العراق قبل نهاية فترته الرئاسية، خاصة مع دخول جميع ملفات المنطقة في مخاض الانفراج.

لكن زخم الاعتصام قد يفلت عن السيطرة، وقد يتم اختطاف ثورة الشارع العراقي من قبل عصابة سياسية جديدة.

إذا تمت إقالة الرئاسات الثلاث في هذا الجو المشحون، فما هي آلية اختيار البديل؟ وهل سيحدث فراغ أمني في إدارة وزارة الدفاع؟ وهل سيؤثر ذلك على معركة تحرير الموصل؟

العجيب أن رئيس الوزراء، حيدر العبادي، لم يغتنم هذه الفرصة الكبيرة، مثلما تردد وتلكأ في اغتنام الفرص الكثيرة التي أتيحت له حتى الآن.

يمثل الوضع الحالي فرصة نادرة وربما أخيرة للعبادي، كي يعلن انسحابه من حزب الدعوة وربما إعلان تشكيل كتلة عابرة للطوائف، سينضم إليها حتما أكثر من نصف أعضاء البرلمان، على الأقل لإنقاذ أنفسهم من غضب الشارع وتنظيف سجلات بعضهم السوداء.

لكن يبدو أن التصعيد الحالي لن يؤدي إلى تحقيق تحول جذري في المشهد السياسي خلال أيام أو أسابيع، وأن هذا المخاض سيكون مرحلة انتقالية تمهد في نهـاية المطـاف لإجـراء انتخـابات أكثر شفافية بعد تحرير الموصل، والذي يبدو أن أوباما عازم على تحقيقه قبل مغادرة الرئاسة.

العراق لا يزال ساحة لنفوذ قوى إقليمية وعالمية، رغم أن ضغط الشارع قلصها وفرض عليها مراجعة أوراقها. لكن تلك القوى وخاصة واشنطن، لن تسمح بتغيير الرئاسات الثلاث دفعة واحدة في وقت يتم فيه الاستعداد لطرد داعش.

ربما يكون من الأفضل لتحقيق تحول سلس في الساحة العراقية، إخراج منصب رئيس البرلمان فقط من المحاصصة، واختيار شخص مسيحي أو إيزيدي أو صابئي أو تركماني، ليكون منطلقا في طريق إنهاء المحاصصة والأحزاب الدينية.

ويمكن على الأقل، إنهاء المحاصصة الحزبية فقط في منصب رئيس البـرلمـان، مثـل اختيـار مثـال الآلـوسي رئيسـا للمجلـس، باعتباره من التحالف المدني الديمقراطي، لتكون خطوة أولى نحو إنهاء المحاصصة.

قد يكون على العراقيين القبول بطي أي جزء من الصفحات السوداء، ولو مؤقتا من أجل إنقاذ البلد، لأن شهوة الانتقام الجامحة قد تضيع جميع الأهداف وقد تقود لكارثة أكبر. وبعد ذلك حين تهدأ الجروح ستفتح جميع الملفات السوداء ويتم التحقيق في كل شيء.

لو أمسك أحدنا بمجرم فور قتله لأحد أحبائه، وفي ظل سلطة غاشمة، فإنه ربما سيقتله، لكنه لو أمسكه بعد شهر من الجريمة فإنه ربما سيسلمه إلى السلطات، خاصة إذا تحسن أداؤها وأصبحت أكثر شفافية وعدالة.

كاتب صحافي عراقي

8